المرأة تدفع تكلفة باهظة من أجل صدر جذّاب

جراحات التجميل لم تعد ترفا أو مجرد ركوب لموجة تقليد بعض المشاهير، في الوقت الراهن، بقدر ما هي علاج نفسي ناجع.
الأحد 2019/06/09
البحث عن مقاييس الجمال بعيدا عن الوجه

جل الأرقام الصادرة عن جرّاحي التجميل في العالم أثبتت أن جراحات تكبير الثدي تتصدر المراتب الأولى، فقد تجاوز ولع السيدات بعمليات التجميل النجمات والمشاهير ووصل إلى المواطنات العاديات، ليصبح جزءا لا يتجزأ من الواقع، وسواء كان ذلك عائد إلى رغبة من المرأة في الحصول على شكل مثالي وجذاب لصدرها أو لإرضاء شريكها، فإن هذا الإقبال الكبير يترجم عدم مبالاة المرأة بما يتردد من شائعات حول تسبب هذا النوع من العمليات في الأورام السرطانية.

تصر النساء على المضي قدما في عملية تجميل الثدي رغم المخاطر المحتملة، بعد أن كشف قرار فرنسا، مؤخرا، بحظر نوع من عمليات زراعة الثدي ثبت ارتباطه بنوع نادر من السرطان إثر جدل فرنسي طويل حول الموضوع منذ سنوات.

ولا يعكس إقبال المرأة على جراحة تجميل ثديها جهلها بالمخاطر بقدر ما يخفي في طياته جملة من الدوافع أغلبها نفسي، فعلى الرغم مما تكشف عنه بعض التقارير الطبية وما يتردد من شائعات حول ما تتسبب فيه عمليات الثدي من أورام سرطانية أو انفجارات لأكياس السيليكون مما يعمق بعض التشوهات في جسد المرأة، فإن ذلك لا يردع النساء عن الإقبال على هذه مثل العمليات.

ويوجد إجماع من قبل عدد من التقارير والبحوث على أن عمليات تجميل الثدي، لاسيما المتعلقة بتكبيره، تتصدر المراتب الأولى في قوائم الجراحات التجميلية.

وكانت نتائج دراسة استقصائية قامت الجمعية الدولية للجراحة التجميلية (أي.أس.أيه.بي.أس) بنشرها سنة 2017، كشفت أن أكثر العمليات التجميلية الجراحية انتشارا حول العالم لسنة 2016، هي عملية تكبير الثدي حيث كانت نسبتها من مجموع العمليات 15.8 بالمئة.

موضة قاتلة

لا تشكل هذه العمليات أدنى خطورة على سير حياة المريضة الطبيعي، وفق العديد من المختصين، وإنما يكمن خطر الإصابة بالسرطان في تحيل بعض المصنعين، حيث حاكمت فرنسا على سبيل المثال، في عام 2013، خمسة مسؤولين بشركة بتهم ملء حشوات الأثداء الاصطناعية بمادة سيليكون غير مخصصة للاستعمال الطبي، استخدمتها أكثر من 300 ألف امرأة في أكثر من 65 دولة.

ومرت عمليات التجميل المتعلقة بالثدي، سواء للحصول على صدر مثالي أو لترميمه نتيجة عملية استئصال أو لخلق توازن بين الثديين لنقص خلقي أو غير ذلك من الأسباب العلاجية أو التجميلية، بعدة تجارب زرع شملت مواد غير سيليكونية، من بينها أنسجة حية ذاتية، أو عدد من الكريمات والأدوية في محاولة لزيادة حجم الثدي دون تدخل جراحي، لكن باءت معظمها بالفشل.

وائل غانم: السيليكون لا يشكل أي خطورة على صحة المرأة
وائل غانم: السيليكون لا يشكل أي خطورة على صحة المرأة

وقادت النتائج السيئة الجراحين إلى البحث عن طرق أكثر فاعلية، إلى أن قدم الجراحان الأميركيان توماس كرونين وفرانك جيرو عام 1961، تقنية جديدة تعتمد على جل السيليكون، وقد قاما بإجراء أول جراحة تكبير ثدي بواسطة هذه التقنية عام 1962.

وعلى الرغم من نجاح هذه التقنية مقارنة ببقية المواد التي سبق الاستعانة بها، فإن عددا من الدراسات ربطت بين إصابة المرأة بالسرطان وبين استخدام جل السيليكون في عملية تكبير الثدي، وإن كانت الأبحاث ترجح أن السبب يكمن في استخدام الأثداء الاصطناعية المملوءة بالسيليكون الصناعي الرخيص بدلا من السيليكون الطبي.

وفي هذا الصدد، أكد الدكتور وائل غانم، استشاري مصري في جراحة التجميل لـ”العرب” أن عمليات تجميل الثدي لا تعرّض النساء للإصابة بالسرطان، بل على العكس تماما، مشيرا إلى أن ذلك يعتمد بالأساس على النوع المستخدم في العملية، موضحا أن عمليات إعادة بناء الثدي تتم بالسيليكون وهذا دليل على أن السيليكون آمن تماما ولا يشكل أي خطورة على صحة المرأة.

وكشفت تقارير إعلامية سابقة أن السيليكون يعتبر من بين عمليات التجميل الآمنة والمتعارف عليها عالميا، وأوضحت أنها تحتاج إلى بعض الحرص أثناء القيام بإجرائها، مشيرة إلى ضرورة معرفة نوع السيليكون المستخدم، لأن هناك نوعان معترف بهما عالميا ومصرح باستخدامهما من منظمة الـ”أف.دي.آيه”، أو منظمة الغذاء والدواء، والسيليكون الآمن يأتي مع ضمان مدى الحياة، وأيّ أنواع أخرى دون ضمان ومجهول الهوية فهو يعتبر غير صحي وليس آمنا.

ولفتت هذه التقارير إلى أن جراحات تصغير الصدر أكثر صعوبة من جراحات تكبيره، وغالبا ما تجرى لأهداف صحية وليس بغرض التجميل، قائلة إن عمليات التصغير منتشرة في مصر بصورة كبيرة، فهي عملية صعبة وتعتمد على جراحة دقيقة للتخلص من كمية كبيرة من الدهون، ثم إعادة تخطيط الصدر ورفعه وفقا للحجم الجديد، مؤكدة أن أغلب تلك العمليات تجرى لأسباب طبية خطيرة مثل ضغط الصدر على فقرات العمود الفقري.

أسباب علاجية

التحايل على جنس المرأة قد يطال إحدى الوسائل التي تريحها نفسيا
التحايل على جنس المرأة قد يطال إحدى الوسائل التي تريحها نفسيا

لم تعد جراحات التجميل ترفا أو مجرد ركوب لموجة تقليد بعض المشاهير، في الوقت الراهن، بقدر ما هي علاج نفسي ناجع، فما إن يرضى المريض عن ذاته حتى يزيد إقباله على الحياة، وخصوصا في حالات استئصال الثدي على سبيل المثال مما يؤثر بالسلب على المرأة، وتلك الجراحة تعيد إليها الثقة بنفسها.

وهذا ما يرجح أن أغلب العمليات الجراحية التي تخضع لها النساء العربيات لاسيما في بعض الدول التي لا تزال تقيد نساءها بجملة من المحظورات الاجتماعية، تُجرى لأسباب علاجية أكثر منها تجميلية.

وكانت مصادر إعلامية محلية نقلت، العام الماضي، أن فتاة موريتانية متزوجة أجرت عملية تكبير للثدي عدت الأولى من نوعها في موريتانيا، لأغراض تجميلية بحتة ودون أي نصائح طبية بضرورة إجراء هذه العملية، أقدمت على ذلك لتشبه الفنانة اللبنانية إليسا.

فؤاد هاشم: اختيار المريضة يخضع لعدة جوانب طبية ونفسية
فؤاد هاشم: اختيار المريضة يخضع لعدة جوانب طبية ونفسية

وهذا ما يترجم نوعا آخر من أنواع التسلط في علاقة المرأة بجسدها، حيث تنسلخ عن رغباتها إرضاء لأعراف ونواميس المجتمع التي عفا عليها الزمن، وعليها أن تطرح من ذهنها فكرة إعادة تشكيل أجزاء من جسدها وفق أهوائها وتطلعاتها إرضاء لذاتها.

وقال الدكتور السعودي فؤاد هاشم، استشاري جراحة التجميل بالبورد الكندي، ورئيس قسم جراحة التجميل بمستشفى الملك فيصل التخصصي سابقا، إن عمليات الثدي تنقسم إلى تجميلية وترميمية، موضحا التجميلية هي تكبير أو تصغير أو شد الثدي، أما الترميمية فهي خاصة بالتشوهات الخلقية أو الحروق أو بعد الاستئصال، مضيفا أن أكثر العمليات التي تجرى هي تكبير الثدي، فمعظم السيدات يرغبن في العملية لتحسين المظهر وإرضاء الذات.

وأضاف هاشم في حدثيه لـ”العرب”، أنه من الضروري اختيار الحالة جيدا قبل إجراء العملية إذا لم يكن الدافع للعملية ذاتي (في حال كان التحسين بسبب واعز ذكوري مثلا)، وذلك لأنه قد لا يكون هناك رضاء بعد العملية قد ينجر عنه مثول أمام المحاكم.

وأشار إلى أن “اختيار المريض يعد موضوعا طويلا له عدة جوانب: طبية واجتماعية ونفسية، وإذا لم تتوفر الشروط المناسبة من الأفضل عدم إجراء العملية لأن المشكلة قد تنتهي بالمحاكم والقضاء”.

وبقطع النظر عن الأسباب الكامنة وراء إجراء السيدات عمليات تجميلية لأثدائهن فإن بعض المحللين النفسيين يقولون إن هذه الجراحة قد تكون نتيجة رغبة ذكورية أكثر منها رغبة ذاتية.

ويعد خبر قتل رجل من تايوان، في فبراير الماضي، لزوجته وطفليه ومن ثمة وضعه حدا لحياته، بسبب رفض شريكة حياته إجراء عملية تجميل جراحية لتكبير صدرها للمرة الثانية، أحد الدلائل على أن عملية تجميل الثدي تحمل في طياتها رغبة مشتركة بين الرجل والمرأة، لاسيما وأن الثدي وفقا لبعض الثقافات يلعب دورا في النشاط الجنسي البشري، حيث يعتبر من المحفّزات الجنسية للرجل التي تجذبه للمرأة.

حسن المتوكل: تذمر طرف آخر من حجم صدر المرأة يفقدها ثقتها في نفسها
حسن المتوكل: تذمر طرف آخر من حجم صدر المرأة يفقدها ثقتها في نفسها

ويرى حسن المتوكل، استشاري أمراض النساء والتوليد والعقم وجراحة المناظير في السعودية، أن المرأة تتعرض أحيانا بسبب ممارسة طرف آخر قد يكون غالبا الزوج إلى ضغط بسبب تذمره من كبر أو صغر صدرها أو أن ثديها لا يقدم له اللذة الجنسية المطلوبة، مما يفقدها ثقتها في نفسها ويعمق من معاناتها النفسية إزاء جسدها، وهو ما ينعكس سلبا على حياتها العملية والمنزلية.

وأضاف المتوكل لـ”العرب” كل هذا تتولد عنه العديد من “المخاطر النفسية أهمها إحساسها بالدونية وأن هناك ما يعيبها وينقصها كأنثى”، مشددا على أن هذا النوع من الأحاسيس غير مرغوب فيه بالمرة عند المرأة.

وفي بيان صدر، مارس الماضي، عن الاتحاد الوطني للتعليم في بريطانيا (أن.أي.يو)، تأكيد على تدخل مجتمعي خفي يعمّق نتيجة العديد من الترسبات قطيعة المرأة مع صدرها، إذ طالب الاتحاد بضرورة تعميم تحذير في كافة المدارس، بشأن مخاطر توجه بعض الطالبات نحو إجراء خطير يسمى “كي الصدر”.

وتقوم فكرة “كي الصدر”، على وضع بعض الأسر لحجر ساخن جدا على ثدي البنت، حتى لا ينمو بشكل طبيعي، فلا تثير الشابة عندما تكبر أي شهوة جنسية لدى الرجال. ويحظى إجراء “كي الصدر” بانتشار كبير في مجتمعات غرب أفريقيا.

لكن هذا لا يمنع من القول إن النساء اليوم صرن يحاولن الاستفادة من تطور الطب التجميلي سواء لإرضاء أنفسهن أو أزواجهن.

رغبة ذاتية

عمليات تجميل الثدي لا تعرّض النساء للإصابة بالسرطان
سيدات يراهنّ على صدورهن لإرضاء أنفسهن أولا

هناك حافز ذاتي يُنمي مع الوقت رغبة المرأة في القيام بهذه الخطوة، ولا يعد هذا الحافز الذاتي نتيجة لسبب بعينه، فالأسباب كثيرة وتختلف من امرأة إلى أخرى، ومن بينها شعور المرأة مع التقدم في السن بالإحباط جراء ترهل ثديها سواء نتيجة تكرار الحمل والرضاعة أو لعوامل أخرى كسوء استخدام حمالات الصدر، وهناك أيضا دوافع أخرى منها حجم الثدي.

وتتأرجح المرأة بين نقيضين بسبب هذا الدافع الأخير ما بين هوس بعض النساء بصدورهن إلى حد كبير ما يجعلهن ساعيات إلى تكبيره، وبين عقدة يزرعها بأنفسهن أيضا الحجم الذي يكون إما ضامرا وإما كبيرا بما لا يتماشى مع أجسادهن.

وأشار الدكتور غانم إلى أن “السيدات يقدمن على إجراء تجميل الثدي لأسباب علاجية في أكثر الحالات، حيث يرغبن في علاج مشاكل صحية ككبر حجم الثدي أو تقويم ترهله الذي يؤثر بشكل كبير على فقرات الظهر والرقبة ويسبب بعض المشاكل الصحية”.

وأضاف غانم في حديثه لـ”العرب” إجابة عن سؤال: بعيدا عن الحالات العلاجية هل هناك إقبال كبير على عمليات تحسين الثدي لأسباب جمالية؟، أنه لا يستطيع تحديد نسب المقبلات على هذا النوع من الجراحة، لأن لكل حالة أسبابها الخاصة التي يكون من الصعب في البداية التعرف عليها خلال جلسات الكشف، مشيرا إلى أنه يمكن القول إن النسبة كبيرة نوعا ما.

وبقطع النظر عن الدوافع التي من الممكن أن تبرر كل هذا الإقبال على جراحة قد تكون عواقبها مصارعة مرض خبيث، فإنه يمكن الجزم أن كل العمليات ليست مرتبطة بنظرة الرجل لجسد المرأة، بقدر ما هي لاصقة بنظرة المرأة لنفسها، فهناك مثلا نساء مصابات بالسرطان خضعن لعمليات إزالة الثدي أو يعانين ضمورا مرضيا وغير ذلك من التشوهات، وبالتالي يعتبر هذا النوع من العمليات التجميلية أشبه بعلاج نفسي لهن.

ليست لكل النساء القوة على مواجهة بعض الأمراض والعيوب، فبعضهن ضعيفات لدرجة الإقدام على الانتحار أو التقوقع على الذات، والبعض الآخر منهن قد يواجه مشاكل صحية وجسدية وعقلية لا تنتهي. وقد قدمت فتاة تونسية شهادة حية بسطت فيها رحلة كفاح أخذت الكثير من حلوة سنين صباها الجميلة.

توثيق القطيعة بين المرأة وثديها

 

يخلق حجم الثدي غالبا قطيعة بين المرأة وهذا العضو من جسدها، حيث أكدت ثلاثينية تونسية، (رفضت ذكر اسمها)، أنها لم تتصالح مع ثديها إلا مؤخرا. وأشارت إلى أن عقدة كبر حجمه لازمتها منذ سن البلوغ، لاسيما حين بدأت تعجز عن إيجاد حمالات صدر مناسبة لأنها نحيفة جدا وفي الوقت نفسه تمتلك ثديا كبيرا، هذه المعضلة كبرت معها حتى قتلت فيها الرغبة في النظر إلى هذا الجزء البارز من جسدها وجعلتها تبحث عن ملابس فضفاضة أضفت على سنوات عمرها سنين إضافية.

ولفتت إلى أن المرأة لا تسلم من الألسن سواء كان ثديها كبيرا أو صغيرا، مضيفة أنها كثيرا ما كانت تتردد على مسامعها “يا صدر اللوح” أو “ماذا سيعانق الرجل.. حائط!” وهي عبارات مسيئة تنعت بها المرأة التي تعاني من ضمور في حجم ثديها، مشددة على أن في ذلك مس عميق بنفسية أي فتاة مهما بدت قوة شخصيتها واعتدادها بنفسها، لاسيما وأنها تتهم بالعجز مستقبلا عن إرضاع أبنائها.

وأضافت أنها صارت تفكر وهي على مشارف الأربعين في إجراء جراحة ترميمية تصلح ما أفسدته حمالات الصدر غير المناسبة، لافتة إلى أنها صارت اليوم تحب حجم ثديها وتحرص على فتح صفحة جديدة في علاقتها به.

 

20