المرأة السعودية تكسر حاجز "للنساء فقط" في سوق العمل

في سوق العمل السعودية تأثير مشكلة البطالة يبدو مضاعفا على النساء، بسبب احتكار الرجال لأغلب الأعمال، فيما تفرض القيود الاجتماعية على المرأة العمل في مجالات محددة ومحدودة، إلا أن الأمل قائم على تغيير ذلك بسبب التغيرات الجذرية المتواصلة في السعودية.
الأحد 2018/01/07
المرأة السعودية ليست مجرد عباءة سوداء

تشهد المملكة العربية السعودية تغييرات سياسية واجتماعية واسعة ومتسارعة، في اتجاه فك الحصار المفروض على المرأة، الذي يحول دون مشاركتها في الحياة العامة.

وأصدر العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز خلال العام الجاري عدة قرارات أعادت للمرأة بعض حقوقها المسلوبة، ومنها السماح لها بقيادة السيارة ودخول ملاعب كرة القدم، وقبلهما السماح لها ولأول مرة بالتسجيل كمرشحة وناخبة في الانتخابات البلدية في ديسمبر 2015.

وبعد يومين من إصدار الأمر الملكي الخاص بالسماح للمرأة بقيادة السيارة أصدر العاهل السعودي توجيهات لوزارة الداخلية بإعداد مشروع نظام يجرم التحرش بالنساء ويحدد العقوبات اللازمة التي تمنع بشكل قاطع مثل هذه الأفعال وتردع كل من تسوّل له نفسه الإقدام عليها، بما يسهم في تعزيز التمسك بقيم الدين ويضمن الحفاظ على الآداب العامة.

وأعلنت السعودية في أبريل 2016 عن “الرؤية 2030”، وهي الاستراتيجية السياسية والاقتصادية المستقبلية للبلاد، التي نصت على أن الحكومة “ستستمر في تنمية مواهب المرأة واستثمار طاقاتها وتمكينها من الحصول على الفرص المناسبة لبناء مستقبلها والإسهام في تنمية مجتمعها واقتصاد بلدها”.

ورغم حساسية الوضع في البلد المحافظ، فقد أثبت ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، أنه من الساسة القلائل الذين ينجزون ما يعدون، إذ تمكن من مواجهة جانب لا يستهان به من المتشددين الذين يستعملون الدين لفرض قيود على المرأة، وأحدث في حيز زمني وجيز العديد من الإصلاحات التي كان لها دور كبير في تفعيل تمكين المرأة السعودية سياسيا واجتماعيا. فأعطى بذلك علامات لا تخطئ على وضع الإصلاح نصب عينيه الذي سينعكس بمنافع سياسية واقتصادية على المرأة لكونها النصف الذي لا يمكن تهميشه في المجتمع.

وزادت القرارات الأخيرة التي منحت المرأة السعودية حقها في قيادة السيارة والمشاركة في الاحتفالات باليوم الوطني، شهية السعوديات للمطالبة بالمزيد من الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي حرمن منها على مدى عقود، ومنها المساواة مع الرجال في التشغيل وتقلد المواقع الإدارية والسياسية.

نايف الجهني: الحكومة السعودية أعادت للمرأة دورها الحقيقي الذي سلبتها إياه بعض التيارات

قيود اجتماعية

خلال الأعوام القليلة الماضية نجحت المرأة السعودية في اختراق جدار العزل الذي يفرضه عليها المجتمع والتيارات الدينية المتشددة، واقتحمت مجالات التعليم والعمل والسياسة، وبات يسمح لها بالعمل في مجال الفندقة والبيع وشهدت نهاية العام 2013 منح أول نساء سعوديات لشهادة المحاماة، كما تقوم المملكة الآن بتوظيف النساء في السلك الدبلوماسي.

فضلا عن ذلك أصبح من الممكن للنساء تولي وظائف مثل رئاسة تحرير الصحف أو تقديم برامج حوارية في التلفزيون، ولكنهن مازلن يواجهن العديد من القيود التي تسببت في ارتفاع نسبة البطالة في صفوفهن.ويعتبر الاختلاط من العراقيل الرئيسية التي تواجه دخول المرأة السعودية إلى سوق العمل.

ولمواجهة ذلك خصصت الحكومة السعودية قطاعات تعمل فيها النساء فقط، لكن نتائجها بقيت محدودة حتى الآن، بسبب قلتها ونوعية الوظائف المعروضة فيها والتي تنظر إليها السعوديات المتعلمات نظرة دونية.

وخلال الربع الثالث من العام الماضي كان معدل البطالة بالنسبة للمرأة السعودية 34.5 بالمئة، مقارنة بـ5.7 بالمئة بالنسبة للرجال في السعودية، بحسب تقديرات شركة جدوى للاستثمار. وتسعى المملكة إلى زيادة نسبة النساء في سوق العمل إلى 28 بالمئة، بحلول 2020 من 23 بالمئة العام الماضي.

وتعتزم الحكومة السعودية دعم تشغيل المرأة وترقية دورها المهني في المجتمع، من خلال تمكينها من “العمل من البيت بدلا من الانتقال إلى المكتب”.

وقالت وزارة العمل السعودية في بيان بهذا الشأن إن العمل عن بعد وانطلاقا من المنزل يمكنه أن يوفر نحو 141 ألف فرصة عمل بحلول 2020.

وأشار البيان إلى أن المرأة السعودية تعاني من معوقات عدة تقف في طريق اندماجها المهني، مثل النقل والمسؤوليات العائلية.

وعبرت الكثير من السعوديات الناشطات على مواقع التواصل الاجتماعي عن فرحتهن بالقرارات السياسية، التي ستفتح لهن آفاقا اقتصادية أوسع مما سيتيح لهن الفرصة لتحقيق طموحاتهن والإسهام في تنمية مجتمعهن.

علامة فارقة

وأبدت نخبة من النساء السعوديات تحمسهن لاقتحام مستقبل الحياة العامة في تصريحات متفائلة وهن يتحدثن لـ”العرب”، على الرغم من تحفظ أغلبهن نشر صورهن.

وقالت منى الأحمدي (ربة بيت) “أوضاع المرأة اليوم أكثر راحة وأريحية”، معبرة عن أملها في أن تعمل السعودية على تشغيل النساء في جميع المؤسسات وإنهاء الحواجز التي تمنع نصف المجتمع الأنثوي من المساهمة في بناء مجتمعه.

وأضافت لـ”العرب” “المرأة السعودية الآن قادرة على خوض مختلف المجالات لأن لديها من الإمكانيات والطاقات الإبداعية ما يؤهلها للعمل في جميع الميادين بنجاح وتميز”.

وعبرت الأحمدي التي لم تحصل على فرصتها في العمل بعد، عن اعتقادها بأن البلاد تعيش مرحلة قطع نهائي وكلي مع الماضي الذي كانت فيه تطلعات المرأة نحو الميادين الوظيفية الأخرى تمثل لدى حلقة من المجتمع مجرد أضغاث أحلام، بحيث لن تكون مستقبلا وظائف النساء محصورة في التعليم والطب.

الإصلاحات التي تشهدها السعودية حاليا تشكل علامة فارقة في حياة المرأة بشكل عام وليس على الجانب الاجتماعي والاقتصادي فحسب

وأكدت على أن العديد من المؤسسات غير الحكومية قد بدأت بالفعل في توفير فرص عمل في مجالات مختلفة للشبان والشابات، ولم يبق على المرأة سوى أن تثبت جدارتها وقدرتها على العطاء وتحمل المسؤولية.

وتوقع عدد من الخبراء والأكاديميين أن تشكل الإصلاحات التي تشهدها السعودية حاليا، علامة فارقة في حياة المرأة بشكل عام وليس على الجانب الاجتماعي والاقتصادي فحسب.

وشددت الدكتورة سحر أحمد الخشرمي الأكاديمية بجامعة الملك سعود سابقا والمقيمة حاليا في دولة الإمارات، على أن الحكومة السعودية قد عملت ومنذ سنوات على إعداد المرأة وتجهيزها للقيام بدورها كاملا بالمشهد الاجتماعي والاقتصادي.

وقالت الخشرمي في تصريح لـ”العرب” “جميع الشواهد تظهر جاهزية المرأة السعودية على كافة المستويات لإثبات حضورها بمجمل المواقع الوظيفية، التي ربما لم تكن متاحة لها أو محظورة عليها في السابق”.

وأضافت “لم تعد هنالك محددات وسقوف تحدّ من قدرة المرأة السعودية على العطاء والمشاركة الاقتصادية والسياسية واتخاذ القرارات في مجتمعها -وإن بقيت محددات المحافظة على التعاليم الدينية حاضرة ومطبقة في كل المواقع- ولكن ذلك لن يحول دون تحقيق ما كانت تنشده المرأة السعودية وتطالب به على مدار السنوات الطويلة الماضية”.

وواصلت “أعتقد أن ما يمكن أن نعايشه خلال الفترة القادمة هو تمكين المرأة من الارتقاء إلى أعلى المناصب القيادية الرسمية والسياسية التي لم تتح لها الفرصة من قبل لتصلها، كقيادة المؤسسات التعليمية في الجامعات الحكومية المشتركة التي تدار حاليا من قبل الرجال فقط ويدرس بها طلبة من الجنسين -وإن كان تعليمهم سيبقى منفصلا بتلك الجامعات- والمشاركة أيضا في العمل الوزاري والتمثيل الدبلوماسي وربما العسكري”.

وختمت الخشرمي بقولها “الجهود الإصلاحية التي بادرت الحكومة السعودية منذ فترة وما تلاها من تطبيقات حقوقية وتنفيذية جميعها يصب في صالح المرأة، وقد رفعت سقف التفاؤل عند كل السعوديات بالمزيد من فرص المشاركة والتمكين التي تساوي ما بيننا وبين مثيلاتنا من السيدات في دول مجلس التعاون الخليجي والعالم العربي”.

وعبرت الكاتبة آمنة الذروي عن ارتياحها الكبير لبوادر الانفتاح الاجتماعي الذي بدأ يرسم على أرض السعودية ملامح “الرؤية 2030” للأمير محمد بن سلمان.

وقالت الذروي لـ”العرب” “هناك تغيرات طفيفة وأتوقع أن تتسع مساحتها، خاصة إذا توفر الدعم المادي والمعنوي الذي من شأنه الارتقاء بالمرأة مهنيا واجتماعيا، ويجعلها قادرة على تغيير الصورة النمطية التي حصرت طموحاتها وقيدت طاقاتها في مجالات محدودة”.

وأضافت “المرأة السعودية كانت موجودة في بعض القطاعات المعينة وبشكل محدود، ولكن اليوم أصبحنا نشهد العديد من التغيرات المتسارعة التي بدأت تزيح جملة من الصعاب أثقلت كاهل المرأة، وحرمتها من فرصة الارتقاء اجتماعيا والترقي مهنيا، مثل العادات المحافظة والتقاليد وحتى أسلوب التربية الذي كان يحتم على الفتاة عدم التوجه إلى بعض المجالات تفاديا للمشاكل التي يمكن أن تعترضها”.

واعتبرت أن ولوج المرأة للسوق السعودية بكافة مجالاتها يعتبر حقا مشروعا لها، لأنها مواطنة سعودية تتمتع بجميع حقوقها وواجباتها مثلما هو الشأن بالنسبة للرجل.

عبدالرحمن الصبيحي: هذه بداية المسار الصحيح نحو أن تكون المرأة السعودية نصف المجتمع

وترى الذروي أن فتح سوق العمل أمام السعوديات يعتبر فرصة ثمينة لهن ولمجتمعهن ستمكنهن من استغلال طاقاتهن على الوجه الأكمل، وتساعدهن على إخراج أمهات أفكارهن المتنوعة إلى النور، فتستفيد منها الأجيال حاضرا ومستقبلا.

تغيير الموازين

يسعى ولي العهد السعودي إلى بناء مجتمع جديد يقوم على الوطنية والتنمية الاقتصادية وقوامه الأمن والاستقرار المفقودين في الكثير من الدول العربية الأخرى، وقد تمكن بالفعل من تغيير العديد من الموازين، لكن هناك الكثير من الحقوق مازالت بعيدة عن متناول المرأة، بسبب المحاذير الاجتماعية والجسدية التي تحدد أين وماذا يمكنها العمل، مما أدى إلى ضيق الوظائف المتاحة أمامها.

وأثنت الأخصائية الاجتماعية حصة العمار على الامتيازات الجديدة التي تتمتع بها المرأة السعودية، والعناية التي حظيت بها من قبل الحكومة في الفترة الأخيرة، معددة ما حققته السعودية من انتصار في مجال تعليم المرأة وتثقيفها.

وقالت العمار لـ”العرب” “لم تعد هنالك مجالات وظيفية لم تقتحمها السعوديات، فهن يعملن في الهندسة والمحاماة والطب وبعضهن ينافسن بنات جنسهن في العالمين العربي والغربي على العمل في مجالي علوم الفضاء وصناعة الصواريخ، بالتزامن مع الإصلاحات السياسية”.

وتابعت “في حين فتحت رؤية 2030 للأمير محمد بن سلمان الآفاق أكثر أمام المرأة لتخوض غمار جميع ميادين الحياة العامة ولا شيء سيقف مستقبلا في طريق طموحاتها، ولدي ثقة كبيرة بأن المرأة ستنجح في الاختبار وتظهر لمن أقصوها لعقود أنها قادرة على صنع مستقبل زاهر لبلادها، ولا تنقصها المؤهلات والإمكانيات لتكون في مصاف نساء العالم الناجحات والمبدعات”.

المسار الصحيح

لا يبدو أن إرادة نصف المجتمع الذكوري في السعودية مخالفة لإرادة قادة بلادهم، فالكثير من الرجال الذين تحدثت إليهم “العرب” أيدوا الإجراءات السياسية الهادفة إلى تفعيل دور المرأة وفتح أبواب الاستقلال الاقتصادي والاعتماد على الذات أمامها.

وشدد الدكتور عبدالرحمن الصبيحي أخصائي الإرشاد النفسي على أن السعودية مكنت النساء من الحصول على العديد من الحقوق وإن كان ذلك بشكل تدريجي، ومنها بطاقات الهوية، وأصدرت بطاقات عائلية للمطلقات والأرامل وهي بطاقات ضرورية تمكّنهن من القيام ببعض الشؤون الإدارية، من دون اشتراط اصطحاب أحد أقاربها الذكور ليُعرّف بها في المحكمة.

وقال الصبيحي لـ”العرب” “هذه بداية الانطلاق في المسار الصحيح من أجل أن تكون المرأة نصف المجتمع وتكسر الحواجز الرجعية والمتخلفة التي تحول دون ممارستها لأدوارها الطبيعية في مجتمعها”.

وأضاف “في 26 سبتمبر الماضي منحت الحكومة السعودية للمرأة حق قيادة السيارة، ولئن جاء هذا متأخرا إلا أنه يعتبر خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح ويعكس الكثير من التغيرات القادمة في أعماق المجتمع السعودي، وكم أنا فخور بهذا القرار الذي سيجعل أمي وزوجتي وأختي يقدن سياراتهن بأنفسهن ويعتمدن على أنفسهن، دون أن يحتجن إلى السائق الأجنبي”.

وأشار الصبيحي إلى أن موضوع الحجاب ليس الأهم في الأولويات لأجل دخول المرأة في غمار الحياة العملية، وأن الإصلاحات ستركز على مواضيع أخرى أكثر أهمية من اللباس الذي يبقى مجرد واجهة خارجية لا تعكس طموحات المرأة السعودية ولا تحجم دورها، والأهم هو اصطفاف المجتمع السعودي برمته مع بناء مسيرة التنمية ومواجهة التحديات المستقبلية وعلينا جميعا أن نقف إلى جانب المرأة وندعمها ونمنحها الثقة كاملة.

وعبر نايف الجهني الأستاذ بجامعة تبوك عن تفاؤله الكبير بالإصلاحات التي تجسدها رؤية المملكة 2030، مشددا على أهميتها في الحديث عن التنمية الازدواجية لجميع شرائح المجتمع السعودي بكافة أطيافه.

وقال الجهني لـ”العرب” “رؤية الأمير محمد بن سلمان تنظر إلى الرجل والمرأة بعين واحدة ومعناهما المواطن الفاعل القادر على تحقيق شيء لوطنه ولا تفرق بين الجنس الذكوري أو الأنثوي، فهما على حد السواء وكلاهما يقوم بدور كبير ومشاركة فاعلة في تقدم البلاد ورخائها وتطورها”.

وأضاف “ليس لدي أدنى شك بأن المرأة لديها إبداعاتها وأفكارها التي يمكن أن تنعكس إيجابا حين تشارك الرجل في اتخاذ جملة القرارات التي تصب في صالح الشأن العام وتساهم في بناء التنمية الاقتصادية والاجتماعية”.

وواصل “الحكومة السعودية أعادت للمرأة دورها الحقيقي الذي سلبتها إياه بعض التيارات، وأنا من موقعي كرجل لدي الثقة كاملة بأن المرأة السعودية لديها القدرة على أن تكون أنموذجا يحتذى به، خاصة ونحن نرى تقدمها العلمي في الغرب والشرق، والمتمثل في منجزاتها العلمية المتميزة وحضورها اللافت في الملتقيات الفكرية والتنموية، ومثل هذا الأمر يجعلنا نتطلع إلى المزيد ونصر على دعم كل ما من شأنه أن يجعل المرأة السعودية في قمم المنافسة”.

صحافية من تونس مقيمة في لندن

20