المرأة السامرية تجبر على عزلة غير مزعجة أثناء الولادة

للطائفة السامرية عاداتها وتقاليدها في معاملة المرأة أثناء فترة طمثها وولادتها، حيث تمنع من مخالطة وملامسة أي شخص من السامريين أو استعمال أي شيء يخصّهم. وترى التوراة السامرية أن المرأة إذا ولدت ذكرا يجب أن تنعزل 41 يوما، وفي حال كانت المولودة أنثى فإن المدة 80 يوما. وعندما تنعزل المرأة بسبب طمثها يتولى زوجها عبء البيت، وإذا كان مشغولا بعمله فإن الواجب يقع على الأبناء، أما إذا كانوا هم مشغولون بالدراسة، فإن الجيران يقدمون المساعدة.
الخميس 2018/01/04
السامرية طائفة لا تلغي المرأة

نابلس (فلسطين) - تتلمّس آية مفرج خطواتها وهي تنتقل من غرفة إلى غرفة في منزل عائلتها بحذر شديد. فالسيدة التي حصلت على شهادة القانون من جامعة النجاح في نابلس، عليها التقيّد هذه الأيام بقوانين صارمة تخص حركتها بين سريرها وبين بقية مقتنيات المنزل.

وفي الحي الذي تسكن فيه على قمة جبل جرزيم في نابلس، حيث تعيش طائفة دينية صغيرة تؤمن بأسفار النبي موسى الخمسة الأولى من التوراة، يطلق أقارب آية عليها وصف “مسمّدة”، وهو وصف محلي يتعلق بالسيدة التي تكون في حالة الدورة الشهرية أو الولادة. ويفسّر المصطلح داخل نطاق الطائفة: “لا تمس هذه الفتاة”.

وتلزم نصوص واضحة في التوراة السيدة السامرية بأن تعيش في عالم مادي خاص سبعة أيام من بداية الدورة الشهرية، أما إذا ولدت ابنا ذكرا فيجب أن تبتعد 41 يوما، وإذا كانت ولدت أنثى فإنها تبتعد 80 يوما.

وتقول آية (25 عاما) وهي من الطائفة السامرية “قضيت 40 يوما وتبقت 40”. وكانت مفرج أنجبت طفلة أسمتها ليليان، وهي الآن ذاتها الطفلة التي تخضع للكثير من القوانين الدينية التي أقلها عدم لمسها من قبل أي من أفراد الطائفة الذين يتجاوز عددهم بقليل 800 شخص يعيش نحو نصفهم في نابلس والنصف الآخر في حولون جنوب تل أبيب.

وخلال 80 يوما سيتعين على مفرج أن تمشي في خط محدد داخل المنزل دون أن تطأ قدماها السجاد، ودون أن تجلس في مقاعد العائلة، ودون أن تمس الأواني أو الخزائن التي يمسّها الآخرون.

وعندما طلب منها أن تستقبل ضيوفا في غرفة قريبة من غرفة نومها، شوهدت السيدة تحمل كرسيّا مطويا، وعليه جلست. وعلى الزوار والعائلة، أن يحذروا من لمس هذا الكرسي.

رجل مسلم اعتاد أن ينقل السامريات اللواتي ينجبن من المستشفى إلى بيوت أزواجهن

ويقول السامريون إن قوانين الطهارة المتعلقة بالسيدة بعد ولادتها لا يمكن تجاوزها. وكتب أحد الكهنة على صفحة فيسبوك الخاصة به قبل يومين، “العالم ينظر إلى السامريين من خلال هذه العادة باستغراب، وكأننا نحتقر المرأة! أليس هذا ما أنزله الله في شريعته المقدسة؟ وهل تكون المرأة على طبيعتها أثناء طمثها؟”.

وقال الكاهن حسني السامري لوكالة الأنباء الفلسطينية “وفا”، شارحا أحكام حياة المرأة في فترة الحيض والعادة الشهرية، “عندما تزور امرأة سامرية في منزلها أثناء العادة الشهرية، تجد حياتها وكأنها (..)”، وهذا يعني أن المرأة في العادة الشهرية يكون بيتها عامرا، كلّه حيوية ونشاط، وليس كما يحلو للبعض وصف ذلك بالسلبية.

ولا يخلو منزل آية من الأقارب والزوار، فبين الحين والآخر يطرقون الباب ويدخلون، لكن آية تبقى في مقعدها الخاص بها. “أنا ملكة. هل ترى؟ الكل يريد مساعدتي (..) حتى ابنتي الصغيرة (4 سنوات) تساعدني”، تقول السيدة ويردّد المعنى ذاته حماها راغب مفرج.

وتجلس السيدة على بعد خطوات من حميها وفي حجرها الطفلة الوليدة. ويبدو الرجل فخورا بلون شعر ليليان المائل إلى الحمرة الظاهرة، لكن عندما سئل عما إذا كان هناك شغف داخلي لديه لحملها أو تقبيلها، قال “سأنتظر 40 يوما أخرى. أريد ذلك، لكن سأنتظر”. وتقضي الأم والبنت أيامهما بشكل طبيعي ظاهريا في منزل العائلة، ولديهما غرفة خاصة، تتحرك أيضا فيها الأم بحذر دون أن تلمس أيّا من المقتنيات التي يستخدمها أفراد العائلة مثل خزانة كبيرة.

وفي سرير منفصل، تنام الابنة الأولى لمفرج والتي تدعى روبي، وعندما تستيقظ صباحا تقف عن بعد وتطلب رؤية شقيقتها الصغيرة ليليان دون أن تلمسها.

“تعرف ما عليها فعله”، قالت أم البنتين النائمتين في سريرين متباعدين. ويقع الحي السامري، وهو حي حديث بني في الثمانينات من القرن الماضي، على قمة ثاني أعلى جبال نابلس، وهو الجبل المقدس لهذه الطائفة، وفي أيام متفرقة يمكن رؤية بعض السيدات والفتيات في فترة العادة الشهرية يجلسن في الأماكن العامة، وقد تبدو هذه الجلسات أحد النشاطات اليومية لهن في تلك الفترة. وقالت آية “هناك نستطيع استخدام حاجيات البعض. كلنا في نفس الوضع″.

النافس لا تلمس المقدس

وقال الكاهن حسني “هناك العديد من الزوار والسياح الذين يزورون المتحف السامري يوميا، وأثناء مرورهم في ساعات الصباح قاصدين المتحف، يسمعون الفرح والسرور والرقص والأغاني، وهنا يستفسرون ما هذه الجلسات؟، وبدورنا نجيبهم: إنهن في العادة الشهرية”.

والجمعة الماضي، اجتمعت آية وخمس سيدات في فترة الدورة الشهرية في ساحة عامة. “الكل هنا ساعدنا وأحضر لنا الطعام والعصائر والمكسرات”، قالت السيدة. وتقول السيدات السامريات إن أيام دورتهن الشهرية أو أيام ما بعد الولادة، فرصة للأزواج لممارسة عمل المنزل.

وقالت آية، “الزوج سيضطر إلى العمل في المطبخ”، وتظهر ابتسامتها بوضوح عندما تشير إلى فترة الراحة الطويلة التي ستقضيها دون أعمال منزلية.

وتضيف “لا أعيش منزوية. أنا فقط أعيش وفق ما تحدد الشريعة. والكل يساعد (..) عندما عدت من المنزل كان نحو 15 من العائلة يقومون بمساعدتي”.

وفي ذلك اليوم الذي عادت فيه آية مفرج من الولادة في مستشفى “بلنسون”، لم تعد في أي سيارة من سيارات السامريين، لكنها عادت في مركبة يملكها سائق مسلم، معروف عنه أنه السائق الذي يعيد السامريات اللواتي ينجبن. وتقول “زوجي عاد في سيارته الخاصة. لا أستطيع العودة معه”.

إن تفسير أحكام كثيرة في الشريعة السامرية خلال سنوات مضت جعل قضية أيام الدورة الشهرية وأيام الحيض في حياة السامريات مسألة نقاش في المحيط القريب، لكن ذلك بالنسبة إلى آية وغيرها مسألة محسومة، حيث تقول السيدة “نشعر بفرح ونحب أن نفسّر هذا”، وتردد ذلك سامريات كثيرات.

20