المرأة المصرية: فاعلة في الثورة خاسرة في الحقوق

الأحد 2015/11/29
الاسلاميون يوظفون خطبهم المتشددة للحدّ من مكتسبات المرأة المصرية

القاهرة - تقدم المرأة المصرية في الحصول على المزيد من الحقوق أو تراجعها ارتبط بالتغيرات في الوعي المجتمعي المتأثر بالأجواء السائدة سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو ثقافية. وشهدت المرأة المصرية تطورات عديدة في مجال كسب الحقوق لم تكن جلّها نحو الأفضل وتحقيق نصيب هام من المكاسب التي تخوّل لها لعب دورها كعنصر فاعل في مجتمعها.

ومنذ بداية الخمسينات حصلت المصريات على نصيب وافر من الحقوق التي انعكست على حضورها ومشاركتها في الفضاء العام مقارنة بالسنوات الأخيرة ما بعد ثورة 25 يناير 2011، ففي تلك السنوات تمتّعت المرأة بنسبة عالية من الحريّات أتاحها لها المجتمع المصري الذي تحرّر من عديد القيود الاجتماعية المحافظة، وآمن بأن المرأة جزء لا يتجزأ من المجتمع يجدر تمتيعه بحقوقه كما بقية فئات المجتمع في التعليم والعمل والتقدم في السلم الوظيفي، كما انخرطت في شتى المجالات الاقتصادية وعملت في القطاعين العام والخاص.

لكن حضورها السياسي لم يكن متكافئا مع حضورها في بقية المجالات، ولعل ذلك يرجع إلى طبيعة المجتمع المصري التي ترى أن السياسة مجال يصعب على المرأة العمل فيه لما يتطلّبه من قوة في الشخصية ومستوى تعليمي وكفاءة عالية فكان تواجدها في المجال السياسي محتشما مقارنة ببقية القطاعات خاصة منها المجال الفني والثقافي.

وبالطبع كان هذا التحرر وليد ازدهار التعليم وتغيّر طرق وأساليب وأنماط التفكير في الأسر المصرية التي انفتحت على الثقافات الغربية وتأثرت بأنماط عيشها. ولكن هذا التحرر وهذه المكاسب لم تدم طويلا بعد ظهور التيارات الإسلامية المحافظة في مصر التي بدأت تُسربُ أيديولوجياتها تدريجيا إلى المجتمع وتتخذ فيه مكانتها وبدأت الأحكام القيمية والأخلاقية تتصاعد معها شيئا فشيئا لتنقضّ أوّلا على المرأة المصرية بدءا بانتقاد النجمات المصريات في الفن ومظهرهن غير اللائق، وصولا إلى هيئة النساء في الشارع ولباسهن المتحرر، وهو ما وصفوه بالانحلال الأخلاقي وباهتزاز القيم والأخلاق لدى العائلات المصرية.

وبعد سنوات من نشاط الإسلاميين وعملهم على الانتشار والتغلغل في نسيج المجتمع المصري، بدأ يسود طرح جديد لقضايا حقوق المرأة في مصر. طرح لا يسعى ولا ينادي بدعمها أو بتمكينها، بل يهدف للحد من مكتسباتها. وانطلق الشدّ والجذب حول مكانتها رسميا وشعبيا.

وخلال حكم الإخوان في مصر، وجد الإسلاميون موطئ قدم لهم في المجتمع وأعطت دعواتهم وخطبهم المنتقدة للمرأة المصرية أكلها، فإذا بالحجاب ينتشر بشكل غير مسبوق بين مختلف فئات المجتمع وفي مختلف المناطق في مصر وكذلك أصبح العديد من المصريات يرتدين لباسا دينيا دخيلا على مجتمعهن مثل النقاب واللباس الأفغاني.

وفي السنتين الأخيرتين عاش المجتمع المصري على وقع صراع بين الاسلاميين والحداثيين أو المؤمنين بالديمقراطية، خلق نوعا من الانقسام داخل المجتمع فظهرت فئة من المتدينين والمتشددين (من السلفيين والإخوان خاصة) الذين يلعبون دور المنتقد والرافض لما عليه حال المجتمع المصري وخاصة لما عليه وضع المرأة المصرية ومظهرها ودورها في المجتمع وفي الفضاء العام.

هذا التشدد الديني لم ينته بانتهاء حكم الإخوان في يونيو 2013، بل تواصل عبر الفضائيات والمواقع الاجتماعية التي تجاهر بنقد النموذج المجتمعي المصري، وتصم كل مظاهره بالعار باعتبارها "خارجة عن الشريعة الإسلامية". وهو ما يقيم الدليل على أن طريق المرأة المصرية لتكريس حقوقها ومكاسبها ما يزال طويلا، وهو ما يثبت أيضا أن القضاء على الأفكار المتشددة لا ينتهي بابتعاد الإسلاميين عن السلطة، لأن تأثير التشدد على المجتمع وعلى الأجيال القادمة أكثر خطورة من أثره السياسي.

20