المرأة العربية تخترق الحواجز الرجعية وتتمرد على الذكورية المتسلطة

الاثنين 2014/03/10
تتحرر المرأة عندما تقرر تكسير الصمت وجدار الخوف في نفسها

رغم ما حققته المرأة العربية، وما وصلت إليه من مكانة في مجتمعاتنا بفضل إنجازاتها، إلا أن الطريق أمامها ما يزال طويلا وشائكا، في ظل محاولات دعاة التطرف والظلامية، وتجار الدين الإنقاص من قيمتها، وعلى هذا الأساس، التقت “العرب” مجموعة من نخبة الكوادر النسائية العربية للحوار في العديد من القضايا المتنوعة التي لا تزال تطرح باستمرار ويشتد فيها الخلاف.

لم تعد أصوات النساء مجرد “عورات” كما تعتقد الغالبية الساحقة التي تحمل هذا الفكر المتخلف، والتي ترفض رؤية تلك الأصوات كما هي: أصوات هادئة باحثة مدققة في مجمل مجالات الحياة ، نساء تستنطق المكبوتات والتابوهات وتتحدى العقل الذكوري المستعلي على الحياة والواقع.


العودة إلى العقل النقدي


منذ عصر النهضة بدأ فكر الأنوار يتفوق شيئا فشيئا على ظلامية الكنيسة الكاثوليكية فلماذا بقي متعثرا في أرض الإسلام؟ هل هناك “خصوصية إسلامية”؟ هكذا توجهت "العرب" بسؤالها إلى فوزية الشرفي الفيزيائية والأستاذة في جامعة تونس فأجابت قائلة: ” تحقق بناء العلم الحديث لبنة لبنة في أوروبا الغربية ابتداء من القرن السادس عشر، فقد كان على العلم أن يتحرر من الدوغما وقد كان ذلك التحرر مؤلما.

وأضافت "لقد عبّرت عقول حرة عن آرائها، مثل جيوردانو برونو الذي تجرأ على الحديث عن لا نهائية العوالم والذي كان يحض على النظر إلى الطبيعة بـ”عيون مفتوحة” قبل أن يتم حرقه حيا في روما عام 1600. كما أدانت محكمة دينية غاليليو عام 1633، حيث تجرأ أبو العلم الحديث على توجيه منظاره الفلكي إلى السماء، وهذا قاده إلى تمثّل نظرة أخرى للسماء مغايرة لتلك النظرة التي كانت سائدة ومقبولة من الكنيسة المسيحية، جبال على سطح القمر وأقمار تابعة حول كوكب المشتري ومساحة شمسية تظهر عليها بقع".

وأوضحت "إذاً أمامنا عالم فيه عيوب، نجوم تتدافع حول نجوم أخرى، إنه عالم في تناقض مع عالم الكمال النموذجي الأرسطوطاليسي الذي تدافع عنه الكنيسة. فقد فتح غاليليو الطريق للمنهج العلمي بتحقيقه تجارب بهدف “النظر”، وفهم الكون باستعمال لغة الرياضيات من أجل تدوين كتاب الكون. و تابع علماء آخرون هذا النهج، مثل كيبلر ونيوتن، وشيئا فشيئا ابتعد العلم وانفصل عن الدين. قرن بعد ذلك، أي قرن الثورة الفرنسية، لم تعد فرضية الله ضرورية لاستقرار النظم الفضائية".

و تواصل الشرفي “من المهم أن تبقى تلك العلاقة الصعبة بين العلم والدين حاضرة في الأذهان، وهي لا تتعلق بدين معين كما تبيّنه محاكمة غاليليو بوضوح، بل هي مسألة متعلقة باستقلالية الفكر، إذ النظريات العلمية هي على النقيض من الدوغمائيات الدينية لأنها دائما “حقائق” متعاقبة تتطور مع احتمال حدوث ثورة، كما كانت الحال مع كوبرنيك في القرن السادس عشر، أو الثورة الكوانتية في بداية القرن العشرين”.

وعن الوضع في عالمنا العربي توضح الشرفي: “بما أن الثورات الكبرى قامت خارج العالم الإسلامي، ينبغي لنا اليوم أن نعي أن التطور العلمي لا يتحقق دون حرية الفكر. للحاق بقطار العلم، ينبغي وجود عقول متحررة من كل قيود ومن كل إكراه”.

فوزية الشرفي

*باحثة فيزيائية وأستاذة في جامعة تونس

*تولت منصب كاتبة دولة في وزارة التعليم العالي 2011


حتمية المساواة


لمعرفة مستوى الإضافة التي يمكن أن تقدمها الباحثات والمفكرات في ميدان إنتاج المعرفة الدينية الإسلامية، تحدثت “العرب” مع الباحثة التونسية آمال قرامي التي وضحت بقولها: “هذا الإنتاج فيه الغث والسمين، مع ذلك فإنّه يخلق ديناميكية ويزحزح المواقع التي كانت حكرا على الرجال، إذ لا يخفى أنّ قلعة العلوم الشرعية ظلّت طوال قرون محصّنة، حتى “العالمات” فإنّ الذاكرة التاريخية خلّفت لنا أسماء وغيّبت الآراء والإنتاج.

وأشارت "من ثمّ فإنّ ظهور فئة من النساء اللواتي اخترقن أسوار المعرفة الدينية من شأنه أن يقضي على ضرب الوصاية المعرفية على النساء من جهة، وطرح أسئلة جديدة من منظور مختلف من جهة أخرى".

وعن كيفية اشتغال خطاب “الإخوانجية ” في المرأة والأهداف التي يبتغي الوصول إليها، تقول: “الخطاب الإخواني خطاب ترويضي يحاول صهر جميع الأصوات في بوتقة واحدة بهدف تنميطها والتحكّم فيها، لذلك نراه يقاوم بكلّ ما أوتي من قوّة، كلّ امرأة خرجت عن السرب، فضلا عن سمة أخرى تلازم هذا الخطاب وهي محاولة تذويب كينونة المرأة في مؤسسة الأسرة، فالمرأة عند أصحاب هذا الخطاب تعرَّف من خلال منزلتها ووظائفها، فهي زوجة وأمّ وأخت وبنت ولا مكان للفئات الأخرى كالأرملة أو المطلّقة أو “العانس" داخل هذا التصوّر لأنّها نماذج تخلخل البنيان وتربكه. وأوضحت "من هنا يمكن القول إنّه خطاب اختزاليّ لا يقبل استقلالية الفرد ولا يعترف بفردانيته وإنّما يهيمن عليه تحت غطاء الدين. لا عجب أن وُظفت المرأة للتحذير من عاقبة المصير، أو اتُخذت برهانا على قرب نهاية العالم، أو استُعملت لخدمة تيار الإسلام السياسي، أو وُظفت في إطار حرب الهويات أو الصراعات".

وتابعت "أمّا المقاصد التي يروم الخطاب الديني تحقيقها من وراء التركيز على قضية المرأة فمتعددة، منها صون الامتيازات الذكورية وترسيخ أركان النظام البطريركي، فضلا عن ضمان استمرار الطاعة والخضوع. فالأمّ مسؤولة عن النسل والنسب وإمرار الرأسمال الثقافي وتنمية الأخلاق، إلى غير ذلك من الوظائف الموكولة إليها خدمة للجماعة. فترويضها عبر الترهيب والترغيب هو الضمان الذي يكفل، حسب أنصار هذا الخطاب، تحقيق أهداف الأمة. لعلنا لا نبالغ إن اعتبرنا أنّ هذا الخطاب مخاتل ومراوغ، قائم على التلاعب بالعقول والقلوب لإرساء النظام المنشود”.

جميلة بن حبيب

*كاتبة وصحفية وناشطة حقوقية جزائرية

*تعيش في كندا منذ 1997


نحن لا نعتبر مواطنات


تعتقد جميلة بن حبيب الكاتبة والصحفية والناشطة الحقوقية الجزائرية أنه لا خلاص للنساء في البلدان العربية سوى باعتماد النظام العلماني. وباستفسارها عن موقفها هذا، في زمن قل فيه من يجرؤ حتى على التلفظ بكلمة العلمانية في البلدان ذات الأغلبية المسلمة، أجابت: “على الأحزاب السياسية استعادة شعار ثورة 1919 المصرية تحت قيادة حزب الوفد وزعيمه سعد زغلول: “الدين لله والوطن للجميع".

وقالت "ولا تشكل الجزائريات استثناء، فقانون الأسرة المتبنى سنة 1984، ورغم بعض الترقيعات الشكلية التي مسته في السنوات الأخيرة، فما زال يذكرنا بواقعنا المفزع، فنحن لا نعتبر مواطنات بمعنى الكلمة، ففي داخل الأسرة ومن وراء الأبواب المغلقة، كثيرا ما نعاني في صمت أسوأ الإهانات والإذلال وكل ضروب القسوة المسلطة علينا من طرف الزوج وكل عائلته”.

وتسترسل بن حبيب في حديثها : “نالت الثقافة الإسلامية حصة الأسد من الاهتمام في كل الدول الإسلامية، وكان من الطبيعي أن يعطل هذا التوجه بزوغ نظام تربوي عقلاني يرسخ للمساواة وينفتح على الكوني. وقد تسلل الخطاب السياسي-الديني كالأكال إلى كثير من العقول حتى بات نظام تبرير شرعي بامتياز للاضطهاد الممارس على النساء.

وبعبارة أخرى، فما لم يستطع الإسلاميون فرضه بالقوة في الجزائر مثلا، نجحت السلطة في تحقيقه بطريقة ماكرة، بفضل سياق دولي تميز بصعود الإسلام السياسي وتحويله إلى أمر عادي من طرف الغرب.

الخطاب الإخواني خطاب ترويضي يحاول صهر جميع الأصوات في بوتقة واحدة بهدف تنميطها والتحكم فيها


حيرة مسلمة


انتقلت “العرب” للحديث مع الكاتبة التونسية ألفة يوسف والتي تميزت أفكارها وآراؤها بالجرأة والجدة، فمنذ أطروحتها الجامعية “تعدد المعنى في القرآن”، راحت تستنطق الموروث الديني تحليلا، وتقدم أعمالا مهمة كـ”الأخبار عن المرأة في الكتاب والسنة” و”الله أعلم” و”ناقصات عقل ودين” وصولا إلى كتابها “حيرة مسلمة”، الذي أثار جدلا واسعا في تونس والعالم العربي.

وحول مجال بحثها تقول يوسف: “ألّفت كتابا أوّل يحمل عنوان “الإخبار عن المرأة في القرآن والسّنّة”، قارنت فيه وضع المرأة في الجاهليّة بوضعها في الإسلام، لبيان سياقيّة الإسلام من جهة، وأنّه أنجز ثورة في عصره من جهة أخرى. ثمّ أنجزت شهادة دكتوراه دولة عنوانها “تعدّد المعنى في القرآن”، وكان المنهج الذي اعتمدته آنذاك لسانيا في الأساس، أي إنّ الأطروحة كانت تحاول أن تجيب عن السؤال الآتي: ما هي الخصائص اللغوية التي تجعل النص القرآني قابلا لقراءات مختلفة ومتعدّدة؟ وقد استندت إلى كتب التفاسير والفقه والأصول وسواها، على أساس اعتبارها جميعها من قراءات القرآن الممكنة. ثم انفتح لي مجال عميق للبحث في قراءات القرآن باعتماد مناهج مختلفة. فاعتمدت التحليل النفسي في كتاب “ناقصات عقل ودين”، وفي كتاب بالفرنسية يحمل عنوان “القرآن على محك التحليل النفسي”، وأخذت بالقراءة الروحانية الصوفية في كتاب “شوق”، وأنشأت سلسلة كتب تحت عنوان “والله أعلم”، تقوم على حوارات بين قراءة منغلقة للقرآن وأخرى مجتهدة، وذلك في مواضيع مختلفة مثل الحجاب وتعدد الزوجات والإعدام والسرقة وزواج المسلمة بالكتابي.

وأكدت "غير أنّ أكثر كتبي انتشارا كان كتاب “حيرة مسلمة”، وهو كتاب حاولت فيه أن أبيّن من خلال أمثلة مخصوصة الفرق بين الإمكانات التفسيرية المتعدّدة التي يحملها القرآن من جهة، وحصر تلك الإمكانات من قبل المفسّرين الذين يضفون على قراءاتهم قداسة في حين أنّها قراءات بشريّة نسبيّة".

6