المرأة السورية والثورة: سيدات بحثن عن حرية فقدها الجميع رجالا ونساء

الأحد 2013/09/01
أول سيدة دبلوماسية سورية رفيعة المستوى أعلنت انشقاقها عن النظام

دمشق- رغم وصف السلطات السورية المتظاهرين والمحتجين ضد النظام طوال عامين ونصف بأنهم مجموعات سلفية وإرهابية، إلا أن اللافت أن التظاهرات والاحتجاجات التي شهدتها سورية ليست ذكورية، بل كان للمرأة دور بارز وهام فيها، على الصعيد السياسي والاجتماعي وحتى الميداني.

قبل انطلاق "الانتفاضة" السورية بيومين، وتحديداً في 16 مارس 2011، فرّقت قوات الأمن السورية تجمعاً ضم عشرات النسوة من أهالي المعتقلين السياسيين في سورية قرب وزارة الداخلية وسط العاصمة دمشق، حيث تجمعن حاملات صور المعتقلين ورفعن لافتات تطالب بإطلاق سراحهم ورفع قانون الطوارئ وتكريس الحريات العامة، وتدخلت قوات الأمن لتفريقهن بقسوة وعنف، واعتقلت بعضهن، وكنّ في تلك اللحظة أشجع من الرجال، ومنذ تلك اللحظة بدأت مشاركة المرأة السورية تبرز كعنصر أساسي في الثورة وعامل هام من عوامل نجاحها.

لم يقتصر دور النساء على العمل الميداني ومشاركة الشباب والرجال بالتظاهرات، بل كان للمرأة السورية مشاركة سياسية وحقوقية هامة جداً، فقد كان للناشطات السياسيات دور إعلامي هام في الترويج لمطالب السوريين وتوضيح أهداف المظاهرات السورية، كما شاركت الناشطات الحقوقيات في توثيق الانتهاكات التي قامت بها القوات الأمنية السورية.

فضلاً عن بعض الناشطات السياسيات المعارضات، اللواتي كن في صفوف المعارضة التي تعمل بخجل وحذر داخل سورية، برزت سيدات من قلب المؤسسة الحكومية ليعلنّ تضامنهن مع الشعب ومطالبه بالكرامة والحرية والمساواة، مضحّين بالمكانة المرموقة التي وصلن إليها على الصعيد الحكومي والاجتماعي دون أسف.

لمياء الحريري، أول سيدة دبلوماسية سورية رفيعة المستوى أعلنت انشقاقها عن النظام في يوليو 2012، وهددت المؤسسة الدبلوماسية السورية بالانهيار فيما لو استمر مسلسل انشقاق الدبلوماسيين، ورغم اتّخاذ السلطات السورية إجراءات ثأرية ضدها وضد زوجها السفير السوري في دولة الإمارات عبد اللطيف الدباغ الذي أعلن انشقاقه أيضاً، بسبب موقفها المؤيد للثورة إلا أنها لم ولن تشعر بالأسف على الخطوة التي قامت بها.

كانت الحريري، رئيسة البعثة الدبلوماسية السورية في قبرص، ابنة مدينة درعا التي يلقبها السوريون بـ "مهد الثورة" حيث انطلقت منها شرارتها، ظاهرة استثنائيــة في تلك الأيام التي كان فيها الرهان على سقوط النظام غير مضمون على الإطلاق، وحول هذا القرار المصيري قالت لـ (العرب) "في الحقيقة اتخذت قراري منذ بدايات الثورة، وكان لي تواصل دائم مع بعض الناشطين والمعارضين، وطلب مني البعض البقاء بمنصبي لأكون أكثر فائدة، لكني لم أعد احتمل عنف النظام وحجم القتل والدمار".

كان النظام السوري لا يسمح بأي شكل للدبلوماسيين بتقديم استقالاتهم، وكانت الأجهزة الأمنية هي المشرفة على اختيار الدبلوماسيين من الأكثر ولاءً إلاّ ما ندر، وهذه الفئة القليلة التي ترفعت بجدارة كانت تخشى من ردة فعل النظام الانتقامية، ومن واقع تجربتها وخبرتها قالت الحريري "لم يُسمح للدبلوماسيين السوريين بتقديم استقالاتهم أبداً، فترجمة الاستقالة لدى النظام تعني الانشقاق، وأي إيحاء بالاستقالة أو تسريب من الأجهزة الأمنية بأن أحد الدبلوماسيين ينوي الاستقالة ـ مجرد نية فقط ـ يدفع بالوزارة إلى إصدار قرار بإعادة الدبلوماسي إلى دمشق فوراً".

لطالما أكّدت المعارضة السورية أن الأجهزة الأمنية شكّلت حجر الزاوية في إدارة البلد، وأدارت بشكل مباشر الكثير من السياسات الخارجية، وأن وزارة الخارجية كغيرها من الوزارات عبارة عن واجهة مدنية شكلية للنظام، وربما كانت تُتَوقع انشقاقات بـ "رجال" الدبلوماسية لا بنسائها.

اعتبر النظام ما قامت به شريحة واسعة من نساء سورية تمرّداً غير مسموح به، فقد اعتاد أن لا تشارك المرأة السورية منذ استلام حزب البعث السلطة قبل نحو خمسة عقود في مظاهرات ذات أهداف سياسية أو شبه سياسية، بل بمسيرات تأييد لرأس السلطة برعاية الاتحاد العام النسائي، وهي الهيئة النسائية التي تشرف عليها السلطة والوحيدة العاملة بعد أن حلت السلطات المنظمات النسائية التابعة لجميع الأحزاب الأخرى.

عمد النظام لمعاقبة الحريري ومن تلاها بعقوبات صارمة، وكان رد فعله ثأرياً، وفرض عقوبات مالية وإدارية قاسية جداً عليها وعلى أسرتها، عقوبات لا مبرر لها سوى لأنها اتّخذت موقفاً رافضا لأسلوب تعاطي النظام مع ثورة الشعب التي استمرت سلمية لأشهر طويلة، وقالت الدبلوماسية المقيمة خارج سورية مؤقتاً "كان النظام يخشى من أن تشجع موجة الانشقاقات الكثير من المترددين على الانشقاق وأن تبدأ المؤسسة الدبلوماسية بالانهيار".

في الجانب السياسي، قالت الحريري "الدور الحقيقي والفاعل هو أولاً وأخيراً للحراك الشعبي والمد الثوري على الأرض، ونحن على يقين بأن من سيقرر مصير سورية هم ثوار الداخل المدعومين من الجيش السوري الحر"، وأضافت ""لقد أضاع النظام كل الفرص لتحقيق حل سياسي يؤمّن انتقال سورية إلى بلد ديمقراطي تعددي تداولي للسلطة ويجنب البلاد المواجهة المسلحة وإراقة الدماء، لقد فقد شرعيته مع الرصاصة الأولى التي أطلقها على شعبه".

لم يفكر النظام كثيراً حين اتّهم المحتجين بأنهم جزء من مؤامــــرة خارجية لزرع الفتنـــة الطائفية ونشـــر التطرف والتشدد والسلفية، إلا أن مشاركـــة النساء في التظاهرات بداية الانتفاضة، ومن ثم في العمل الإغاثـــي والنشاطات الحقوقية والإعلامية المؤيدة للثورة فيمـــا بعد، كان أكبر دليل على أن لا مكان للسلفيين أو المتشددين في الثورة، ومؤشر على أن هذه الثورة لم تكن ذكورية، خاصة وأن نســـاء سورية كنّ فوق التطرف وفوق الطائفية والتشدد، كنّ يبحثن عن حرية فقدها الجميع رجالاً ونساءً على حد سواء.

20