المرأة الريفية في الدراما العربية شخصية هامشية تعاني الجهل والحرمان

هبة عفت: على الدراما أن تغير الصورة النمطية عن المرأة في الريف.
الخميس 2021/08/12
صور لا تعكس حقيقة نساء الريف

تتناول العديد من الأعمال السينمائية والدرامية العربية الريف بشيء من النمطية، وتقدمه في غالب الأحيان في صور مغلوطة لا تعكس واقعه المتغير، ولا تناقش مشاكله بالجدية والعمق اللازمين، بل قد يصل بها الحد أحيانا كثيرة إلى السخرية منه وتقديمه في صورة كاريكاتيرية مشوهة، وهو ما يتطلب أبحاثا رصينة لتجاوز النمطية.

تعد المرأة الريفية المصرية من أكثر النساء نشاطا، فبالرغم من أن الرجل الريفي يقوم في الغالب بالأعمال التي تتطلب جهدا جسمانيا وعقليا، في حين تقوم المرأة بالأعمال التي لا تحتاج إلى مثل هذا الجهد، إلا أنه في بعض الأحيان تضطر المرأة الريفية إلى القيام بالأعمال لا وفقا لاختيارها أو مناسبة العمل لها، وإنما وفقا لحاجة العمل نفسه، لذا فإن الأعمال الشاقة مثل العزيق أو تقليب الأرض لم تكن وقفا على الرجل فقط، وإنما تعد في بعض الأحيان من الأعمال الأساسية للمرأة الريفية العاملة في مجال الزراعة.

إن إجمالي الإناث العاملات في مجال الزراعة  يقارب الخمس من الأطفال الإناث اللواتي ينتمين إلى الشريحة العمرية بين 15 و19 سنة، مقابل 13 في المئة للذكور، مما يشير إلى تفضيل واضح لتعليم الذكور، وبالتالي تتسرب الفتيات خاصة المنتميات إلى تلك الشريحة العمرية من المدارس رغم معدلاتهن التي تفوق معدلات الذكور، ويعود ذلك إلى قيامهن ببعض الأعباء الزراعية بدلا من أمهاتهن أو القيام ببعض الأعباء المنزلية.

وفي ضوء هذا الدور تسعى هذه الدراسة “صورة المرأة الريفية في الدراما” للباحثة هبة محمد عفت إلى التعرف على الملامح والسمات الأساسية للمرأة الريفية كما تعرضها المسلسلات العربية في التلفزيون المصري، ومحاولة معرفة ما إذا كانت الصورة التي تقدم عن المرأة الريفية قريبة من الصورة الواقعية بملامحها المختلفة للمرأة الريفية في مصر وعلاقتها بإدراك الجمهور لواقعها الاجتماعي.

الأمية والجهل

الأعمال الدرامية مازالت تؤكد على الصورة التقليدية للمهن التي تظهر بها المرأة الريفية وأدوارها والمشاكل التي تعانيها

في دراستها، الصادرة عن دار العربي، تحلل عفت الصورة التي تقدم بها المرأة الريفية في المسلسلات العربية التي يقدمها التلفزيون المصري، وذلك بإلقاء الضوء على الخصائص والصفات والأدوار التي قدمتها هذه المسلسلات عن المرأة الريفية، ومعرفة أوجه الاختلاف أو التشابه بين الواقع الذي يقدمه التلفزيون عبر أعماله الدرامية لصورة المرأة الريفية وبين الواقع الفعلي لها، وذلك عن طريق مقارنة نتائج الدراسة التحليلية لمضمون عدد من المواد الدرامية العربية بالإحصائيات الناتجة عن الدراسة الميدانية، ومعرفة مدى تأثير التعرض للأعمال الدرامية التي تظهر فيها المرأة الريفية على إدراك الجمهور المصري للواقع الاجتماعي للمرأة الريفية.

وقامت الباحثة في دراستها بتفكيك مضمون عينة من المسلسلات العربية التلفزيونية، وشملت المسلسلات المصرية التي عرضها التلفزيون المصري والفضائيات العربية، وذلك لمدة دورتين برامجيتين كاملتين مدتهما ستة شهور متتالية امتدت من غرة أغسطس 2006 حتى الحادي والثلاثين من يناير 2007، حيث تم تحليل مضمون تسعة مسلسلات بلغ عدد حلقاتها 207 حلقات، وذلك بهدف الحصول على مؤشرات دقيقة عن صورة المرأة الريفية في المسلسلات العربية التلفزيونية، وقد تم عرض هذه المسلسلات على قنوات MBC، والقناة الأولى الفضائية المصرية، وقناة النيل للدراما، وقناة دريم 2، وقناة بغداد، وقناة السودان، مع ملاحظة أن المسلسلات المقدمة على هذه القنوات قد سبق عرضها على شاشات التلفزيون المصري.

وتؤكد عفت أن أهمية موضوع دراستها تأتي من ضرورة مواكبة الاهتمام بقضية المرأة والمرأة الريفية خاصة، وذلك لأهمية الدور الذي تقوم به المرأة في مجتمعها بشكل عام، بالإضافة إلى الدور الخاص والمميز الذي تقوم به المرأة الريفية في مجتمعها الريفي، متناولة شريحة هامة من شرائح المجتمع المصري وهو المجتمع الريفي، حيث يمثل سكان الريف حوالي 57 في المئة من السكان، كما أن أكثر من ثلثي النساء العربيات يعملن في القطاع الزراعي.

وتنادي الباحثة بضرورة توفير رجع صدى للقائمين على إعداد وكتابة وإنتاج الدراما العربية التلفزيونية عند تناول ومعالجة هذه الصورة للمزيد من التواصل والواقعية بعيدا عن انعزال طبقات وشرائح المجتمع عن بعضها البعض، وأهمية الدراما وما تحظى به من إقبال على مشاهدتها، حيث تؤكد العديد من الدراسات ارتفاع نسبة مشاهدة الدراما العربية المقدمة في التلفزيون المصري. ففي بحث أجراه اتحاد الإذاعة والتلفزيون، بيّن أن الدراما العربية جاءت في مقدمة الفقرات والمواد الأكثر مشاهدة بنسبة 99.7 في المئة، كما بلغت نسبة متابعي المسلسلات العربية 99.1 في المئة بين متابعي التلفزيون.

الكتاب يسعى إلى التعريف بالملامح والسمات الأساسية للمرأة الريفية كما تعرضها المسلسلات العربية في التلفزيون المصري

وتتابع عفت “يبيّن ارتفاع نسبة الأدوار الثانوية التي قامت بها المرأة الريفية في المسلسلات العربية التي خضعت للتحليل، حيث جاءت في المقدمة وذلك بنسبة تفوق النصف بقليل من جملة الأدوار التي قامت بها المرأة الريفية في المسلسلات التلفزيونية، ثم جاءت في المركز الثاني الأدوار الهامشية وهذا يشير إلى ضرورة الاهتمام بالأدوار التي تقوم بها المرأة الريفية بالمسلسلات التلفزيونية، وخاصة المسلسلات الريفية والتي من المفترض أن تعبر عن الريف من خلال الشخصيات الدرامية والتي من بينها المرأة الريفية”.

وقليلة هي الأدوار الرئيسية التي تمنح للمرأة الريفية، وهذا يعد أمرا منطقيا، حيث أن الشخصيات الرئيسية التي تقوم بالتأثير في الأحداث يجب أن تكون أقل من باقي شخصيات العمل الدرامي.

وفي ما يخص المستوى التعليمي للمرأة الريفية كما قدمته المسلسلات التلفزيونية، تكشف الباحثة أن أغلب المسلسلات ما يقارب 60 في المئة منها تقدمها على أنها أمية، أو تقدمها بمستوى تعليمي غير واضح، ومن النادر أن نجدها تقرأ وتكتب أو حاصلة على مؤهل متوسط، ويلاحظ أيضا ندرة ظهور المرأة الريفية الحاصلة على مؤهل جامعي، وهذا قد يشير إلى النظرة التقليدية لكتاب الدراما إلى المستوى التعليمي للمرأة الريفية والذي قد لا يعبر عن المستوى التعليمي الحقيقي للمرأة الريفية.

وحول علاقة المرأة الريفية بتعليم أبنائها كشفت الدراسة ارتفاع نسبة المرأة الريفية غير الحريصة على التعليم، حيث جاءت في المرتبة الأولى، وهذا قد يتناسب مع ارتفاع نسبة الأمية التي تعاني منها المرأة الريفية، كما ورد سالفا بالنسبة إلى المستوى التعليمي للمرأة الريفية، ثم جاءت في المرتبة الثانية فئة غير واضحة بنسبة كبيرة، حيث لم تظهر المسلسلات محل الدراسة المستوى التعليمي لأبناء هذه النسبة من النساء الريفيات اللاتي لهن أبناء، وهذا يشير إلى ضرورة اهتمام كتاب الأعمال الدرامية بإظهار المستوى التعليمي لأبناء المرأة الريفية، وخاصة أن التعليم يعد من القضايا الهامة والأساسية في الريف المصري.

 وفي المرتبة الثالثة جاءت المرأة الريفية الحريصة على تعليم أبنائها الذكور فقط، أما في المرتبة الرابعة فنجد المرأة الريفية الحريصة على تعليم الذكور والإناث بشكل متساو.

مشاكل متكررة

Thumbnail

عن طبيعة عمل المرأة الريفية كما قدمته المسلسلات التلفزيونية في عينة الدراسة فقد تبين أن مهنة ربة بيت جاءت في المركز الأول بالنسبة إلى العمل الذي تقوم به المرأة الريفية وذلك بنسبة تقارب السبعين في المئة، وفي المركز الثاني جاء العمل كفلاحة، وهذا قد يتناسب مع طبيعة البيئة الزراعية التي تعيش فيها المرأة الريفية، وفي المركز الثالث جاء عمل المرأة الريفية بالتجارة والبيع والشراء، وجاءت المرأة كطالبة في المركز الرابع، وفي المركز الخامس جاء كل من العمل المهني والعمل كخادمة، وفي المركز الأخير جاء العمل الإداري من مجموع الأعمال التي قامت بها المرأة الريفية في الأعمال الدرامية.

وهذا قد يعني أن الأعمال الدرامية مازالت تؤكد على الصورة التقليدية للمهن التي تظهر بها المرأة بوجه عام، ولذلك فإن على هذه الأعمال الدرامية أن تغير من الصورة النمطية والتقليدية التي تقدمها عن المرأة، حتى تقدم صورة أقرب لواقعها.

وتوضح الدراسة أن المشكلات الاجتماعية قد جاءت في المركز الأول بالنسبة إلى المشكلات التي تعاني منها المرأة الريفية، وجاءت في المركز الثاني المشكلات الاقتصادية، وفي المركز الأخير جاءت المشكلات الصحية، وقد جاءت مشكلة الفقر في مقدمة المشكلات الاقتصادية التي تعاني منها المرأة الريفية، كما نجد الكثير من المسلسلات تعالج قضايا الميراث ومشكلات الإقامة في الأسرة الممتدة ومشاكل الأبناء والأمية، ومن القضايا أيضا الانشغال بإنجاب الذكور أو الزواج دون رضاها وتعدد الزوجات.

الأعمال الدرامية مازالت تؤكد على الصورة التقليدية للمهن التي تظهر بها المرأة بوجه عام، ولذلك فإن على هذه الأعمال أن تغير من الصورة النمطية والتقليدية التي تقدمها عن المرأة

 ويلاحظ في الأعمال الدرامية المدروسة غياب مشكلة الزواج المبكر بالنسبة إلى المشكلات الاجتماعية التي تعاني منها المرأة الريفية في المسلسلات، وهذا يعني أنه بالرغم من زواج بعض الفتيات الريفيات في سن مبكرة، إلا أنهن لم يعانين من أي مشكلات ترتبط بزواجهن المبكر، وهذا يتطلب من كتاب الأعمال الدرامية ضرورة إبراز الجوانب السلبية المرتبطة بالزواج المبكر وأخطاره.

 أما بالنسبة إلى المشكلات الصحية التي تعاني منها المرأة الريفية والتي جاءت في المركز الثالث، فنجد أن أمراض الشيخوخة جاءت في مقدمة هذه المشكلات، وفي المركز الثاني جاءت مشكلات الصحة الإنجابية.

وخلصت الدراسة إلى عدد من الاقتراحات منها تشجيع تأسيس ومتابعة وتفعيل أداء المنظمات غير الحكومية التي تهتم بشؤون المرأة بوجه عام والمرأة الريفية بوجه خاص، وإتاحة الفرصة لإيجاد برامج تعليمية وتدريبية تنمي طاقات المرأة الريفية وتدفعها للمشاركة في الأنشطة الإنتاجية، وإنشاء مجلس قومي فرعي داخل المجلس القومي للمرأة يتولى شئون المرأة الريفية وقضاياها ومشكلاتها.

كما تشجع عفت على عقد الندوات التثقيفية المختلفة للمرأة الريفية داخل مجتمعها الريفي، وإنشاء قنوات تعليمية تتولى تعليم المرأة الريفية عن بعد مع الأخذ في الاعتبار ظروفها البيئية والمجتمعية، والدعوة لإنشاء قناة تلفزيونية خاصة بالمرأة الريفية تتولى طرح مشكلاتها ومحاولة المساهمة في تلبية احتياجاتها، وضرورة تحقيق التوازن في الاهتمام بالمرأة الريفية في الوجه القلبي والمرأة الريفية في الوجه البحري، حيث لا تنال المرأة الريفية بالوجه القلبي نفس الاهتمام والعناية.

Thumbnail
15