المرأة السعودية تتطلع إلى عهد جديد

السعوديات يرفعن أصواتهن على منصات وسائل التواصل الاجتماعي متمنيات أن يعطيهن وليّ العهد مزيدا من الحقوق، وأبرزها قيادة السيارة والقضاء على العنف وإلغاء نظام ولاية الأمر أولا.
الأحد 2017/07/09
السعوديات يعبرن بأصواتهن لا بأصوات الآخرين

تصاعد مستوى الأمل لدى السعوديات بأن يكنّ في المستقبل القريب نصفا فاعلا في المجتمع، ويمارسن أدوارهن في شتى المجالات أسوة بالرجال.

ويأتي ذلك بعدما أثبتت رؤية 2030 وبرنامج التحول الوطني لعام 2020 وبرنامج التوازن المالي الحاجة إلى تشجيع المشاركة الكاملة للمرأة في سوق العمل وتنمية مواهبها واستثمار طاقاتها وتمكينها من الحصول على الفرص المناسبة لبناء مستقبلها والإسهام في تنمية مجتمعها واقتصاد بلادها.

وأضاف تولّي الأمير محمد بن سلمان، الذي يقف وراء رؤية 2030، منصب وليّ العهد، فرصة إضافية كي تحتل المرأة السعودية موقعها الطبيعي في الحياة بعد سنوات من التهميش والمصادرة خضوعا لحلقات دينية متشددة تفسر وتوظف الشريعة الإسلامية وفق ما يخدم مصالحها.

وتأمل السعوديات أن يكون عهد الأمير محمد بن سلمان ثورة للتغيير في واقع المرأة، بعدما صرّح في مستهل صعوده السياسي بأن المرأة نصف المجتمع، وبدا مناصرا لأن تلعب المرأة دورا أكبر في المجتمع.

وكان فيليب ألستون مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالفقر المدقع وحقوق الإنسان قد أكد أثناء زيارته الأخيرة إلى السعودية على أن خطط الحكومة السعودية الجريئة والطموحة لتحويل اقتصادها تشكل فرصة فريدة لتحسين حقوق الإنسان بالنسبة إلى المرأة والفقراء.

وعبّر الخبير الدولي عن أمله ألا تصغي الحكومة السعودية إلى مجموعة صغيرة من الأصوات المحافظة المعيقة للتقدم الاجتماعي والتي تقف حائلا دون قيادة المرأة للسيارة.

وقال ألستون حينها “تقرّ رؤية 2030 بأن النساء السعوديات يمثلن رصيدا عظيما لم يتم استغلاله بصورة كافية حاليا، والحاجة للإقرار بحقوق المرأة مؤشـر في الاتجاه نفسه”.

فيليب ألستون: تقر رؤية 2030 بأن النساء السعوديات يمثلن رصيدا عظيما لم يتم استغلاله بصورة كافية حاليا، والحاجة للإقرار بحقوق المرأة مؤشـر في الاتجاه نفسه

تمكين المرأة

لا يبدو موضوع قيادة المرأة للسيارة في السعودية أصل المشكلة، بقدر ما هو جزئية من توجه فرض على المجتمع في النظر إلى المرأة ودروها، يبدأ من التعليم والعمل والنشاط الاجتماعي والرياضي ومدونة الحقوق المدنية، وهي أمور بحاجة أن يشرعها القانون، وليست توجهات حلقات دينية متشددة.

وفتحت التغيرات السياسية في السعودية ملف حقوق المرأة من جديد، ووجدت السعوديات في مواقع التواصل الاجتماعي نافذة لكسر الخطوط الحمراء في الحديث عن مطالبهن بصوتهن لا بأصوات الآخرين.

وانتشر على تويتر هاشتاغ #نطالب_في_العهد_الجديد، شددت فيه الكثيرات على ضرورة إسقاط الولاية كليّا وسنّ قوانين لا تنتقص من حقوق وكرامة المرأة، وتتصدى لكل الفتاوى والدعوات إلى تقييدها أو تمارس التمييز ضدها.

وقالت المغردة هيا النعيمي “لا يمكن أن يقوم وطن نصفه مواطنون ونصفه الآخر مُهمّشون ومُغيّبون ومُستعبدون ومُسيّرون بسلطة الأقوى الذكوري”.

وأضافت النعيمي “متى نرى المرأة مساوية للرجل في الحقوق كما هي في الواجبات.. متى يُغلق ملف مطالب المرأة بإزالة كافة أشكال التمييز ضدها؟”.

وطالبت المغردة هالة الدوسري بـ”إلغاء نظام الولاية والتصدي للتمييز الجنسي، ودعم حق المرأة في التنقل وفي التمتع بجميع حقوقها الشخصية”.

ودشنت السعوديات هاشتاغا آخر بعنوان #تمكين_المواطنات_يا_ولي_العهد، طالبن فيه برفع قوانين الوصاية المشددة التي تتحكم في كل جانب من حياتهن.

وقالت المغردة عزيزة محمد اليوسف‏”التمكين يعني أن تتمتع المرأة بجميع حقوقها الأساسية قبل أن تكون عضوا في مجلس الشورى أو عميدة جامعة”.

وتبدو ظاهرة العنف ضد المرأة في السعودية أكبر مما تبدو في الظاهر، فرغم إقرار السلطات في العام 2013 قانونا يمنع كافة أشكال العنف الجنسي والبدني سواء داخل المنزل أو في مكان العمل، فإن نظام الوصاية الذكورية على المرأة يجعل من الصعب على بعض النساء طلب الحماية والاستفادة من آليات هذا القانون، ممّا جعل المطالبة بالتصدي للعنف ضد المرأة تتصدر مطالب أغلب المغردات.

وقالت المغردة إيمان بنت سعد “أرهقتنا قصص العنف والظلم الذي يمارس بحق المرأة بشكل يومي وبأبشع حالاته، ونريد أن نضرب بيد من حديد ونضع حدا لها”.

فيما قالت مغردة تسمّي نفسها شيخه سعد‏ “يجب إغلاق دور النساء المعنفات، فالمرأة مواطنه كاملة الأهلية وعندما تُعنف يجب إلقاء القبض على المجرم لا على الضحية”.

ورحبت الكثيرات بالعهد الجديد لوليّ العهد، لكنهن دعون إلى تغيير أكثر شمولا في واقع المرأة، لكي تواكب السعودية الدول المتقدمة الأخرى.

ومن أبرز ما تطالب به المغردات على موقع تويتر هو السماح للمرأة بقيادة السيارة ولكن تعديل نظام وصاية الرجل على المرأة، وإلغاء كل أشكال التمييز ضدها هما الأهم بالنسبة إليهن.

بريق أمل

أجمعت سعوديات تحدثن لـ”العرب” على أن بريق الأمل صار أكثر إشراقا بأن يمارسن دورهن الطبيعي، وأن كل الدلائل تشير إلى أن التغيرات قادمة في البلاد خصوصا مع الاندفاع والجدية في خطط الأمير محمد بن سلمان.

وعلقت فاطمة البهيجان (أمينة مكتبة سابقا) من مدينة الدمام (شرق المملكة) الكثير من الآمال على التغيرات السياسية الجديدة في السعودية قائلة “ننتظر الكثير من العهد الجديد، تمكين المرأة ومنحها مزيدا من الحرية، وتطوير التعليم والتوسع في التخصصات وتنويعها وتعديل نسب القبول في الجامعات ليتسنى للطالبات التسجيل”.

وأضافت لـ”العرب” مشددة على ضرورة “إنشاء أندية أدبية ومراكز ترفيه ورياضة نسائية في الأحياء، وتوفير المزيد من الوظائف للنساء، والالتفات للمطلقات والأرامل”.

وختمت البهيجان بقولها “لن أطالب بقيادة المرأة للسيارة لأن الموضوع صار مستهلكا أكثر من اللازم”.

فيما قالت امرأة أخرى خيّرت عدم ذكر اسمها إن هناك أشياء تتعلق بحرية المرأة السعودية أهمّ من قيادة السيارة، مثل “توظيف العاطلات عن العمل وتقديم الدعم للمطلقات والأرامل والقضاء على كل أشكال العنف ضد المرأة”.

وخطت المرأة السعودية خطوات واسعة خلال العقود الماضية، فقد اقتحمت اختصاصات علمية متنوعة، وبات يسمح لها بالعمل في مجال الفندقة والبيع، كما شهدت نهاية العام 2013 منح أول نساء سعوديات لشهادة المحاماة، كما تقوم المملكة الآن بتوظيف النساء في السلك الدبلوماسي، فضلا عن ذلك، أصبح من الممكن للنساء تولي وظائف مثل رئاسة تحرير الصحف أو تقديم برامج حوارية في التلفزيون.

وعملت السعودية على تمكين النساء من الحصول على بطاقات هوية خاصة بهنّ، وإصدار بطاقات عائلية للمطلقات والأرامل وهي بطاقات ضرورية تمكّن المرأة من القيام ببعض الشؤون الإدارية، من دون اشتراط اصطحاب أحد أقاربها الذكور ليُعرّف بها في المحكمة.

وحققت السعوديات تقدما نسبيا فيما يخص الحقوق السياسية بعد أن سمحت لهن السلطات في العام 2015 بالمشاركة في الانتخابات البلدية كمرشحات وناخبات، إلا أن الكثير من الناشطات اعتبرن أن فكرة إشراك المرأة في العملية السياسية في المملكة لن تكون ذات فائدة دون رغبة سياسية حقيقية في تغيير وضع المرأة السعودية وتفعيل مشاركتها الفعلية سواء في الحياة العامة أو الحياة السياسية.

طموحات المرأة السعودية شرعية لكن!

معضلة الاختلاط

رغم التغييرات الكثيرة التي طرأت على سوق العمل، فإن القوانين الصارمة والتقاليد المحافظة في المملكة أبقت المرأة السعودية خارج أماكن العمل، ففي الوقت الذي تمثل فيه نسبة النساء خريجات الجامعات حوالي الـ60 بالمئة، لا تتجاوز نسبة من يدخلن سوق العمل الـ15 بالمئة.

وتواجه المرأة السعودية تحدي الحصول على فرص عمل في مجتمعها الذي ينفق مليارات الدولارات على التربية والتعليم للإناث، في حين يبقى سوق العمل بعيدا عن متناولهن.

ويعتبر الاختلاط من العراقيل الرئيسية التي تحول دون دخول المرأة السعودية لسوق العمل. ولمواجهة ذلك خصصت الحكومة قطاعات خاصة بالنساء فقط، مثل محلات بيع الملابس الداخلية أو إنشاء مشاريع ومصانع أو ورشات يحظر على الرجال العمل فيها. لكن نتائجها تبقى محدودة حتى الآن، بسبب قلة فرص الشغل المعروضة فيها والتي لا تلبّي في الغالب طموح النساء المتعلمات.

وخلال الربع الثالث من العام الماضي 2016 كان معدل البطالة بالنسبة إلى المرأة السعودية 34.5 بالمئة، مقارنة بـ5.7 بالمئة بالنسبة إلى الرجال في السعودية، بحسب تقديرات شركة جدوى للاستثمار.

وتسعى المملكة إلى زيادة نسبة النساء في سوق العمل إلى 28 بالمئة، بحلول العام 2020 مقارنة مع 23 بالمئة العام الماضي 2016، كجزء من الإصلاح الاقتصادي الذي يهدف إلى معالجة انخفاض عوائد النفط في البلاد.

وتتوقع السعوديات أن تشكل التغيرات السياسية الحالية انتصارا للمرأة ونقلة نوعية في حياتها بشكل عام.

وقالت راوية معلا الأحمدي (ربة بيت) من مدينة جدة “هناك العديد من البوادر التي تؤكد أن مستقبل النساء في السعودية سيكون أكثر إشراقا، وخاصة أن وليّ العهد قد أرسل حتى الآن عدة رسائل إيجابية بشأن المرأة”.

وأضافت الأحمدي لـ”العرب” قائلة “نرجو مزيدا من الحرية وضمان تعزيز حقوق المرأة وحقوق الإنسان بشكل عام، والاهتمام بملف البطالة، وفتح آفاق أكبر لتشغيل العائدين من البعثات التعليمية، وهذه هي أساسيات التنمية والتطور في أيّ مجتمع”.

وعلى الرغم من أن مطالب السعوديات تبدو شرعية، ولا تخرج عمّا جاء في الدين، إلا أن الكثيرات أبدين تحفظا من ذكر أسمائهن فيما اتخذ البعض منهن من وسائل التواصل منبرا لإيصال أصواتهن.

وتمنت سعاد الحميدان الشمري من مدينة حفر الباطن (شرق المملكة) “أن يضمن الأمير محمد بن سلمان حقوقا أكبر للنساء ويسقط عنهن ولاية الرجل، ويعطيهن الحق في قيادة السيارة”.

السعودية تسعى إلى زيادة نسبة النساء في سوق العمل إلى 28 بالمئة، بحلول العام 2020 مقارنة مع 23 بالمئة العام الماضي 2016

وأضافت الشمري لـ”العرب” قائلة “نأمل كربّات بيوت أن تصرف لنا رواتب، ولكن الأهم من هذا ضمان المساواة في التشغيل بين الشبان والشابات على حد سواء”.

ومن الطبيعي أن تثير مطالب النساء بمزيد من الحقوق والحرية التوتر في أوساط حلقات من الرجال المتشددين الذين يرون أن زيادة نسبة مشاركة المرأة في الحياة العامة تتعارض مع توجهات المدرسة الفقهية التي ينتمون إليها.

وقال عبدالله الوادعي‏ أحد المدافعين عن الشرطة الدينية “يجب إعادة جميع صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى ما كانت عليه لأنها سفينة النجاة للمجتمع بعد الله”.

وقال آخر “إن من يطالبون بحقوق المرأة إنما يريدونها أن تتجرّد من حشمتها وتخالط الرجال وتصبح متحرّرة لا حرّة”.

فيما طالب آخرون بـ”استمرار منع المرأة من القيادة ومعاقبة المرأة التي لا تقوم بشؤون بيتها والتي تستخدم السناب شات، وكذلك تقليص رواتب النساء”.

وفي المقابل، عبّر بعض المغردين عن مساندتهم لمطالب النساء وأبدو استعدادا لقبول تعميم مشاركتهن في جميع نواحي الحياة من أجل تحقيق التوازن في المجتمع السعودي.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

20