المرأة العربية تتحلى بالجرأة للظفر بزوج مناسب

تواجه المرأة العربية العديد من العراقيل بسبب جملة من الأعراف التي تحكمها العادات والتقاليد من ذلك حقها في خطبة الرجل والذي ينكره المجتمع. وأمام عزوف الشباب عن الزواج وتفشي ظاهرة العنوسة بدأ التفكير بجدية أكبر في طرح مسألة خطبة المرأة لنفسها وسط جدل كبير بين القبول والرفض.
الأحد 2017/09/03
لا فرق بين رجل وامرأة المهم التفاهم

لندن - مازالت العادات والتقاليد ترفض فكرة تقدم المرأة لخطبة الرجل على الرغم من أن الشرع منحها هذا الحق في أن تتقدم لإبداء رغبتها في الزواج من رجل تراه مناسبا لها، شريطة أن تلتزم بالضوابط الشرعية التي تحفظ لها كونها أنثى ذات حياء ودين، ليقع حق المرأة في خطبة الرجل بين عادات ترفضها وشرع يقرّها.

وقالت عزة فتحي أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس “اعتماد المجتمع على الرجل فيما يتعلق بالخطبة جاء من كونه صاحب القوامة والمسؤول عن تكوين الحياة الزوجية واتخاذ القرار فيها، وحفاظا على كرامة المرأة ومكانتها وبعيدا عن هذه الاعتبارات فإن العادات والتقاليد أيضا منحت حق التقدم للخطبة للرجل دون المرأة، لأن من العيب أن تبادر الفتاة بالتقدم لخطبة شاب، فهي بذلك تكون قد أهدرت كرامتها وأساءت إلى أهلها وأسرتها.

فمعنى أن تقوم الفتاة بهذه الفعلة أنها ارتكبت جرما كبيرا تخشى أن يلاحقها، وهذا أحد نماذج الاتهامات التي ستلقى في وجه الفتاة، كما أن المجتمع أقر ذلك على الرجل تعظيما له ولدوره واعترافا منه بأن له كافة الحقوق دون مراجعة، وكذلك فإن للأنثى دورا في إقرار هذا الحق اجتماعيا في التقدم لخطبتها ومحو حقها هي في القيام بذلك أنها تشعر بسعادة بالغة إذا ما حازت على إعجاب أحدهم وأتى إلى منزلها ليطلب الزواج منها، فهي بذلك تشعر بأنوثتها ومكانتها المصانة”.

وأضافت فتحي “خلفية المجتمع الدينية تبدو متواضعة لكون أفراده يعتقدون أن المرأة مُنحت لها من قبل الشرع حقوق في إطار حفظ كرامتها وأنوثتها، وهذه الفعلة تنال منها ومن مكانتها في المجتمع، لذلك أقرّوا بأن الرجل هو من يستوجب عليه تحمل مسؤولية التقدم لخطبة الفتاة، وليس للفتاه الحق في أن تبادر بذلك، ووضعوا هذا الأمر ضمن العادات والتقاليد التي يعتبرونها جزءا أصيلا من الشرع، ولكن ما يقبع في كنف الحقيقة أنه بعيدا تماما عن إقرار ذلك، لأنه بالفعل أعطى الحق للمرأة في التقدم لخطبة الشاب بصورة يشترط فيها الحفاظ على كرامتها ومكانتها في المجتمع، وبالتالي فإنهما سويّا يسعيان للحفاظ على كيان المرأة، ولكن هناك من حرَّم عليها ممارسة حق أصيل لها لعدم اعترافه به، وهناك من أجاز ممارسته ولكن بشروط وضوابط حفاظا عليها.

على المرأة توضيح السبب الذي دفعها إلى إبداء الرغبة في الارتباط بذلك الرجل كأن يكون رجلا صالحا حتى يدرك أن ما دفع المرأة إلى اختياره هو أخلاقه والتزامه وليس الأمر مرتبطا بجرأة زائدة أو انحراف فكري وسلوكي

وبعيدا عن نظرة المجتمع للمرأة في حال إذا ما بادرت بالتقدم لخطبة الشاب، فإن الشباب أنفسهم سينظرون لها نظرة دونية، وسيقابل ذلك بالرفض، ما سيقع على حالة المرأة النفسية بصورة سيئة للغاية، فغالبية الشباب يعتقدون أن هذا حقهم فقط، وما هو غير ذلك فيه إهدار لمكانة المرأة في المجتمع، وبالتالي ستكون النظرة للفتاة إذا ما بادرت بالتقدم لخطبة رجل من الأمور السلبية التي تنال من قيمتها.

وأوضح عبدالفتاح إدريس، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر، أنه على الرغم من قبول الشرع لعرض المرأة لنفسها على من تراه مناسبا لها وذلك وفقا لضوابط شرعية من خلال محرم، إلا أن العادات والمجتمع لم يمنحا لها ذلك الحق بدعوى الحفاظ على كرامتها ومكانتها، لذلك سيجد الشاب في ذلك حرجا له ولها، حيث ينظر لتقدم المرأة له بأنه انتقاص من رجولته وتشبّه له بها، كما أنه سينظر لها نظرة مسيئة وسيعود ذلك على حالة المرأة النفسية بالسلب.

لذلك وضع الشرع عددا من الضوابط التي تحفظ لكل طرف مكانته، خاصة المرأة لكونها جوهرة يجب الحفاظ عليها، ولعل من أبرزها أن تتأكد من صلاح الشاب الذي ترغب في الزواج منه وأنه سيدرك حقيقة الأمر من الناحية الشرعية، كما ينبغي أن تتجنب الاتصال المباشر بالشاب حتى لا يحطّ ذلك من شأنها أمامه، بل عليها أن تحافظ على كيانها كأنثى بأن يكون التواصل عن طريق طرف ثالث موثوق به لكي يحفظ السر ويطرح الأمر بما يحافظ على حياء البنت وأخلاقها وأن يوفق بينهما في إطار الشرع ودون أن يسيء فهم أيّ منهما.

وينبغي على المرأة توضيح السبب الذي دفعها لإبداء الرغبة في الارتباط بذلك الرجل كأن يكون رجلا صالحا حتى يدرك أن ما دفع المرأة لاختياره هو أخلاقه والتزامه وليس الأمر مرتبطا بجرأة زائدة أو انحراف فكري وسلوكي، بأن تقيم علاقة عابرة قد تنتهي في أيّ وقت، الأمر الذي يثبت صدق النوايا، وكذلك لا بد للفتاة أن تعلم والدها برغبتها في الزواج من الشخص الذي تراه مناسبا لها، ويجوز أن يتولّى الوالد مسؤولية الوساطة بينهما كما فعل “صالح مدين” مع سيدنا موسى عليه السلام، وبالتالي فإن عرض المرأة لنفسها من خلال الوليّ هو أفضل الصور لتقدم المرأة للارتباط برجل صالح تراه مناسبا وتريده زوجا.

حق الفتاة في خطبة الرجل يصطدم بالمجتمع

وصرح أحمد الطيب شيخ الأزهر أنه يجوز شرعا للفتاة أن تخطب لنفسها وللأب أن يخطب لابنته حين يشعر أن هناك شابا مناسبا لها.

وتابع الطيب قائلا “هناك مواصفات في الرجل الذي يجعل المرأة تعرض نفسها عليه، وهو أن يكون الرجل صالحا ذا خلق يعرف لها حقوقها ويصونها ويحميها وتسعد معه، ومن هنا يجوز لهذه المرأة أن تكسر قاعدة العادات والتقاليد، لكن لا يجوز أن تعرض نفسها عليه لكونه كثير المال أو خفيف الظل أو وسيما؛ لأن عنوان الباب في صحيح البخاري هو ‘باب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح’ وليس الجميل أو كثير المال أو غير ذلك، وغالبا ما بدأ هذا النوع من العرض يحصل من ناحية التعارف بين الشاب والفتاة إلى أن ينتهي بالزواج، لكن ينبغي أن يتم ذلك في إطار الشريعة الإسلامية”.

وتختلف الآراء في هذا الموضوع بوصف أن المتعارف عليه في المجتمعات العربية أن يتقدم الرجل لخطبة المرأة لا العكس، لذلك فإن أيّ خروج عن المألوف يعد شذوذا يتأرجح بين القبول والرفض.

وترى بعض الشرائح من المجتمع أن طلب الفتاة الزواج من أحد الشبان فيه استنقاص من قيمتها واستصغار لها لأن الأصل أن الرجل هو الذي يقدم على هذه الخطوة وهو الذي يبادر، في حين يرى البعض الآخر أنه ينبغي التخلص من تعقيدات المجتمع وسيطرته ما دام الدين الإسلامي يبيح هذا الأمر.

ووفقا لآراء عدد من الشباب فإن خطبة المرأة للرجل يراها بعضهم من زاوية إيجابية، إذ يقول أحدهم إنه إن وجد نفسه في هذا الوضع فسيكنّ لهذه المرأة تقديرا كبيرا لأنها اختارته دون غيره، كما أن منهم من يعتبر أن الأمر ليس عيبا في أن تختار الفتاة شريك حياتها وتطلبه للزواج، مشددا على ضرورة تحليها بالذكاء عند عرضها للموضوع.

كما يرى أحد الشباب أن عرض المرأة الزواج على الرجل ”أمر عادي جدا”، مشيرا إلى أن عليها أن تكون مستعدة لجوابه سواء كان بالرفض أو القبول لأن هذا هو الوضع الذي يعيشه الشاب عندما يتقدم لخطبة فتاة أعجبته، مضيفا ”عندما كنت طالبا في الجامعة عشت قصة زميلة لي عرضت الزواج على زميل آخر فحدث التوافق بينهما وتزوّجا بعد أن استكملا دراستهما، كما كنت قريبا من قصة زميل آخر عرضت عليه فتاة الزواج ورفض لظروفه الاقتصادية”، وأضاف أنه إن حدث وعرضت عليه فتاة الزواج فسيعتبر الأمر عاديا ولن يرى فيه ”عيبا أو استنقاصا من قيمة هذه المرأة”.

وترفض فتاة جامعية هذا الأمر جملة وتفصيلا وترى أن المرأة عليها ألاّ تطلب من رجل الزواج منها حتى إن كانت تحبّه وترى أنه المناسب لها، لأن المفروض أن يكون الرجل هو المبادر، مضيفة ”إن بادرت أنا إلى طلب الزواج فسأفقد قيمتي وسينظر إليّ هذا الرجل باستصغار، وقد يأتي يوم ويعيّرني هو أو أهله بكوني أنا من طلبته للزواج ورميت نفسه عليه بحسب التعبير الشائع في المجتمع”.

المتعارف عليه في المجتمعات العربية أن يتقدم الرجل لخطبة المرأة لا العكس، لذلك فإن أيّ خروج عن المألوف يعد شذوذا يتأرجح بين القبول والرفض

وأفادت فتاة أخرى أن المجتمع العربي غير مؤهل لتقبل فكرة أن تبادر الفتاة بطلب الزواج حتى إن كان معظم المتدينين بحكم ثقافتهم الشرعية يؤمنون بأن الأمر مباح وليس فيه ما يعيبه شرعا، إلا أن سلطة المجتمع وقوته يحولان دون إقدام الفتاة على هذه الخطوة حتى وإن كانت تريد ذلك، وتحكي لبنى قصة صديقتها التي صارت على كل لسان وعلم بها الجميع، فقد كانت صديقتها أيام الجامعة معجبة بشاب زميل لها ولشدة ميلها له قررت قبل انتهاء أيام الدراسة أن تعرض عليه الزواج وأن تبوح له بمشاعرها تجاهه علّها تجد منه القبول، وأقدمت الشابة على هذه الخطوة وقصة زواج السيدة خديجة من الرسول صلى الله عليه وسلم حاضرة في ذهنها وتأمل أن تتكرّر معها خاصة أنها والشاب الذي تريد الزواج منه متدينان ويعرفان الأحكام الشرعية ولهما ثقافة إسلامية.

وفعلا قامت الفتاة بهذه الخطوة وصارحت الشاب بما في نفسها ووعدها بأنه سيجيبها فيما بعد، وانتظرت منه الجواب بعد ذلك دون جدوى، لتفاجأ بإحدى معارفها تنقل لها على لسان ذلك الشاب طلبه منها أن تبتعد عن طريقه وأنه لا يريد الزواج منها، وتزداد مفاجأتها عندما تعلم أن طلبها الزواج منها شاع وسط محيطهما المشترك في العمل الدعوي والجامعي، فكانت صدمتها كبيرة وانكسرت الصورة الوردية التي رسمتها في ذهنها، فما كان منها إلا أن ابتلعت صدمتها ومفاجأتها من هذا السلوك ومضت في طريقها إلى أن تزوّجت من رجل آخر أكرمها وأحسن معاملتها.

وأوضحت الفتاة أن قصة صديقتها تجعلها لا تبادر لأخذ خطوة مشابهة في هذا الأمر، فهي لا تدري رد فعل الطرف الآخر ولا تضمن طريقة تعامله مع الموضوع. أما أميمة فتشير إلى أن “المعروف والشائع أن الشاب هو الذي يبدي رغبته بالزواج من فتاة ما وهذه جزء من الصورة الاجتماعية للفتاة، هذه الصورة يمكن أن تنكسر إذا كانت الفتاة هي الطالبة، وحتى إذا كانت جميلة وذات خلق فسيتم النظر إليها بدونية وستوصف بكونها فتاة رخيصة ودون قيمة”.

وانتشر فيديو سجلته إحدى القنوات التونسية الخاصة منذ مدة يظهر ردود فعل عدد من الشبان حيال قيام فتيات بمعاكستهم لاختبار مدى قبول المجتمع لتبادل الأدوار. وحمل الفيديو قراءات مختلفة حول المسألة سواء من الشباب الذين مثلت عليهن الفتيات دور المعاكس أو من النشطاء الذين تداولوا مقطع الفيديو، وكانت أغلب هذه القراءات تصبّ في مجرى واحد هو الرفض المجتمعي للمسألة كلها.

وحقق مقطع الفيديو انتشارا كبيرا مما يدل على إمكانية تفشي هذه الظاهرة في المجتمعات العربية التي أصبحت النساء فيها يعانين من نسب عنوسة مرتفعة للغاية، وذلك في ظل تغيّر العلاقات بين الجنسين التي لم تعد كما كانت منذ زمن بعيد في حاجة إلى وسيط، حيث يتبادل الشبان والفتيات أرقام الهواتف فيما يكون التواصل مع بعضهم البعض بشكل مباشر أو غير مباشر عبر الإنترنت.

وصارت الفتيات في العديد من البلدان يعرضن على زميلاتهن في الدراسة تعريفهن على أشقائهن الذكور قصد إقامة علاقات تفضي للزواج أو التودد لبعض الأقارب أو الجيران للفوز بابنهم ونيل استحسانه، وقد تختلف طرق خطبة المرأة لنفسها لكنها تصب في مجرى واحد هو الحصول على زوج في ظل تراجع نسب المقبلين على الزواج وعزوف الشباب عن تحمّل مسؤولية تكوين أسرة بدعوى أنه لم يعد هناك بنات حلال وغير ذلك من الأعذار التي فرضها العصر.

20