المرأة العربية تبحث سبل تمكينها اقتصاديا واجتماعيا

الأحد 2014/11/09
"نحو تنافسية عالمية" شعار ترفعه القيادات النسائية العربية لضمان حقوق المرأة

مشاركة المرأة في الاقتصاد والتنمية إشكالية قليلة الطرح خاصة في الدول العربية رغم سعيها إلى دعم قدرتها التنافسية وتطوير اقتصادياتها، ويبدو أن إهمال العنصر النسائي كأحد مكونات القوى العاملة يقف وراء بطء النمو الاقتصادي لهذه الدول، فكثيرا ما تُغيّب المرأة في المخططات المستقبلية والاستراتيجيات الاقتصادية في البلدان العربية وإن تم احتسابها ضمن القوى البشرية العاملة فإن الوظائف والمناصب التي توكل إليها تبعدها عن المراكز القيادية وبالتالي تقلص دورها وفاعليتها وتضعها في مراتب ثانوية.

تركز الدول المتقدمة والقوى الاقتصادية الرائدة في العالم على استغلال القوى البشرية المتاحة لها بكل مكوناتها وعناصرها، ولأجل ذلك توجه استثماراتها نحو دعم هذه العناصر وتقويتها لضمان حسن أدائها وتحسين مردودها، وتأتي المرأة على رأس هذه العناصر بما أنها المكون الأكثر تعرضا للإهمال وللاستبعاد من الأدوار الرئيسية والمناصب الريادية خاصة في الدول النامية. ويظل المتسبب الرئيسي في نقص تمكين المرأة هو العقلية الذكورية التي مازالت طاغية في عدد من الدول وفي بعض المجالات الاقتصادية والتي تؤمن بتحجيم دور المرأة وبأن بعض الوظائف والمناصب تظل حكرا على الرجل وهو وحده القادر على النجاح فيها.

استيعاب التحديات التي تعيق دور المرأة الاقتصادي أمر ضروري لوضع السياسات التنموية للدول، وتحليل هذه التحديات والصعوبات ودراسة تفاصيلها وأسبابها وانعكاساتها يفضي إلى صياغة التشريعات الداعمة للمساواة بين الجنسين التي تروج بدورها لمشاركة اقتصادية متوازنة بين النساء والرجال، وفي هذا السياق تتنزل أشغال منتدى القيادات النسائية العربية الذي نظمته مؤسسة دبي للمرأة في دورته الرابعة تحت عنوان “نحو تنافسية عالمية” بهدف مناقشة العديد من المواضيع المتعلقة بتمكين المرأة من العمل والمشاركة في الحياة الاقتصادية وتأثير ذلك على تنافسية الدول وتسليط الضوء على أهمية الاستثمار في تعزيز دور المرأة كإستراتيجية محورية في الدول المتقدمة والنامية.

طرح منتدى القيادات النسائية العربية القضايا المرتبطة بعمل المرأة عموما وخُصّصت الدورة الحالية لبحث دورها كعنصر فاعل في تقوية القدرة التنافسية للدولة، وذلك في مواصلة للمواضيع الحيوية التي تم طرحها في الدورات السابقة ومحورها الرئيسي “المرأة العربية والقيادة” تحت شعار “الإبداع بين العالمية والمحلية” في الدورة الأولى، و”المرأة والقيادة المؤسسية نحو مفاهيم جديدة في تحقيق التوازن” في الدورة الثانية، و”قيادة مجالس الإدارة وأهمية التنوع″ في الدورة الثالثة.

كل واحدة من الدورات تمثل في حد ذاتها خطوة هامة في مسار النهوض بالمرأة في المجتمعات العربية وهي إنجاز يحتسب للمجتمع المدني في الدول العربية عموما ودول الخليج خصوصا في اتجاه دعم مكاسب المرأة وحقوقها، وهي مكسب للمرأة الناشطة في مجال حقوق المرأة والمدافعة عن حقها في المساواة وعن حق الأجيال القادمة من الفتيات في الظفر بفرص التعليم والعمل كما هو الحال بالنسبة إلى رجال المستقبل.

ضمان بيئة عمل تشجع المرأة على البقاء في الوظيفة وعدم التخلي عن عملها يتطلب إلى جانب الظروف التي توفرها المؤسسة المُشغلة إطار قانونيا وتشريعيا


مبادرات إماراتية



هذه المبادرات التي تقوم بها مؤسسة دبي للمرأة موجهة لفائدة المرأة الإماراتية والمرأة في دول الخليج العربي والمرأة العربية بشكل أشمل، وتهدف لتشجيع المرأة من أجل أن تلعب دورا فعالا في التنمية المستدامة ولزيادة الوعي وتعزيز المبادرات المتعلقة بعمل المرأة العربية ودعم اتخاذ الإجراءات الضرورية لتفعيل دورها في المجالات الاقتصادية، ولتسليط الضوء وإبراز التقدم الإيجابي للمرأة العربية رغم الصعوبات والنقائص الملموسة على أرض الواقع؛ إذ تظل هذه النجاحات محدودة كمّا وكيفا في المجتمعات العربية وهو ما يستوجب نشر الوعي بضرورة الارتقاء بمستوى عمل المرأة والحث على تشريكها كعنصر فاعل في مؤسسات القطاعين العام والخاص.

خلال السنوات الماضية، لقيت مشاركة المرأة في القوى العاملة اهتماما متزايدا من قبل الباحثين والمختصين في الاقتصاد، وحثوا الدول النامية على إتاحة الفرصة للمرأة لتلعب دورها في النمو الاقتصادي من خلال انخراطها في سوق العمل. وذلك عقب الإقرار بأهم العوامل التي تحدد القدرة التنافسية لأي بلد، بمدى توظيفه للمواهب البشرية واستفادته من مهاراتها وتعليمها، إضافة إلى إنتاجية القوى العاملة، ولأن المرأة نصف المجتمع فلا خيار أمام الدول العربية والدول النامية سوى تبني سياسة تكافؤ الفرص بين الجنسين بما يعزز نمو الاقتصاد.

منتدى القيادات النسائية العربية تدارس على مدار يومين العلاقة بين مشاركة المرأة في النمو الاقتصادي؛ وأثار عديد القضايا الهامة بالنسبة إلى المرأة العربية ومنها “التنافسية ومشاركة المرأة في القطاع الخاص” لأنه رغم ارتفاع نسب المشاركة الاقتصادية للمرأة الخليجية في العقد الماضي، إلا أنها اقتصرت على القطاع الحكومي أكثر من القطاع الخاص وأرجع الباحثون ذلك إلى ما يتيحه القطاع الحكومي من استقرار في الوظيفة وإلى الضغوط الاجتماعية والمسؤوليات الأسرية التي تدفع المرأة نحو هذا الخيار وإلى تدخل الأسرة وخاصة الزوج والأب في خياراتها، ذلك أن وجودها في القطاع الخاص يستدعي منها تبرير خيارها والإقناع به خاصة في المجالات التي تطلب وقت عمل ودواما مطولا أو تطلب التنقل والسفر مثل الصحافة والطب والتمريض وغيرها.

لقيت مشاركة المرأة في القوى العاملة اهتماما متزايدا من قبل الباحثين والمختصين في الاقتصاد، وحثوا الدول النامية على إتاحة الفرصة للمرأة لتلعب دورها في النمو الاقتصادي من خلال انخراطها في سوق العمل


قيود وصعوبات

وتدافع المجتمعات المحافظة على ممارسة المرأة للوظائف والمهن القريبة من دورها الاجتماعي في تصورها مثل التعليم، كما تحدد نوعية العمل والمنصب لأنها –ومن خلال وجهة نظر ذكورية- تنتقص من كفاءة المرأة وإمكانياتها ولا تؤمن بأنها قادرة على النجاح في الأعمال التي تتطلب قوة بدنية ولا تراها قادرة على النجاح في مناصب القيادة خاصة في القطاع الخاص الذي يتطلب مجهودا إضافيا وقدرة على مواجهة الصعوبات التي يطرحها الواقع الاقتصادي للدول وجرأة في اتخاذ القرارات..، هذه العوامل والنظرة الدونية للمرأة العاملة تضيّق مجال الاختيار أمامها وتحدّ من مساهمتها وفعاليتها في القطاع الخاص.

هذا الطرح الذي يكشف القيود والصعوبات التي تحول دون المشاركة الكافية للمرأة في القطاع الخاص يستوجب البحث في توفير الظروف والإطار المناسب للمرأة العاملة وإيجاد بيئة عمل محفزة للنساء عبر سياسات رائدة تضمن بقاء المرأة في مكان العمل. وقد لاحظ المشاركون في المنتدى أن الجهود المبذولة من طرف الجهات الرسمية المسؤولة عن الموارد البشرية في زيادة توظيف المرأة في المؤسسات عامل مهم لترفيع نسبة مشاركتها الاقتصادية، ولكن الأهم هو الحفاظ على بقائها ضمن القوى العاملة، ولذلك ينبغي على المؤسسات تسخير السياسات والاستراتيجيات التي تؤثر بشكلٍ مباشر على دور المرأة في المؤسسة وتبني الاستراتيجيات والممارسات التي تشجعها على التمسك بعملها ومن أهمها معاملتها على حد السواء مع زملائها من الذكور وتمتيعها بحقوقها المهنية من حيث التدرج الوظيفي والمساواة في الرواتب وبقية التسهيلات التي تراعي مسؤولياتها الاجتماعية والأسرية مثل تخصيص حضانات في مقرات العمل اقتداء بالدول المتقدمة.


بيئة عمل

ضمان بيئة عمل تشجع المرأة على البقاء في الوظيفة وعدم التخلي عن عملها يتطلب إلى جانب الظروف التي توفرها المؤسسة المُشغلة إطار قانونيا وتشريعيا يفرض على المؤسسات المساواة بين العاملين فيها دون تمييز ويفرض عليها توفير الظروف الملائمة للجميع وضمان حقوقهم بغض النظر عن الجنس، ويظل عدم استيعاب الفوارق بين الجنسين عند وضع التشريعات أحد أهم المعوقات في تحقيق بيئة اقتصادية متوازنة من حيث النوع الاجتماعي وهو الدور الذي يجب أن تضطلع به الحكومات والجهات المسؤولة عند وضع القوانين الضامنة لحقوق المرأة في العمل في القطاعين الخاص والعمومي من خلال الاهتمام بالموازنة بين الجنسين عند وضع السياسات الاقتصادية.

البيئة الداعمة للمرأة أنتجت نماذج نسائية عربية مشرّفة اقتحمت بكفاءة شتى ميادين العمل لتبرهن للعالم أن المرأة تمتلك القدرة على شغل المناصب الوزارية والبرلمانية والقيادية

الاستراتيجيات المتبعة من أجل زيادة وتنمية الفرص الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أمام المرأة في الدول العربية تحتاج إلى مراجعات عميقة تمس كل المستويات من حيث التمكين الاقتصادي والموازنة الكمية بين الجنسين في الوظائف ونوعية المهن والمناصب الموكلة للمرأة وإيلائها المكانة التي تستحقها في المجتمع وفي المؤسسة بشكل يجعلها تحتل المناصب القيادية والرفيعة إن استحقتها.

المنتدى سلط الضوء أيضا على السياسات والمبادرات التي تبنتها الشركات العالمية لدعم المرأة والاحتفاظ بها ضمن القوى العاملة، لتكون نموذجا تقتدي به بقية المؤسسات الفاعلة اقتصاديا، بالإضافة إلى إظهار تأثير ذلك في رفع مستوى القدرة التنافسية في المنطقة العربية.

تطوير الريادة النسائية وزيادة تمثيل النساء ودعم عملهن في القطاع الخاص كما في القطاع العام يفضي إلى تشاركية إيجابية بين الجنسين في تحقيق التنمية المستدامة والتطور الاقتصادي ويدعم القدرة التنافسية للدول وهو ما تسعى المرأة العربية لتحقيقه لضمان جزء لا يتجزأ من حقوقها عبر نشر الوعي بهذه النظرية ومطالبة الحكومات والسلطات بتوفير المناخ القانوني والتشريعي كضرورة ملحة تؤطر المساهمة الفاعلة والإيجابية للمرأة في الرقي بمجتمعاتها وتضمن حقوقها في الفضاء المؤسساتي.

البيئة الداعمة للمرأة أنتجت نماذج نسائية عربية مشرّفة اقتحمت بكفاءة شتى ميادين العمل لتبرهن للعالم أن المرأة تمتلك القدرة على شغل المناصب الوزارية والبرلمانية والقيادية، حالما توافرت لها المعطيات التي تكفل لها حرية المشاركة والإبداع لتكون رقما مهما في معادلة التقدم والنماء، ورافدا من روافد نهضة الدول الحديثة نحو تنافسية عالمية معززة بكل مكونات المجتمع دون إقصاء.

20