المرأة العربية ليست "روبوتا" مبرمجا لخدمة الصائمين في رمضان

تسليط الضوء على ظهور المرأة العربية لا سيما العاملة بأخلاقيات متدنية مع ارتفاع معدل إثارتها للمشاحنات وتبادل العنف اللفظي والمادي خلال شهر رمضان، كشف ما وراء كواليس هذه التبعات والسلوكيات من ضغوط نفسية وجسدية تتجلى في ضبط المجتمعات الذكورية للنساء كروبوت قابل للإيفاء بجميع المهام الخارجية والداخلية في آن دون تذمر أو تعب.
الأحد 2017/06/18
ارتفاع سقف المسؤوليات

ألصقت على مدى العصور الطباع الحادة خلال شهر رمضان بالرجال، بينما سلطت الأضواء على دور النساء في التفنن داخل المطابخ، على أساس أن سلوكيات بعض الرجال تصبح حادة بسبب صيامهم عن التدخين.

واقتصرت تسمية “مرمضن” أو “محشّش” -وينعت بها كل من أثّر فيه الصوم سلبا- على الرجل دون المرأة، لكن بعض النساء ظهرت عليهن تأثيرات الصيام والضغوط اليومية من خلال جملة من السلوكيات السلبية التي تجلت قولا وفعلا في تعاملاتهن مع الآخرين طيلة شهر رمضان.

وتطل “حشيشة رمضان” وهي مرادف لمعاني الغضب وعدم القدرة على تمالك النفس والتحكم في الأعصاب أثناء شهر رمضان، ممّا يجعل البعض سريع الانفعال مهيئا للدخول في مشاحنات لأتفه الأسباب كجزء من موروث اجتماعي مبني على اجتهادات وتفسيرات مغلوطة وغير واعية بهذه القيم السامية لشهر الصيام، لتكون بديهات لدى البعض لتبرير انسلاخهم عن أخلاقيات الشهر الكريم.

وغالبا ما تعود ظاهرة تقلّب المزاج في هذا الشهر وارتفاع نسب سيناريوهات المشاكل والمشاحنات بين أغلب الأشخاص إلى العادات اليومية التي تمارس في روتين الحياة اليومية، كتناول المنبّهات ومنها القهوة والشاي والنسكافيه والتدخين، وعدم تنظيم الأكل والاعتياد على تناول السكريات وبالأخص في الفترة الصباحية.

كل هذه العادات عند انقطاعها بعد التعوّد عليها تؤدي إلى تدنّ في المزاج، وتنعكس سلبيا على الإنسان، فيبدأ الفرد بالشّعور بالقلق والعصبية وسرعة الاستثارة وبألم في الرأس والكسل والخمول وعدم القدرة على التّركيز وضعف الذاكرة والملل والعطش، كما أن تغير ساعات النوم وقلة شرب الماء يؤثران على مزاج الصائم. هذه الأسباب هي ما يلخص بها الأطباء من أهل الاختصاص الحالة العصبية التي يمر بها بعض الصائمين على أن تصرفاتهم المزاجية نتيجة تغيرات كبيرة في كيمياء الجسم خلال فترة الصيام، إلا أن المرأة العربية كشفت عن أسباب أخرى لا صلة لها بتعثر الساعة البيولوجية للجسم ولا لتخليه عن جملة من عاداته، بل بررت عصبيتها الزائدة بما تعانيه من ضغوط مختلفة خصوصا إذا كانت عاملة.

وتعتبر المرأة العربية وخصوصا العاملة أن عدوانيتها خلال شهر الصيام تفريغ لشحنات نفسية سلبية، لأنها مطالبة بصرف جلّ يومها في المطبخ بدءا من الإجهاد الفكري المتّصل بحسم الحيرة حول طبق الأسرة، مرورا بالتحضير له، وتلبية كل شهوات أفراد العائلة كل على حدة، مما يستهلك كل قواها.

آية خانجي : الأعباء التي زادت من مسؤوليات الكثير من النساء جعلتهن يخزن بداخلهن مشاعر غضب، تنعكس سلبا على سلوكهن

ووفقا لما نشرته صحيفة ديلي ميل البريطانية فإن دراسة حديثة أظهرت أن المرأة تُعاني من المزاج السيء بواقع عشرة أيام في العام، وتتفاقم حدة هذا المزاج في شهر رمضان.

وأوضحت الدراسة أن 22 بالمئة من النساء يمارسن الرياضة، لتجنب هذه المشكلة، والبعض الآخر منهن يلجأ لتناول الشيكولاتة، باعتبارها وسيلة معروفة لتغيير المزاج نحو الأفضل.

وهم المثالية

وترى آية خانجي خبيرة التنمية الذاتية ومديرة الأكاديمية الدولية للتدريب والكوتشينغ بلندن أن التحضيرات التي تسبق رمضان من كل سنة لإعداد مائدة رمضانية غير خالية مما لذّ وطاب تستوجب جهدا مضاعفا من قبل المرأة.

وأوضحت أن لائحة الأطعمة والحلويات تكون على رأس قائمة الاستعدادات لاستقبال شهر رمضان وهذا ما يجعل العبء ثقيلا على المرأة، ولا سيما مع محاولتها ضرورة الالتزام بالعادات الرمضانية من اجتماع للأهل والأصحاب على مائدة الفطور أو السهرات والتي تمتد في كثير من الأحيان إلى وقت السحور.

وقالت خانجي لـ“العرب” إن “كلّ هذا جميل ومقبول غير أنه أصبح هاجسا وسيطر على عقول النساء من خلال التباهي والمبالغة في إعداد الموائد بالإضافة إلى الكلف الباهظة التي باتت ترهق العائلة بأكملها وأصبحت تنعكس سلبا على نفسية المرأة لأنها مع الالتزامات اليومية وخاصة للمرأة العاملة التي تستيقظ باكرا بعد سهرة طويلة وتقضي معظم يومها في العمل، ومع متطلبات العائلة والأولاد من متابعة لواجباتهم وأمورهم الحياتية إلى المبارزة مع المتنافسات في الموائد العامرة وكأن هذا الشهر الفضيل تحول من شهر الصوم إلى شهر الأكل وفقد بذلك قيمته الروحية والصحية”.

وأضافت “انتقل التنافس أيضا إلى الأزياء الرمضانية التي أصبحت جزءا من الطقوس التي لا بدّ منها. لذلك يظهر الكثير من النساء في حالة نفسية متوترة وتتحجج هؤلاء النسوة بالصيام وتأثيره عليهن وبسبب الصداع من عدم تناول قهوة الصباح التي ينتهي تأثير عدم تناولها بعد بضعة أيام، لكن الأعباء التي زادت من مسؤولياتهن جعلتهن يخزن بداخلهن مشاعر غضب وضغطا متزايدا وهو ما سينهكهن ويتعبهن وذلك سينعكس سلبا على سلوكهن، والأسوأ هو عدم استمتاع المٍرأة بما تقوم به أو حتى أداء الفرائض بهدوء وسلام، ويدخل عامل التباهي بالصور على مواقع التواصل الاجتماعي ليصبح أيضا عاملا من عوامل توترها إن لم تكن بالمستوى المطلوب أو المتوقع”.

وتابعت “وما يغذي هذه النفسية السيئة لدى بعض النساء هو تمسك بعض الرجال بموروث السلف الثقافي العربي الذي يقضي بعدم مساعدة الرجل للمرأة”، مشيرة إلى أن “أغلب الرجال يسارع عند عودته من العمل للنوم وأخذ قسط من الراحة وتمضية ما تبقى من يوم الصيام وهو ينعم بالهدوء تحضيرا منه لسهرة رمضانية ليلية تمتد أحيانا إلى خيوط الفجر الأولى، في حين تحاول المرأة جاهدة الإيفاء بكل واجباتها والتزاماتها ضائعة بين وهم المثالية التي أثقلت بها نفسها سواء في موائد الطعام أو اللباس”.

وأكدت خانجي على ضرورة أن “يحقق هذا الشهر غايته وأن يكون شهر راحة صحية للجسم وروحية من العبادات وتكون سمته البساطة في طقوسه من أكل وسهر وسمر مع الأهل والأحباب”.

يشتكي الكثير من النساء من عدم مشاركة الزوج لهن أعباء التحضير للإفطار والحال أن الرجل والمرأة يمران بنفس الضغوط خارج المنزل طيلة اليوم، وفي الوقت الذي تقسم المرأة يومها بين العمل والتسوق والطبخ واستقبال الضيوف ليلا، يفضل الرجل النوم بعد عودته من العمل والسهر ليلا غير مكترث بمساعدة المرأة بل وأحيانا يصبّ جامّ غضبه عليها متعللا بوجود عيب بالطعام، وذلك عائد إلى فكرة مغلوطة يربى على أساسها الذكر في المجتمعات العربية على أنه السيد وأوامره مطاعة. وكل هذا يؤجج الخلافات الزوجية.

يشتكي الكثير من النساء من عدم مشاركة الزوج لهن أعباء التحضير للإفطار والحال أن الرجل والمرأة يمران بنفس الضغوط خارج المنزل طيلة اليوم

ويشير المختصون إلى ارتفاع نسبي في الخصومات والمشاجرات بين الأزواج في رمضان، وعادة ما يعول الرجال على عبارة «حشيشة» رمضان لتبرير سلوكياتهم.

وحسب المختصين في علمي النفس والاجتماع فإن ظاهرة العنف الزوجي المتبادل بين الزوجين في رمضان تجد أرضية تمهّد لارتفاعها مع ارتفاع نسق المصروف الأسري وحاجيات الأبناء والعائلة وكذلك أمام التراجع في المقدرة الشرائية، إلى جانب ارتفاع منسوب الضغوط التي تمارس على المرأة للحصول على مائدة رمضانية تستوعب كل مزاجيات الأزواج الغذائية.

المشاركة

وقالت ريهام محمود، مهندسة معمارية، إنها تختلف كثيرا في حياتها الزوجية عن كثير من صديقاتها اللاتي يشعرن بالقهر تجاه أزواجهن، نظرا لأن شريك حياتها يعتبر “رجل مطبخ” من طراز فريد، فهو يساعدها في تحضير الطعام ويعشق الدخول إلى المطبخ.

وأكدت لـ”العرب” أن زوجها مع دخول شهر رمضان يكون مزاجه نحو الطهي عاليا جدا، ويظل يبحث في مواقع الإنترنت عن وصفات طعام جديدة، وكيفية إعداد الأكلات الشهية المشهورة في مصر، مثل الحمام المحشو والفطائر باللحم المفروم وبعض السلطات.

وأضافت محمود أن زوجها يدخل معها المطبخ دائما ويساعدها في طهي الطعام وتحضير الوجبة الرمضانية للأسرة، وهو ما يمنحها إحساسا بالسعادة والرضا والألفة.

أما مشيرة إبراهيم، موظفة، فترى على خلاف ذلك أنه مع دخول رمضان تزداد المشاكل وتُعلن حالة الطوارئ بالمطبخ، وزوجها تزداد طلباته في هذا الشهر، ويشترط يوميا أن تحتوي سُفرة (مائدة) رمضان على الكثير من الأكل الشهي.

وأوضحت لـ”العرب” أنها موظفة ومع ذلك فإن زوجها يظل يطلب ولا يساعدها في أيّ شيء بالمنزل، وعندما تكون في إجازة من العمل يرتفع سقف مطالبه على المائدة أكثر، ويصبح الشيء الأهم بالنسبة إليه أن يكون كل شيء بالنسبة إلى الطعام على ما يرام.

وأكدت إبراهيم أن العبء عليها هائل خارج المنزل وداخله، ولم تضبط زوجها يدخل إلى المطبخ لا في رمضان ولا في أيّ وقت آخر، لأنه على يقين أن كل ما سيفعله سينتهي في صندوق القمامة، فهو فاشل في الطهي فشلا ذريعا، ما يمثل مشكلة بالنسبةإليها.

تعلق شديد بالمطبخ

ولفت أحمد عبدالله خبير الطب النفسي في كلية الطب جامعة الزقازيق (شمال القاهرة) إلى أن مساعدة الرجل لزوجته وبيته واجب، سواء في رمضان أو في غير رمضان وأن الأعمال المنزلية تكون متعة ومشاركة للزوجة في نفس الوقت.

وقال لـ”العرب” إننا يجب أن نضع الرسول صلى الله عليه وسلم كقدوة لنا في معاملته لزوجاته، وكيف كان يشعرهن بكيانهن ويقدر تضحياتهن، ورأى أن مشاركة الزوج للزوجة تزرع الثقة وتزيد أواصر المحبة بينهما.

وأضاف عبدالله أن الزوجة ترى الزوج -وهو واقف بجانبها داخل المطبخ- بصورة مختلفة تجعله أكثر تميزا وشاعرية في عينيها، وهذا نابع من كون المرأة أكثر حساسية من الرجل، أي أنّها تستطيع قراءة الرسائل التي يحاول الرجل إيصالها لها حتى وإن كانت خفية.

وتابع بالتالي فهي تدرك جيدا أن قرار الرجل دخول المطبخ لا يريد منه إلا إسعادها وتجديد لغة العاطفة بينهما، كما أن الابتسامة التي تحتل وجهه أثناء وجوده معها دليل على رغبته في مجاورتها، الأمر الذي يعزز من شعورها بالانجذاب نحوه والرغبة في الوجود معه طيلة الوقت.

وأفادت ريم قلعي (22 عاما) متخرجة حديثا من المعهد العالي لإطارات الطفولة بتونس، أنها لظروف طارئة تتمثل في وفاة جدها اضطرت والدتها لتغيب عن المنزل لحضور مراسم دفن والدها المقيم في محافظة تبعد عدة أميال عن العاصمة التونسية، مؤكدة أنها وجدت نفسها مقسّمة بين الاهتمام بترتيب المنزل وبين العمل مكان والدتها في محلّ لبيع المواد الغذائية وبين التسوّق وتوفير كل ما يحتاجه مطبخها، بالإضافة إلى محاولتها إرضاء رغبات والدها وشقيقها التي بدت مستعصية مقارنة ببقية المهام الأخرى.

وأوضحت أنها اكتشفت أن عصبية والدتها لم تكن من فراغ وأنها تبدو صبورة جدا بالنظر إلى ما تتحمّله من أعباء مع تبعات الصيام من نقص للماء والراحة مع الحر الذي لا يطاق لذ تعد والدتها مكافحة.

وأكدت أن كل شيء يتوقف عند غياب الأم عن المنزل، وأنها باتت تجد لمزاجها السيء الذي زاد عن المعتاد منذ دخول شهر رمضان مبررا بل وشددت على أنها أيضا وجدت نفسها تمر بضغوط نفسية رهيبة انعكست على معاملاتها مع بعض الزبائن الذين ترى أن مزاجيتهم تساهم في تعكير الحالة النفسية والجسدية لوالدتها ولها الآن ومع ذلك تكون مطالبة بتحقيق شهوات رجال المنزل.

وأضافت أنها وجدت العون من جانب والدها لا سيما في المطبخ، متابعة أنه هو من قام بطبخ طبق الكسكسي ليلة النصف من الشهر الفضيل.

كما رصدت إحصائيات لآراء مستطلعة في شوارع بعض الدول العربية تزايد الطلب على الأطباق الجاهزة في النصف الأخير من رمضان من قبل النساء العاملات، خاصة بسبب الضغط الكبير الذي تعشنه جراء العمل وزيادة الأعباء المنزلية من شراء لملابس العيد والتفكير في إعداد حلوى العيد.

كاتبة من تونس

شارك في إعداد التقرير:

محمد محمود من مصر

20