المرأة التونسية تقطع الطريق أمام صعود الإسلام السياسي

الأحد 2015/01/04
المرأة هي المحرار الأول للحالة الاقتصادية والاجتماعية في تونس

صوت المرأة التونسية ارتفع عاليا في الانتخابات التشريعية والرئاسية ليقول كلمة الفصل ويرجّح كفة حركة نداء تونس “الحداثية” عن حركة النهضة “الإسلامية”، ونظرا لأن المرأة في تونس تمثل العمود الفقري للمجتمع الحداثي المتحرر من النظرة الدونية للنساء فقد شاركت بكثافة في الإدلاء بصوتها وعبّرت عن إرادتها في اختيار حاكم البلاد المستقبلي الذي ترى فيه الضامن لحقوقها ومكتسباتها.

تعددت القراءات واختلفت التحاليل حول المشاركة النسائية في الانتخابات التونسية ولكل قراءة مرجعيّتها التي ميزتها في تأويلاتها عن غيرها غير أن النقطة التي لم يختلف فيها الجميع هو أن المرأة التونسية هي من قررت مستقبل تونس وحسمت نتائج الانتخابات التشريعية والرئاسية، وحسب مؤسسة “سيغما كونساي” لسبر الآراء وفي تقديرها لنتائج التصويت في الدور النهائي للانتخابات الرئاسية حسب الجنس، فإن الرجال صوتوا بأكثر كثافة للمترشح المنصف المرزوقي بـ46.8 بالمئة مقابل 39 بالمئة فقط من النساء، في حين كانت النساء أكثر تصويتا للمترشح الباجي قائد السبسي بـ61 بالمئة مقابل 53.2 بالمئة من الرجال.

وفضلا عن النتائج المباشرة التي أفرزتها الانتخابات الرئاسية التونسية الأخيرة، فإنّها وفّرت جملة حقائق متصلة بالأسباب العميقة لفوز حركة نداء تونس بأكثر عدد من المقاعد في مجلس النواب الجديد ولتتويج الباجي قايد السبسي بمنصب رئيس الجمهورية. وبالإضافة إلى طبيعة الطبقة السياسية التي اصطفته بمختلف مكوناتها وانتماءاتهما يبرز هنا دور المرأة التونسية جليا في الانتصار لـ”البجبوج” (كما يلقّبُ شعبيا)، والانتصار تبعا لذلك النموذج المجتمعي الذي يمثله.

في الواقع أجمعت الأرقام المتداولة (سواء من الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أو أرقام مؤسسات سبر الآراء) على أن ما يناهز مليون امرأة تونسية صوتت للباجي قايد السبسي من أصل مليون و700 ألف صوت حصل عليها الأخير. هذه النسبة المرتفعة من مجموع الناخبين، ومن جملة الأصوات التي حصل عليها رئيس تونس الجديد، تدفع للتساؤل عن دواعي التصويت النسوي العارم للباجي قايد السبسي وعوامله.

المرأة التونسية ربطت بين ما اتضح من خطاب "الترويكا" من نوايا التراجع عن النمط المجتمعي التونسي، وبين خطاب طمأنة قدمه الباجي

ولفهم الإقبال النسوي الكثيف على الانتصار لمرشح نداء تونس لا بد من العودة أولا إلى المرحلة التي مرت بها تونس أثناء حكم النهضة التي دعّمت واصطفت وراء تنصيب المرزوقي رئيسا للبلاد في بداية المرحلة الانتقالية التي شهدت صعود مطالب أقل ما يقال عنها إنها غريبة عن طبيعة المجتمع التونسي وكانت أخطرها تلك التي تتعلق بمكاسب المرأة ومكانتها في المجتمع ومنها انتشار ظاهرة الزواج العرفي وصعود بعض المطالب بتغيير مجلة الأحوال الشخصية الضامنة لحقوق المرأة كمواطنة وتطبيق الشريعة الاسلامية فيما يخص تعدد الزوجات.

وارتفعت الأصوات المنادية بتطبيق الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع، وما عنته لدى البعض حتى من أعضاء المجلس التأسيسي من النساء خاصة منهن القريبات من الاتجاه الاسلامي وتحديدا من النهضة، من ضرورة اعتبار المرأة مكملا للرجل لا شريكا، ومن وجوب الإقرار بحق الرجل الشرعي في تعدد الزوجات. ومن هنا تحديدا تبينت المرأة التونسية أن تراجعا هائلا عن مكتسباتها يدبر لها على أيدي النهضة وحلفائها.

فطنة التونسية وحرصها على عدم الرجوع إلى الوراء وعدم التخلي عما حققته خلال العقود الماضية بفضل نضالاتها لكسب حقها في المساواة مع الرجل جعلتها في طليعة كل الاحتجاجات الشعبية والمدنية والسياسية المناهضة للرجعية الصاعدة في ظل حكومة النهضة وحكم المرزوقي.

وتميزت المرأة التونسية بحضورها في اعتصام الرحيل الذي انتظم في ساحة باردو غداة اغتيال السياسي محمد الإبراهمي، وفي تلك الساحة كان صوت مباركة الإبراهمي (أرملته) وبسمة بلعيد (أرملة شكري بلعيد) صادحا مناديا بالكشف عن القتلة، ومطالبا أيضا بعدم التخلي عن المكتسبات التي حققتها المرأة التونسية طيلة حكم الزعيم الحبيب بورقيبة. كان لذلك الاعتصام نتائج سياسية مباشرة تمثلت في تخلي النهضة عن الحكومة وتشكيل حكومة المهدي جمعة، لكن الأهم تمثل في إقرار دستور يتماشى مع تطلعات المجتمع التونسي، والذي كانت المرأة سباقة في الدفاع عنه صونا لمكتسباتها. وتواصل النضال النسوي التونسي في كل الفعاليات الحقوقية والمدنية وكانت المصدّ الحقيقي لمشاريع النهضة وأتباعها.

لم تقتصر مشاركة المرأة في الانتخابات على دور الناخب بل ساهمت في تسييرها وتنظيمها

هذه العوامل الذاتية المتعلقة بالحقوق وضمان عدم التراجع عنها تشريعيا وواقعيا دفع التونسيات إلى خوض جولات إضافية من النضال بعد سنوات القمع وغياب الحريات خاصة منها السياسية في عهد الدكتاتورية وبعد المشاركة الفعلية في الزخم الثوري الذي أنهى حكم بن علي، فرضت الفترة الانتقالية تحت راية النهضة والمرزوقي على المرأة بذل المزيد من الجهود للمطالبة بالحفاظ على مكاسبها، وكنا نراها رافعة صوتها في المسيرات كما نراها في وسائل الإعلام في كل المجالات مصرة على عدم التراجع قيد أنملة عن مكاسبها.

هذه العوامل إلى جانب الأسباب الموضوعية المرتبطة بالوضعية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتردية التي أوصلت لها حكومة “الترويكا” تونس، جعلت المرأة مندفعة إلى انتخاب مشروع الباجي قايد السبسي الذي كان خطابه مطمئنا للمجتمع التونسي بشكل عام، وللمرأة بشكل خاص عندما وعد بمواصلة حماية مكتسباتها وتعزيز دورها السياسي والاجتماعي.

لكن المرأة التونسية ربطت أيضا بين ما اتضح من خطاب “الترويكا” من نوايا التراجع عن النمط المجتمعي التونسي، وبين خطاب طمأنة قدمه الباجي، لذلك كان الحضور النسوي في حزب نداء تونس لافتا، وكأن المرأة التونسية تحتمي ببرنامج الباجي وحزبه مما قدّرت أنه يتهددها إن فاز المرزوقي بكل ما يرمز إليه من ارتباط بالنهضة واتكاء على رابطات حماية الثورة ومغازلة للسلفيين.

كما أن هذا الاصطفاف النسوي وراء حزب نداء تونس والباجي قائد السبسي يرجع لأبعاد تاريخية أكثر عمقا من الأسباب الحينية المباشرة، وهي تتصلُ بما خلفه زمن بورقيبة في المجتمع التونسي من آثار. حيث يعرف الجميع أن الزعيم بورقيبة، رغم أخطائه في السنوات الأخيرة من رئاسته للبلاد إلا أنه حقق جملة إنجازات لا ينكرها حتى أشرس خصومه؛ وكان منجزه يبدأ بإجبارية التعليم ومجانيّته، مرورا بإقراره لمجلة الأحوال الشخصية (13 أغسطس 1956 أي بعد أشهر قليلة من الاستقلال في آذار من العام نفسه) وإقراره حق الانتخاب للمرأة ودخولها سوق الشغل، فضلا عن منع تعدد الزوجات وإقرار مبدأ المساواة بين الجنسين ومنح المرأة حق الطلاق ومنح الجنسية لأبنائها وغير ذلك من الحقوق.

النقطة التي لم يختلف فيها الجميع هي أن المرأة هي من حسمت نتائج الانتخابات التشريعية والرئاسية

وصنعت مرحلة حكم الحبيب بورقيبة لدى المجتمع التونسي نوعا من القبول والاعتراف بحقوق المرأة، وهو اعتراف متأت من تأثير التعليم العصري الذي أقره بورقيبة، ومن الدور الذي مكنت المرأة من لعبه طيلة عقود. كما وفرت أمثلة عليسة والكاهنة وأروى القيروانية وعزيزة عثمانة وتوحيدة بن الشيخ وبشيرة بن مراد وأم زياد وراضية النصراوي وغيرهن كثيرات، نماذج للنجاح النسوي ولقوة المرأة ولقدراتها وكفاءتها في اختيار طريق النضال من أجل تحقيق الذات والمساهمة الفعالة في بناء مجتمع حداثي.

التقاء العامل المعرفي التعليمي بالعامل التاريخي، إضافة إلى أن المرأة هي المحرار الأول للحالة الاقتصادية والاجتماعية، كانت عوامل جعلت المرأة تتفطن بسرعة إلى أن مشروعا رجعيا يحاك ضدها وضد النمط المجتمعي التونسي بأسره، فسارعت إلى خوض النضالات بكل أشكالها وأجهزت على المشروع الرجعي بمشاركة انتخابية منقطعة النظير.

ورغم ما شاب الحملات الانتخابية من توتر وتشنج واصطفاف حاد، إلا أن ذلك الجو السياسي المشحون لم يحبط عزيمة المرأة التونسية التي قررت حسم الأمر بالانتصار للنمط المجتمعي التونسي الحداثي المتعدد والمختلط، والتصدي لمشروع رجعي كان يريد العودة بالبلاد إلى ما قبل الاستقلال، والعودة بالنساء إلى دائرة القيود الاجتماعية والتبعية للرجل. وكان عنوان النمط المجتمعي الذي دافعت عنه النساء التونسيات في البداية والأحزاب الديمقراطية والتقدمية قد توحد في اسم واحد هو الباجي قايد السبسي، أما مشروع الإسلام السياسي فاجتمع في دائرة سياسية مثلتها النهضة والمؤتمر من أجل الجمهورية (حزب المرزوقي) إضافة إلى بعض التيارات الدينية والسلفية، واختزل بدوره في النهاية في اسم المنصف المرزوقي.

كان الدور الثاني للانتخابات الرئاسية التونسية، صراعا بين مشروعين؛ مشروع تونس الحديثة التي تبحث عن تحصين مكتسباتها وتحسينها، ومشروع تونس التي يراد لها أن تتحول إلى إمارة إسلامية لا تعترف بالتعدد أو الاختلاف. لذلك اختارت المرأة النمط المجتمعي الذي ألفته وساهمت في صنعه طيلة أجيال وعقود.

وشكلت عناصر مثل ثقل المرأة التونسية الانتخابي ووعيها السياسي ودوافعها الذاتية والموضوعية أرضية صلبة حفزتها على المشاركة بكثافة في المسار الانتخابي وعلى الإدلاء بصوتها الذي حسم الأمر في تقرير مستقبل البلاد واختيار الرئيس والحزب الأغلبي في البرلمان، وهكذا تكون المرأة التونسية هي من خطت عبر صناديق الاقتراع صفحة جديدة من صفحات تاريخ تونس وهي من اختارت من سيدير دفة الحكم في البلاد ويحفظ مكاسبها وحقوقها.

20