المرأة العربية بين ترف التمكين المهني وعبء المسؤوليات الأسرية

الأحد 2015/03/01
أهم التحديات التي تواجه المرأة العاملة تحقيق التوازن الأمثل بين العمل والحياة الخاصة

التمكين الاقتصادي للمرأة من أهم الحقوق التي تناضل المنظمات النسوية والمجتمع المدني من أجلها، إلا أن مسألة خروجها للعمل مازالت تطرح العديد من القضايا أهمها مساواتها في الحقوق والواجبات مع الرجل وتأثير عملها على حياتها الشخصية والأسرية والاجتماعية. ورغم ما تكشفه الإحصائيات في الدول العربية من تقدم المرأة نحو تحقيق عدد هام من المكاسب خلال السنوات الأخيرة - أهمها الحق في التعليم - إلا أن معدّل مشاركتها في القوى العاملة مازال من أدنى المعدلات في العالم.

تمر المنطقة العربية في الآونة الأخيرة بمتغيرات عديدة تشمل الجوانب السياسية، والاجتماعية والاقتصادية تمثلت في اضطرابات جعلت أغلب هذه الدول تواجه صعوبات اقتصادية خاصة بسبب النزاعات المسلحة التي يقودها التطرف الديني.. وهو ما دفعها نحو إعادة النظر والتدقيق في إستراتيجياتها التنموية والاقتصادية، ويضاف إلى هذا الوضع التطور التقني المتاح اليوم الذي فتح عيون هذه الدول على الأنماط التنموية الغربية، وهو ما جعل التمكين الاقتصادي للمرأة يطفو من جديد على سطح أهم القضايا المتعلقة بها وبالمجتمعات العربية ككل ويُعاد طرحه بإلحاح كأحد ركائز التنمية المستدامة والشاملة.

وتتجه معظم الدول العربية إلى تبني إستراتيجيات تنموية تستثمر من خلالها كل الثروات والطاقات البشرية المتاحة لديها لتحسين أوضاعها الاقتصادية والنهوض بالمجتمعات التي باتت فريسة سهلة للآفات والمخاطر الناجمة عن الفقر. هذا ما جعل القائمين على رسم الإستراتيجيات الاقتصادية ينتبهون إلى أن المرأة باتت رقما مهما في معادلة التطور والتنمية المحلية. ومن المفارقات المثيرة للجدل أن الفتيات تحققن نسب نجاح في الدراسة تفوق نسب الناجحين من الذكور حسب ما تطلعنا عليه أغلب وزارات التعليم العربية، إلا أن نسب انضمام الخريجات من التعليم العالي إلى سوق العمل غالبا ما تكون أقل بكثير من نسب تشغيل الخريجين من الذكور، ويبرز هذا المعطى جليا خاصة في المجتمعات العربية الإسلامية المحافظة.

إذن ففكرة التمكين الاقتصادي للمرأة لا تنبثق فقط من الحاجة إليها كقوة عاملة وفاعلة في الإستراتيجيات التنموية المرتبطة ارتباطا وثيقا بالاستغلال الأفضل للموارد البشرية، بل أن لديها منطلقات أعمق: أهمها نجاحها في الحصول على شهائد تعليم عال مبرهنة بذلك أنها لا تقل ذكاء ولا موهبة عن الرجل.

الكثير من الدراسات السوسيولوجية العربية كشفت أن المرأة تتحمل العبء الأكبر من المسؤوليات الأسرية المتعلقة برعاية الأبناء والقيام بشؤون المنزل

كما أن ارتفاع نسب المتعلمين إناثا وذكورا في البلدان العربية أدى إلى انتشار وعي مجتمعي لدى فئات واسعة من عامة الشعب بأن المرأة نصف المجتمع وأنها تستحق أن تعامل على نفس قدر المساواة مع الرجل وأن التطور الحاصل في العالم يفرض التخلي عن المنطق الذكوري الذي يقصيها ولا ينصفها في شتى مجالات الحياة ويختزل دورها في القيام بشؤون المنزل والإنجاب ورعاية الأبناء.

ولأن المرأة العربية أثبتت جدارتها في عديد المجالات خاصة منها التعليم، إذ حققت أسماء عربية عديدة نجاحات وتميزا أبهر مجتمعاتهن والعالم في مجال عملهن وتمكنَّ من أداء وظائفهن وواجباتهن المهنية على أكمل وجه ونجحن أيضا في المناصب القيادية والمناصب الإدارية العليا، كما توفقن في الدخول إلى أغلب المهن في سوق الشغل في العالم منتقلات من الوظائف الاعتيادية إلى الوظائف التي اعتبرت حكرا على الرجال لسنوات طويلة، إذ يمكننا الجزم بأنه لم يعد هناك قطاع يخلو من التواجد والبصمات النسائية حتى وإن تطلب قوة جسدية مثل الأعمال اليدوية الشاقة.

كما أن إنجاح الاستراتيجيات التنموية يفرض تشريك المرأة والاعتماد على مهاراتها وقدراتها وتنمية هذه القدرات وإحاطتها بالظروف الملائمة في الفضاءين العام والمؤسساتي لتكون عنصرا فاعلا قادرا على الإضافة والإبداع، لذلك تتجه أغلب الدول العربية إلى القضاء على الأمية في صفوف الإناث وإلى تحسين مستوياتهن التعليمية.

واستجابة لما تنص عليه مع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي وقعت عليها أغلب هذه الدول خاصة في مجال حقوق الإنسان وحقوق المرأة، فهي تسعى إلى وضع استراتيجيات اقتصادية لا تقصي المرأة من العمل وتضمن لها حقها فيه وتنصص عليه في أغلب القوانين والدساتير التي تعتمدها الدول الممضية على هذه المعاهدات، غير أن أغلبها يظل حبرا على ورق إذ لا تجد المرأة الدعم والظروف الملائمة للانخراط في سوق العمل.

المرأة تجد نفسها ممزقة بين مسؤولياتها في العمل ومتطلبات العناية بأسرتها

ونظرا لأهمية العمل في تحقيق النمو الاقتصادي وأهميته أيضا في حياة المرأة، فإن الظفر بعمل يعد مكسبا تحققه النساء خاصة في المجتمعات التي ترفض أساسا الاعتراف لها بهذا الحق والتي لا تؤمن بقدراتها في العمل خارج المنزل، ولا يزال الخروج إلى الفضاء العام والحصول على وظيفة أمر صعب المنال بالنسبة للمرأة العربية خاصة المنتمية إلى المجتمعات المحافظة، ورغم أن هذه المجتمعات في غالبيتها تتيح للفتيات الحق في التعليم والحصول على شهائد علمية إلا أنها تتنكر لتمتعها بنجاحها الدراسي ولاستثماره في الحصول على وظيفة أو تأبى عليها حقها في المناصب المهنية العليا.. أو التمتع بحقوقها المهنية على حد السواء مع زملائها من الرجال ولعل أهمها المساواة في الأجر.

ويظل النجاح في الحياة المهنية هدف تنشده كل امرأة انخرطت في سوق العمل وهو رهين نجاحها في حياتها الاجتماعية وفي أداء واجباتها العائلية، فعلاقة التأثير والتأثر بين ظروف العمل والحياة الخاصة للسيدات العاملات وطيدة إلى حد التماهي. ولا ننسى أن الفشل في الحياة الأسرية أو في تربية الأبناء تلام عليه المرأة بدرجة أولى وأكثر من الرجل.

ورغم انخفاض نسبة العمالة النسائية خاصة في الدول العربية مقارنة بالذكور، إلا أن النساء اللاتي أثبتن جدارتهن بتحمل مسؤوليات العمل خاصة في مناصب إدارية عليا كثيرات وهن يشكلن أمثلة يحتذى بها لأجيال المستقبل من الفتيات، كما أنهن يشكلن أمثلة يستشهد بها لإقناع العقليات الذكورية باستحقاق المرأة للتمكين الاقتصادي ولحقوقها في مجال العمل على حد السواء مع الرجال.

ومن زاوية نظر نسائية فالحق في العمل من أهم الحقوق التي تسعى المرأة إلى كسبها والتمتع بها، فهو يتيح لها الفرصة لتكوين ذاتها وبناء شخصيتها وتحقيق استقلاليتها عن التبعية المادية للعائلة أو للأب أو للزوج، كما يمكّنها من إثبات إنسانيتها وإبراز مواهبها وتكريس مواطنتها. ورغم الصعوبات التي تعترض المرأة في طريق الحصول على عمل والنجاح في أدائه على أتم وجه إلا أن النساء في العالم، وخاصة في العالم العربي، تواصلن النضال من أجل الحصول على حقوقهن الاقتصادية وتحقيق المساواة مع الرجال فيما يخص العدالة في أوساط العمال من حيث ساعات العمل والأجور وتوزيع المناصب أو التدرج الوظيفي..

وتعد مسألة التوفيق أو تحقيق التوازن بين واجبات العمل والمسؤوليات الاجتماعية والأسرية من أهم التحديات التي تعيشها المرأة العاملة وخاصة الأم العاملة. فظروف الحياة الخاصة تؤثر حتما على الحالة النفسية والعقلية للمرأة وبالتالي يتأثر أداؤها ومردودها المهني، كما تتأثر حياتها الخاصة بما تعيشه في العمل ويكون هذا التأثر إما سلبيا أو إيجابيا.

فالمرأة العاملة وخاصة إن كانت ربة أسرة تجد نفسها في أغلب الحالات ممزقة بين مسؤولياتها في العمل بما فيه من واجبات نحو مشغلها ونحو مهنتها ونحو محيطها المؤسساتي وكذلك رغبتها في تحقيق طموحاتها المهنية وبين مسؤولياتها نحو أسرتها وبيتها والدائرة الاجتماعية التي تتقاطع معها في حياتها اليومية وبين أشغال منزلية أخرى تنتظرها غير مدفوعة الأجر تضاعف شعورها بالتعب والإنهاك.

تأثير ظروف الحياة على الحالة النفسية والعقلية للمرأة ينعكس على مردودها المهني

وتتضاعف هذه المعاناة لدى النساء العربيات العاملات اللاتي لا تجدن التفاعل والمساعدة والدعم والتفهم من كلتا الجهتين أي العائلة والمؤسسة.

وحسب البحوث والدراسات الاجتماعية في علاقة بعمل المرأة، فإن عددا قليلا فقط من الدول العربية يضع قوانين استثنائية خاصة بالمرأة العاملة سواء أكانت حاملا أو مرضعة أو أُما تتمثل في المرونة وتقليص ساعات العمل في هذه الحالات وتسخير الحضانات التابعة لمقرات العمل.. ورغم أن هذه التسهيلات وغيرها من شأنها أن تنصف المرأة وتتيح لها فرصة تحقيق التوازن بين مسؤولياتها المهنية والأسرية، إلا أنها تكاد تغيب عن التشريعات التي تقنن عمل المرأة.

وحسب الكثير من الدراسات السوسيولوجية العربية فإن المرأة تتحمل العبء الأكبر من المسؤوليات الأسرية المتعلقة برعاية الأبناء والقيام بشؤون المنزل، حيث بينت عديد البحوث أن النسبة الأكبر من الأزواج لا تساعد زوجاتها العاملات خارج المنزل في مستوى المهام الأسرية ولا تتقاسم معهن رعاية الأبناء والواجبات المنزلية على حد السواء وهو أمر يطغى على أغلب الشعوب العربية.

هذا ما يجعل المرأة تعمل وتتعب ضعف الرجل وتجد نفسها بعد ساعات الدوام تؤدي ساعات عمل أخرى توزعها حسب حاجيات ومتطلبات بيتها وأبنائها. هذه الوضعية من شأنها أن تؤثر على أداء المرأة في العمل، كما تدفعها إلى التقصير في بعض الأحيان في واجباتها الأسرية وبذلك تتأثر العلاقات الأسرية سلبا.

وتعد المشاكل العائلية والاجتماعية مثل الطلاق وانعدام الإحاطة بالأبناء وانحراف البعض منهم في سن المراهقة مع غياب كل من التماسك الأسري وحوار الأم مع أطفالها أو زوجها وغيرها من أهم ميزات المجتمعات العربية اليوم، والمفارقة أن أسبابها في أغلب الحالات تُرجع إلى خروج المرأة إلى العمل خارج المنزل، وذلك من منظور ذكوري قائم على محاسبة المرأة وحدها وتحميلها مسؤولية المشاكل الأسرية على اختلافها.

وتحقيق التوازن الأمثل بين العمل والحياة الشخصية ليس ترفا بل بات يشكل الهدف الأساسي للمهنيين في العالم رجالا ونساء على حد السواء.

وأظهرت دراسات حديثة أن نسبة هامة من المهنيين في الدول العربية يعتبرون أن التوازن بين العمل والحياة الشخصية عاملا حيويا يؤثر بشكل مباشر على مستوى أدائهم في مكان العمل، ويبقى تحقيقه من أهم التحديات التي تواجه المرأة العاملة، إذ أنها أولا مسؤولة عن رفاهية عائلتها ورعاية أطفالها وثانيا على أداء مسؤوليتها في العمل على أكمل وجه، وهو ما يؤكد أنها تحتاج إلى التمييز الإيجابي في مجال التشريعات العمالية.

20