المرأة العربية فاعلة بشرط تغيير العقلية

العقلية الجمعية والاجتماعية هي التي يجب أن تتغير ونتجاوز التمثيل الصوري فكلما جعلنا المرأة العربية تثق في قدراتها كلما كانت فاعلة.
الأحد 2018/03/11
النساء المبدعات غيرن الرؤية الذكورية للمرأة

وضع المرأة العربية، في كافة الفضاءات التي تؤمها وتمارس فيها نشاطاتها اليومية ابتداء من الأسرة إلى المدرسة ومراكز العمل والترفيه والشارع، يكتنفه الكثير من الغموض وعدم الوضوح، لأن الفروق شاسعة بين التشريعات القانونية والدستورية وحتى التي تخضع لنواميس الأعراف الاجتماعية، وبين مجالات التطبيق الفعلي لهذه التشريعات.

فمن تأثيرات العولمة، التي فرضت الانخراط القسري في النظام العالمي في شتى مجالاته الثقافية والاقتصادية وغيرها، واتخذت شعارات رنانة في مجالات حقوق الإنسان، أنها أجبرت المجتمعات العربية -على اختلاف درجة قربها أو بعدها من مظاهر العولمة وعلى اختلاف درجة محافظتها- على الانخراط في العولمة من باب الحاجة، فالتعامل المالي الذي تديره مؤسسات المال العالمية كالبنك الدولي وغيره من مراكز التمويل والإقراض الدولية، يفرض على العرب أن يلتزموا بالحدّ الأدنى من احترام حقوق الإنسان، ولعل وضعية المرأة هي من بين المحدّدات الرئيسية لهذا الالتزام.

تطورت النظرة الأسرية الضيقة للمرأة وأصبحت تسمح لها بممارسة أنشطة خارج مفهوم “الحريم”، ذلك المصطلح الذي اصطبغ بالمكان المغلق الذي لا يسمح للمرأة بتجاوز حدوده، فهو المكان المسيّج بالأعراف والعادات والتقاليد التي ترسخت في أذهان النساء وأصبحن مكبلات دون القدرة على التحرر من تلك القيود المفروضة.

سعت المجتمعات العربية -بفعل الضرورة لا بفعل القناعة وتغير العقلية- إلى محاولة مواكبة ركب الحضارة الكونية، وكان لزاما على هذه المجتمعات أن تنصهر في مجالات العولمة الحديثة، فحاولت فكّ الحصار المفروض على حياة المرأة بنسب تختلف من مجتمع إلى آخر ومن شعب إلى آخر ومن محيط إلى آخر.

كانت المبادرة الأولى تتعلق بمجالات العمل التي دفع فيها الرجل سواء كان أبا أو أخا أو زوجا إلى تركها تعمل للمساهمة في تخفيف العبء المادي الذي تضخم وأصبح الرجل غير قادر على تحمله بمفرده، فتنازل مكرها على “القوامة”، ولكنه لم يقتنع نهائيا بتشاركية المرأة وقدرتها على الفعل الإيجابي والمثمر في مجال عملها. فما يهمّ هذه المجتمعات لتسكت المنظمات الدولية الداعمة لتحرر المرأة، نسب النساء العاملات.

المجال الثاني الذي سمح للمرأة بولوجه هو المجال السياسي، فوقع إشراك المرأة في المجالس المحلية والنيابية بل تبوّأت مناصب تنفيذية وتشريعية مهمة فأصبحت قاضية ومحامية ومديرة مؤسسة وممثلة في البرلمانات والأحزاب والجمعيات المدنية وغير ذلك من المهام. ولكن هذا التمثيل جاء قسريا أيضا لأن هذه المجتمعات تريد أن تداري مظاهر استبدادها وتسلطها، كما تريد أن تظهر في المحافل الدولية وهي ترتدي جبة الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية المرأة، وهو السبيل الوحيد لإمكانية الاندماج الفاعل في المنظومة العالمية.

إذن هل يمكن اعتبار أن ما تمتعت به المرأة في المجتمعات العربية ليس إلا مظاهر خادعة ولا تمتّ إلى تغير العقلية العربية في شيء؟

لا شك أن النخب المثقفة هي وحدها من اقتنعت بجدوى تشريك المرأة في الحياة العامة؛ الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والحضارية عموما. وقد كان للنساء المبدعات في المجالات الحياتية والفنية والأدبية والعلمية دور فاعل في تغيير الرؤية الذكورية للمرأة بما جعل مفهوم “الحريم” يتجاوز حدوده الضيقة والتي وقع رسمها عبر التراكم الزمني. فقد استطاعت المرأة تجاوز الدور الشكلي الذي أرادته المجتمعات لها عبر تشريكها في مختلف المجالات السياسية والتمثيلية خاصة، فقد جعلتها “زينة”، ترشّق المجالس على اختلافها، ولكن بدأبها ومثابرتها استطاعت أن تثبت ذاتها عبر عملها وتفانيها في الخدمة.

وشّحت المرأة كذلك الدساتير بفرض نسب لتواجدها في شتى المجالات، وكأننا بهذه الدساتير مجعولة للتسويق الخارجي ولتبييض الصورة وجعلها قريبة للمقاييس والمعايير الدولية للديمقراطية وحقوق الإنسان.

المشاركة الفاعلة للمرأة يجب أن تمرّ حتما عبر البناء الأسري لأن هذا الفضاء هو القادر وحده على إعادة رسكلة الأفكار والتوجهات. العائلة وحدها قادرة على جعل المرأة تشعر بذاتها كإنسانة قادرة على الفعل المثمر والمجدي، كما أن العائلة وحدها أيضا القادرة على جعل الرجل يحترم المرأة وتتغيّر النظرة الدونية لشريكة حياته ورفيقة دربه.

المسألة في جوهرها تتجاوز مجرد المسايرة لنظام عالمي فرض علينا وكان لزاما أن نبحث خلاله عن مكان يأوينا لنشعر بالدفء وننفض عنا وطأة الانعزال. فالمطلوب ليس إرضاء هذا النظام المعولم، بل إعطاء المرأة ما تستحق اجتماعيا وتربويا وثقافيا واقتصاديا. المطلوب أيضا ردّ إنسانية المرأة دون منّ أو تعال أو جبر.

العقلية الجمعية والاجتماعية هي التي يجب أن تتغير ونتجاوز التمثيل الصوري فكلما جعلنا المرأة العربية تثق في قدراتها كلما كانت فاعلة. لا بدّ من تجاوز النظرة الجنسية الضيقة للمرأة، فحتى السينما كرست الشخصيات النسوية كديكور جمالي بحت.

21