المرأة الإرهابية ضحية وأداة أم منتجة للإجرام والموت

الأحد 2015/01/18
تستغل المرأة في المنظمات الإرهابية بأشكال متنوعة فنجد من توكل إليهن مهام التجنيد أو الإستقطاب أو الجهاد

لطالما اعتبرت الحركات الإرهابية والجهادية المتطرفة مضطهدة وقامعة للمرأة خاصة منها تلك التي تتبنى نظريات رجعية مفادها أن المرأة ليست إلا كائنا ضعيفا دوره في الحياة ينحصر في الإنجاب وتنشئة الأبناء وتلبية رغبات الرجل، لكن المفارقة تكمن في وجود نساء صلب هذه الحركات وأحيانا يتقلدن فيها أدوارا قيادية ويكنّ داعمات ومروّجات لفكرها، والسؤال الملحّ الذي يطرح نفسه هنا كيف يمكن للمرأة أن تساند حركة لا تؤمن بإنسانيتها ولا بحقوقها؟ ولماذا تستقطب المجموعات الإرهابية النساء اللاتي لا يمثلن في نظرها إلا وسيلة للإنجاب والمتعة.

عندما نتحدث عن المرأة الإرهابية كأنما جاورنا بين نقيضين في الوصف والموصوف، فالمرأة هي رمز الحياة وهي الأم وهي من تنتج الحياة فكيف لها أن تصبح من منتج للحياة إلى منتج للرعب والجريمة والموت في ظل النشاط الإرهابي؟ ما السبب في هذا التحول من الطبيعة السلمية إلى الصورة العدوانية التي نراها اليوم؟ وما هي القوة التي وجهت وجدانها وأفكارها نحو القتل واستعمال العنف والسلاح؟

أسئلة كثيرة ومختلفة حيرت الباحثين لفهم كيفية انخراط المرأة في الحركات المتطرفة وأسبابه، إذ يرى بعضهم أن الأمر لم يرق إلى مستوى الظاهرة بحكم أن عدد النساء الناشطات في الحركات الإرهابية يعد قليلا مقارنة بالرجال، وأن القياديات اللاتي يظهرن في العمليات الإرهابية قليلات، وفي ظل غياب التعداد والإحصاء للإرهابيات بسبب طبيعة هذه المجموعات وطبيعة المناطق المتواجدة فيها إلا أن ما تكشفه المعلومات يؤكد قلة أعداد هؤلاء النسوة.

ولا يخفى على الجميع أن الجماعات الإرهابية والجهادية تستقطب المرأة لاستخدامها في تحقيق أهدافها وتنفيذ مخططاتها بجعلها أداة لذلك، مثلما توظف الشباب والمراهقين.

هل تلعب المرأة ضمن الجماعات الإرهابية أدوارا فاعلة في تقويتها ونموها أم أنها مجرد ضحية ووسيلة؟ هل تستخدم الجماعات النساء لأغراض القتال والمتعة والأعمال المنزلية فقط أم أنها وسيلة للبروباغندا؟

ويرجع علماء النفس والاجتماع هذا الأمر إلى أن قدرة هذه الجماعات على استقطاب الشباب واستدراجه -بصرف النظر عن النوع أو الجنس- للانخراط ضمنها مرتبط ارتباطا مباشرا بالوسط الاجتماعي والاقتصادي الذي ينتمي له هؤلاء والمتسم بالهشاشة والفقر والخصاصة والبطالة، وأحيانا الانحراف ونقص المستوى التعليمي وخاصة ضعف الثقافة الدينية وهو ما يسهّل أدلجتهم وملء أدمغتهم بالأفكار المتطرفة التي تتأوّلها الجماعات الإرهابية وتربطها بالدين.

كما أن هذه العوامل الاقتصادية والاجتماعية يتولد عنها اختلال نفسي وإدراكي عميق، حيث ينشأ لدى المراهق والشاب إحساس بالنقص ونقمة على المجتمع يوظفهما الإرهابيون والمروجون للتطرف لتغذية النزعة العدوانية والوحشية لدى هذه الفئة من الشباب.

هذه البيئة تسهل على المجموعات الإرهابية عملية استدراج المراهقين والمراهقات وأدلجتهم وتجعلهم مثل الأرض البكر التي يسهل زرع الأفكار المتطرفة فيها وإنماؤها، وبذلك يصبح متاحا التحكم فيهم وتوجيههم نحو طريق تنفيذ الهجمات الإرهابية وغيرها من العمليات.

المرأة ليست بمنأى عن هذه العوامل، ولعل انزلاقها نحو التطرف والإرهاب يكون أسهل بالنسبة إلى الجماعات الإرهابية التي تستغل عاطفيتها وسهولة تأثرها بالخطاب الديني الذي يمس إحساسها ويسهل إقناعها بأنها بانخراطها في الجماعة تكرس إيمانها وتثبت حبها لله ودينها، وبأنها تجاهد في سبيل نشر الدين وإفادة الجميع بقيمه.

ومن ثمة تنطلق مرحلة جديدة تسهل لهم السيطرة عليها فيبثون لديها المنهج التكفيري فيقنعوها بأنها من خلال اتباعهم تكون على “الصراط المستقيم” وأن كل من لا يؤمن بقناعاتهم ولا يمارس دينه على طريقتهم فهو كافر، وبذلك تنشأ لديها نظرة سيئة تجاه الآخرين وتراهم زمرة من الكفرة والمرتدين، فتنكفئ عن ذاتها وتتقوقع وتنعزل بفكرها عنهم، وأحيانا تكره كل المحيطين بها.
مطالبة بوكو حرام بإعادة الفتيات المختطفات

ويبقى في تلك الحالة خياران؛ إما التكتم عما تتلقاه من تلقين، وإما أن تحاول نشره في محيطها وإقناع الآخرين به، وهذه الاستراتيجية التي يتوخاها الإرهابيون في الأدلجة باتت في عصر التكنولوجيات الحديثة أكثر يسرا وسهولة وأقل كلفة، فالشبكات العنكبوتية ونوافذها المفتوحة على المراسلة والدردشة تسهل مهمة الجماعات المتطرفة وتتيح لهم الدخول لأي بيت وربط علاقة مع أي شخص أينما كان. هذا إلى جانب العلاقات والاتصال المباشر حيث يمكن أن يتسرب الفكر المتطرف إلى عقل المرأة أو الفتاة عن طريق العائلة والمجتمع، فهذه العلاقات الحميمية تسهل غرس هذه الأفكار في ذهن الفتيات وخاصة منهن صغيرات السن.

وأحيانا تتأثر المرأة أو الشابة المراهقة بأحد أفراد العائلة وأحيانا أخرى بالأصدقاء والأقارب أو بالزوج.

وبعد أن تتشبع المرأة بهذا الفكر وتتبناه يسهل على أعضاء جماعتها الجديدة التحكم فيها وتسييرها وفق رغباتهم وتكون جاهزة لتنفيذ خططهم، وهو ما ينطبق على الداعمات للتنظيمات الإرهابية التي تستقطب الأوروبيات والمسلمات في المهجر اللاتي يسهل استقطابهن أكثر من غيرهن، خاصة إن كن تعانين من مشاكل في الاندماج في المجتمع الغربي الذي تعشن فيه بسبب المسافة بين رؤيتهن للقيم والأخلاق التي تتماشى مع نشأتهن ومع معتقداتهن الدينية، وبين ما تشاهدنه من نمط عيش وسلوكات في المجتمع الغربي لا تتقبلنها، فيحدث لديهن نوع من الرفض للبيئة التي تعشن فيها وبذلك تترعرع لديهنّ مشاعر النقمة التي تنمو بفضل ما زرع بداخلهن من نزعة تكفيرية تجاه الآخر.

وتدرك المجموعات الإرهابية جيدا ما تعانيه المسلمات في المهجر خاصة في المجتمعات المعروفة بالميز العنصري أو بالإسلاموفوبيا فيتم التركيز على هذه الجوانب، لممارسة ضغوطات نفسية على المستهدفات ويتم إشعارهن برفض المجتمع الغربي لهن، كما تستغل الجماعات المتطرفة الشعور بالغربة ورغبة بعض المسلمات في العيش في مجتمع يتقاسمن معه الديانة وسلّم القيم والأخلاق وكذلك نقص ثقافتهن الدينية، ليكون خيار الانتماء إلى المجموعة المتطرفة خير حل لهن ليعشن مع أفراد يمكن الانسجام معهم في الفكر والمعتقد.

وبالإضافة إلى الإغواء بمفردات الجهاد في سبيل الله يتم استدراجهن بمقولات الجنة التي تنتظرهن والأجر العظيم كما يتم استغلال رومنسيتهن ورغبتهن في الزواج بشاب مؤمن ومجاهد، وكثيرات هن الداعمات للجماعات الإرهابية مثل تنظيم “داعش” إذ يلتحقن به رغبة في الزواج وتأسيس أسرة. إلا أن هذه الحيثيات وغيرها مازالت رهن البحث والدرس في مباحث علم الاجتماع وعلم النفس.

تظهر المرأة أحيانا كقيادية على شاكلة حياة بومدين التي برزت مؤخرا في العملية الإرهابية التي تعرض لها مقر مجلة شارلي إيبدو الفرنسية وهي اليوم على رأس قائمة المطلوبين من قبل جهاز الأمن الفرنسي

كما تستغل المرأة في المنظمات الإرهابية بأشكال متنوعة فنجد من توكل إليهن مهام التجنيد أو جذب عناصر جديدة للجماعة من بين الشباب ذكورا وإناثا وذلك عبر الأدلجة خاصة وعن طريق الإنترنت ، كما تستعملن كوسيلة إغراء للمجاهدين الرجال حيث سيجدون جاريات ونساء للمتعة مسخرات لهم لتلبية رغباتهم الجنسية، وهذا يندرج ضمن ما أطلق عليه هؤلاء “جهاد النكاح”، إذ أن هذا المفهوم الهجين قد ابتدعه هؤلاء تحت ستار الإسلام رغم أنه لا يمت إليه بصلة حسب الفقهاء، فأصبحوا يوجهون له الفتيات خاصة المراهقات والصغيرات في السن وقد التحقت عديد الفتيات بهذه الجماعات كداعش أو جبهة النصرة خاصة في سوريا بتعلة ممارسة جهاد النكاح وإمتاع المجاهدين وتوفير الرعاية العاطفية لهم.

من ناحية أخرى يمكن توظيف بعضهن في حمل السلاح وتدريبهن على ذلك، أو على ممارسة التمريض لإسعاف المجاهدين إن تلقوا إصابات، كما يمكن أن توكل لهن مهام القتال إن توفرت لديهن شروط بدنية معينة تساعدهن على ذلك، وفي حالات أخرى يجبرن على القتال وممارسة العنف والذبح والقتل إن غاب اقتناعهن بذلك.

كما تجبر الصغيرات في السن على حمل المتفجرات أحيانا لاستخدامهن كانتحاريات خاصة إن كن من المختطفات أو السبايا وهو ما تفعله جماعة بوكو حرام الإرهابية في نيجيريا، وفي حالات أخرى تستخدم المرأة في إيصال المؤونة والتموين وفي نقل الرسائل وحتى الأسلحة، لأن ارتدائها للنقاب والحجاب والجلابيب الفضفاضة يسمح لها بذلك ولأنها تكون أقل عرضة للتفتيش من الرجال.

كما تظهر المرأة أحيانا كقيادية ضمن الجماعة خاصة إن توفرت لديها مهارات استعمال السلاح وأحيانا تكون المخطط أو ضمن المخططين لبعض العمليات أو ملهمة للجهاديين على شاكلة عافية الصديقي الأفغانية المنتمية إلى تنظيم القاعدة والتي لقبت بسيدة القاعدة، أو مثل حياة بومدين التي برزت مؤخرا في العملية الإرهابية التي تعرض لها مقر مجلة شارلي إيبدو الفرنسية بفرنسا وهي اليوم على رأس قائمة المطلوبين من قبل جهاز الأمن الفرنسي.

ووفقا لبعض المصادر الأمنية كانت حياة قد دخلت الأراضي الأسبانية في الثاني من يناير، لتنتقل بعدها إلى تركيا في الثامن من يناير، ومن ثمة توجهت إلى سوريا.
مقاومة ظاهرة النساء الجهاديات والتوقي منها تبدأ من ترشيد الخطاب الديني وإبراز مكانة المرأة في الإسلام

وعاشت بومدين وسط عائلة كبيرة العدد ومسالمة في فرنسا حيث يقول عنها جيرانها إنها إنسانة خلوقة وطيبة مع الجميع وكانت تبدو خجولة وهادئة، ثم تعرفت على أحمدي كوليبالي منفّذ عملية الاختطاف في المتجر اليهودي وتزوجت منه مدنيا عام 2009 وحينها كانت شابة سافرة قبل أن تقرر ارتداء النقاب والانعزال بحياتها بعيدا عن الأنظار ثم الانزلاق نحو الإسلام المتطرف لا سيما بعد أن عاد كوليبالي للإقامة معها بعيد خروجه من السجن.

وحسب مصادر أمنية فإن بومدين كانت قد رافقت زوجها مرارا إلى غابة في وسط جنوب فرنسا للتدرب على الرمي بالقوس وغيره، وهكذا كانت شريكته في عملية احتجاز الرهائن ويبدو أنها تمكنت من الفرار قبل قتل رفيقها في العملية من قبل الأمن الفرنسي.

نموذج حياة بومدين وغيرها من القياديات في الجماعات الإرهابية برهن على دور المرأة وخطورتها إذا ما انخرطت في الجماعات المتطرفة، لكن البحث في الظروف والأسباب والعوامل والضغوط التي تصنع من المرأة عنصرا إرهابيا هو بحث معقد تواجهه عقبات متداخلة متصلة بانغلاق المجموعات الجهادية، وندرة شهادات النساء الجهاديات، فضلا عن صعوبة التعاطي مع قضية المرأة بشكل عام.

وما تزال عديد التساؤلات معلقة دون أجوبة مقنعة عنها. فهل ينم تصرف هذه الفتاة وغيرها من الإرهابيات عن قناعة وهي تساهم بعملية القتل؟ ما الذي دفعها إلى ذلك وما هي الضغوطات التي تمارس على النساء من أصول عربية وإسلامية خاصة في المهجر للانضمام إلى الحلقات المتطرفة والإرهابية؟ هل تلعب المرأة ضمن الجماعات الإرهابية أدوارا فاعلة في تقويتها ونموها أم أنها مجرد ضحية ووسيلة؟ هل تستخدم الجماعات النساء لأغراض القتال والمتعة والأعمال المنزلية فقط أم أنها وسيلة للبروباغندا؟

وإن أردنا التعمق أكثر في الموضوع فإن تساؤلات أكثر تعقيدا تنتظر الجواب، ومنها هل المرأة الجهادية التي يتم استقطابها وبرمجتها وتلقينها أدبيات الحركات المتطرفة مذنبة أم ضحية؟ وهل سياق انضمام بعض النساء إلى التنظيمات الجهادية هو تعبير عن أزمة اجتماعية أو دينية أو ثقافية تربوية؟ أم هي مزيج متضافر من كل هذه الأبعاد؟ هل مقاومة ظاهرة النساء الجهاديات، والتوقي منها، تبدأ من ترشيد الخطاب الديني وإبراز مكانة المرأة في الإسلام بعيدا عن الدعاوى التكفيرية المتشددة، أم الأمر يتطلب فقط التركيز على الأبعاد الوضعية القانونية والرهان على أن القوانين الحديثة تحمي المرأة؟

20