المرأة السوداء والرجل الأبيض

أول حوار عربي مع توني موريسون عشية فوزها بنوبل، تتحدث فيه عن كتاباتها ومواقفها.
الأربعاء 2019/08/07
توني موريسون في الوسط بين المغنية جيسي نورمان والمغني إلتون جون

 "نموت وربما هذا هو معنى الحياة، ولكننا نصنع اللغة وهذا ربما كان مقياس حياتنا”. هذا ما قالته توني موريسون التي رحلت عن عالمنا يوم أمس، في أحد آخر تصريحاتها الصحافية. الحوار المنشور هنا هو أول حوار عربي مع موريسون أجرته الروائية والأكاديمية الأردنية فادية الفقير لمجلة “الكاتبة” ونشر في العدد 5، أبريل 1994، غداة نيل موريسون جائزة نوبل.

في مارس 1988 جاءت توني موريسون إلى جامعة “إيست إنغليا” كي تقدم قراءة من أعمالها. لمحتها أولا حينما عبرت الغرفة لتصافح التلاميذ المترددين الخجلين. امرأة سوداء متوسطة العمر منشرحة الوجه. تشجيعها للتلاميذ هو دلالة على كاتبة غير متحرجة، فكرت وخطوت إلى الأمام كي أقدم نفسي.

ابتسامة ومصافحة دافئة، قلت لها إن أعمالها كانت المقدمة المثلى لكتابة النساء السود. ابتسمت وعندها أدركت أني في حضرة امرأة في تناسق وانسجام مع نفسها ومحيطها. حاولت استدراجها بعيدا عن الجمهور الصاخب، كانت محاورة سخية. أرادت أن تتحدث، تمنح وتفسر. شعرت بارتياح معها كما لو كانت أما أو أختا. لا إشارة منافسة أو تهديد. كانت متفهمة للغاية ودافئة والابتسامة العريضة لم تفارق وجهها. توني موريسون كاتبة في الصميم.

كامرأة سوداء في المجتمع الأميركي، كيف ينعكس ذلك على كتابتك؟

توني موريسون: إنها منطقة كتابتي. ما أكتب عنه؛ غايتي كامرأة سوداء أن أحول إدراكي إلى شكل فني تنويري على نحو خاص، وفي الوقت نفسه قابل للوصول، فيما لو أرادوا التأكد من حقيقته، إلى أناس آخرين. ولكن التزامي الأوّل هو أن أحمل شهادة وأساهم في تقديم العدالة إلى الناس الذين أمثلهم، ولكن في تعبير شخصي ليكون لي أسلوب. حقل للدراسة وعالم كي أقيم فيه، عالمي أنا وليس لأحد آخر. في الوقت نفسه ينتمي إليه كافة هؤلاء الذين لديهم مدخل إليه.

فنان غرافيتي خلال عمله على جدارية لتوني موريسون
فنان غرافيتي خلال عمله على جدارية لتوني موريسون

هل لديك موال في “محبوبة” أم إنه صوت الجالية؟

توني موريسون: بقوة. إنه أكثر مسرحية لأن لديك امرأة منعزلة عن الجالية وهي تحتضر وتكاد تجن بسبب هذا الانعزال. ليس لديها مكان كي تبرأ فيه. هم بالطبع يدينونها بسبب عواقب فعلة اقترفتها في الماضي. كانت تحاول أن تكون أما وأن تحول دون أن ينشأ أولادها قذرين ملطخين. لكن حينما بلغت الأمور مبلغا خطيرا، تدخلت الجالية فطريا في الوقت الملائم كي تنقذها من العفاريت التي تلاحقها. ثمة مرحلة حيث العالم في رحابته (الجالية السوداء)، يضمك بين ذراعيه. ثمة لحظة حيث تكونين منبوذة في الجالية، لكنهم لا يطردونك. إنها ليست كالجاليات الأخرى حيث يطردونك بل يقتلونك. ربما يتراجعون لكنهم لن يقبلوا أن يروا حياتك وقد تحطمت كليا في الجالية. الحكم قاس من جانب لكنه من جانب آخر لا يسعى إلى التدمير.

لاحظت تكرارا في ثيمات روايتك. هل يعني ذلك أنها جميعا متصلة؟

توني موريسون: من منطلق نظري تبدو وكأن بينها بعض الترابط، تبدو كأنها رواية واحدة. على سبيل المثال في رواية “سولا” ثمة امرأة مسنة، ابنة طفلة التي بدورها لديها ابنة طفلة. إنه بيت مثير من النساء. لكن من الواضح أنني لم أكن قد انتهيت تماما من تلك الثيمة. إذ أنني أعدت تكرارها في رواية “بائع الحليب” و”أغنية سليمان” حيث كان هنالك “بيلاط” “هاغار” و”ريبا” كل ابنة في هذا الوضع اللامتوازن هي أقل نفوذا من الأم المسيطرة. في هذا الوقت تكون قد بلغت الجيل الثالث. شيء ما مختلف كان يجري.

في تصوري إن غياب الرجال الراعين سب فقدان التوازن. بينما تستطيع “بيلاط” أن تكون ما تبتكره لنفسها، نرى إنها في حالة انشداد عميق للرجال، رغم أنها خشنة الطباع. في حين أن علاقة “ريبا” بالرجال هي علاقة حسية محض وبالتالي استسلامية أيضا. الطفلة الثالثة “هاغار” اتكالية كليا على الرجال، وهي فعليا لا تستطيع العيش من دونهم. ما أكتبه هو نوع من تخفيف حدة أو تشوه العلاقة بين الرجل والمرأة لأنها غير متوازنة حينما كنت أكتب عن “بائع الحليب” وفكرت أنه سيكون ذا تربية رجالية تماما وما كنت مدركة إلى أي مدى يحتاج ليعرف ما بوسع النساء منحه كي يجعلونه مكتملا. نعم أنت على حق، هنالك ثيمات لا تني تبرز في مواضع ثانية. ذلك يعني أنني لم أستنفذها بعد.

خلال قراءتي لرواية “محبوبة” لاحظت بأنه يمكن تصنيفها كواقعية سحرية. إنها مشابهة لأدب أميركا اللاتينية. هل ذلك صحيح؟

توني موريسون: سمعت هذا مرات عديدة. قد يكون له بعض الشرعية في إطار التصنيفات الأدبية، لكنني أحس تجاهها بمعارضة شديدة. إذ أن ذلك يفترض أنه ليست لدي ثقافة يمكن أن أستقي منها، وأن من الضروري أن أستخدم الثقافة السائدة في جنوب أميركا، التي في الحقيقة ليس لها علاقة في حدود معرفتي، بنوع السحر والخوارق والميثولوجيا الواضحة في الثقافة السوداء في الولايات المتحدة.

الآن حينما أوظف أشياء مثل أشباح أو ذلك النوع من الميثولوجيا، ذلك لأنه سائد ومتداول لدى الناس والعالم الذي يبتكرونه، إنه جزء من دينهم، جزء من فلسفتهم وهكذا. أرى عائلتي أناسا أذكياء وأصيلين، آخذة بعين الاعتبار معاناتهم لثمانية أجيال متتالية. ليس ثمة مسافة قريبة بيننا وبين السحر، لذلك أدخلتها في كتابي. كان تحديا لي أن أجعل السحر ذا معنى بنائيا. في “محبوبة” لا أظن أن القارئ سيدرك كم كانت العبودية مرعبة. وهي في الحقيقة مرعبة، إلا إذا كان لديه شيء فظيع آخر.

الشبح؛ إنه إلى حد ما سعى إلى حماية القارئ من مواجهة البشاعة دفعة واحدة. في مقدوره أن يركز على الميتافيزيقي ويقول: أوه لا أصدق ذلك. إنه توازن بعضها مع بعض. أرى العبودية أكثر فظاعة من الشبح في سياق الأمور.

توني موريسون

هل تعتقدين أن الكتاب السود يكتبون على نحو مختلف من الكاتبات السوداوات؟

توني موريسون: أعتقد أن مشاغلهم مختلفة. أعتقد أن الرجال السود والرجال والنساء البيض، ولأسباب متفاوتة في الاختلاف، يهتمون بالرجال البيض. إنه انجذاب طبيعي نحو النفس. النساء البيضاوات يهتممن بالرجال البيض وذلك أمر طبيعي، فهم أزواجهن وآباؤهن وأولادهن و”الآخر” أيضا.

 الرجال البيض يهتمون بالرجال البيض لأنهم ما هم عليه، إنه انجذاب طبيعي إلى الذات. أما الرجال السود فيهتمون بالرجال البيض لأن ذلك هو العدو الذي إما أن يقضي عليه وإما أن يتفق معه. النساء السوداوات هن فقط اللاتي لا يكترثن بالرجال البيض، فهم ليسوا أبدا محور كتاباتهن. ذلك غالبا ما بدا في بعض الدوائر وكأنه محدودية. إنه مفهوم “مركزية الجنس” (Gender centric). لكنها بالنسبة لي قد حررت الأدب الآن ليس لديك هذا كي تقلقي بشأنه. إنها هنا مثل غيمة أو ملامس في غيمة وفق ما كانت الحالة. الآن ثمة أشياء كثيرة للحديث عنها. لا أعلم ما إذا كانت في التعبير، الأسلوب والتركيب، فثمة قدر من النوع وأنا على ثقة بأنها كذلك ولكنها كذلك شخصية تماما.

أمر ذاتي يخص الكاتب. إنه لمن المثير بالنسبة لي كم هي مهمة الشخصية البيضاء بالنسبة للكتاب السود. حتى في كتاب مثل “حادثة شين بل” الذي هو عن استعادة تاريخ ما لحادثة جرت لبعض رجال سود في المدينة، الشخصية التي تسأل كافة أسئلة والتي يشرح لها كل ذلك هي زوجة الرجل الأسود التي هي بيضاء. لذلك فثمة دائما حضور أبيض مهم في كتابة الرجال السود.

قلت أن العمل يجب أن يكون سياسيا وأنه ليس لديك وقت للعب؟

توني موريسون: هذه ليست مهمة خاصة. أعتقد أن كل فن جيد له أسنان، لقد حاولوا أن يجعلوا كلمة “سياسي” تبدو شيئا كريها، يعني إشكاليا أو نوايا خفية (Gender). إن الفكرة ليست كذلك، والتي يزيد عمرها على 85 عاما ليست فنا من أجل الفن. ليس ثمة أحد في العالم لم يفكر أن يكتب عن نفسه سواء كان برنارد شو، شكسبير أو إبسن. لقد قرروا ذلك طالما أنهم أموات، بأنهم كانوا يكتبون عن شيء جميل وليس سياسيا. إن ذلك لا يؤذيني فذلك ما يقولونه عن كتاباتي في بعض الأحيان.

من الجلي أن الكتابة السياسية ينبغي ألا تكون خطبة شقشقية ولكن أن تكون جميلة أيضا. لكنني لا أعني بكتابة جميلة فحسب يجب أن يتوفر فيها الشكل الجمالي الذي تختارينه لتقولي تلك الأشياء. من جهة أخرى لا أريد أن أقرأ عملا سياسيا فحسب من دون أدنى جهد لجعله عملا فنيا.

15