المرأة التركية بين المشاكل المجتمعية والاتكاء على الحلول الدينية

الأربعاء 2013/09/18
وقفة تحد لقوات أردوغان القمعية

المتأمل في وضع المرأة التركية يلمس بشكل ملحوظ التناقضات التي يعيشها مجتمع بأسره، وأنت تتجول بالشوارع تشاهد المرأة التركية المتحررة في لباسها وفي نمط حياتها، كما تشاهد المرأة المحافظة والمحجبة، وإن تعمقت في المجتمع تجد السيدة العاملة والمثقفة كما تجد ذات المستوى التعليمي المحدود التي تقبع في البيت.. هذه التناقضات لها تفسير يجد صداه في تمزق المجتمع بين المحافظين المتشددين، الذين لا يؤمنون بتعليم ولا بعمل ولا بحقوق المرأة، وبين العلمانيين الذين يؤمنون بحقوق المرأة وبدورها البناء والأساسي في المجتمع.

وفي شهر مايو صدرت عن وزارة الأسرة والسياسات الاجتماعية إحصائيات صادمة حول العنف الموجه ضد المرأة، لكن هذه النتائج لم تستأثر بالتغطية الإعلامية اللازمة كإحدى خطوات التنديد بها، ومن الواضح أنه أريد أن تمر هذه الأرقام مرور الكرام، وقد ورد في إعلان وزيرة الأسرة فاطمة شاهين وفاة 666 امرأة بين عامي 2009 و2012 نتيجة للعنف داخل العائلة، وأكدت أن المعلومات الواردة من وزارة الداخلية تشير إلى وفاة 171 امرأة خلال عام 2009، و177 خلال عام 2010، و163 خلال عام 2011، و155 خلال العام الماضي 2012. وأوضحت الوزيرة أن حالات الوفاة ليست ناجمة عن عنف الزوج فحسب وإنما أيضا من أفراد الأسرة جميعا سواء كان أخ، أو أب، أو عم، أو خال، وأشارت شاهين إلى أن الأسباب الرئيسية لزيادة نسبة الطلاق متعلقة بالدرجة الأولى بالعلاقات الزوجية والهيكل الاقتصادي للأسرة والثقافة الاستهلاكية ومتغيرات أخرى.

وفي أواخر شهر أغسطس وقعت كل من وزارة الأسرة والشؤون الاجتماعية ورئاسة الشؤون الدينية بروتوكولا تعاونيا يساهم بموجبه رجال الدين في حماية الأسرة ومكافحة العنف ضد المرأة وذلك بمشاركة كل من وزيرة الأسرة ورئيس الشؤون الدينية محمد غورماز ونائب رئيس الوزراء باكير بوزداغ. وفي كلمتها أشارت شاهين إلى أنه قد زاد في العصر الحديث مستوى دخل الفرد ولكن في الوقت نفسه هناك زيادة في المنكرات وقالت: "يجب علينا فعل المزيد من الخيرات وأن الطريق الوحيد للنضال ضد الظلام هو في زيادة النور والطريق الوحيد في تقليل المنكرات هو زيادة فعل الخيرات لذا مهمتنا ومسؤوليتنا كبيرة جدا..".

وبموجب الاتفاقية الموقعة فإن موظفي رئاسة الشؤون الدينية سيقومون بزيادة الوعي والتحسيس عبر فعاليات التعليم من أجل مكافحة العنف ضد المرأة وحماية الأسرة، كما يهدف البروتوكول إلى تطوير حقوق الإنسان والمرأة والحد من العنف الأسري ومكافحة العنف ضد المرأة ومكافحة العنف ضد الأطفال والعمل على تقوية روابط الأسرة والتواصل بين أفرادها ودعم قدراتهم على حل مشاكلهم. ما يجلب الانتباه في تعاطي وزيرة الأسرة مع قضية العنف ضد المرأة، ومن ورائها الحكومة التركية، هو التوجه لرئاسة الشؤون الدينية لإيجاد حل يُصلح وضع المرأة وينقذها من الموت نتيجة للتعنيف من قبل أحد ذكور العائلة. هذا التوجه للسلطة الدينية في البلاد لترسيخ وعي اجتماعي وللتحسيس بخطورة وضع المرأة المضطهدة داخل أسرتها وداخل المجتمع، ليس إلا تأكيدا لتوجه حكومة بأكملها بقيادة الحزب الحاكم، حزب العدالة والتنمية الإسلامي المحافظ، الساعي لأسلمة المجتمع التركي العلماني ولبسط نفوذه على المجتمع عن طريق الدين واتخاذه كحل أساسي لكل مشاكل المجتمع.

القضية بالأساس قضية اجتماعية وليست دينية وحلولها تكمن في السياسات الاجتماعية التي تتبناها الدولة ومعها المجتمع، وليست حلولا دينية لأنها ليست مشكلة عقائدية، فالسلوك الاجتماعي الخاطئ يتم تصويبه بالبحث عن الأسباب الحقيقية المجتمعية التي أنتجته والبحث عن مواطن الخلل التي جعلت الناس يسلكونه، وذلك من خلال دراسة أساليب التربية والتعليم داخل الأسرة والمؤسسات التربوية والمجتمع، والبحث في الثقافة وفي الوعي الجماعي بهذه القضية، كل ذلك بتوخي أساليب علمية في تحليل هذه الظاهرة السوسيولوجية لإيجاد حلول تمس وعي وثقافة الفرد والمجموعة وتصل لترسيخ مفاهيم كحقوق المرأة وأهمية دورها في الأسرة وفي المجتمع.

إذن فالمرأة التركية التي تعاني الاضطهاد والتعنيف الذي يصل إلى حد القتل، والتي تلحظ في مقابل موتها سعي الوزارة المكلفة بحمايتها وبالدفاع عن حقوقها للاعتماد على رجال الدين كحل للقضية، لا يسعها إلا أن تخرج في المظاهرات احتجاجا على ما آلت إليه وضعيتها لدى السلطات المعنية وفي المجتمع مترجمة معاناتها وتوجسها خيفة من تيار ديني ومجتمعي يزحف في اتجاه تهديد مكاسبها بالدفاع عن حقوقها عبر التظاهر والاحتجاج.

12