المرأة تشكل تاريخ مصر الحديث رغم محاولات طمس أثرها

الأحد 2015/04/05
النساء لعبن أدوارا بالغة الدقة والخطورة في تشكيل التاريخ عبر مواقف وتصريحات

التاريخ المصري القديم والحديث خلد الأدوار المختلفة التي لعبتها المرأة سواء في علاقتها بالسلطة والحكم أو في علاقتها بتطور المجتمع ورغم محاولات إهمال وطمس أثرها، إلا أن المتأمل في تاريخ مصر بموضوعية ودون تمييز على أساس الجنس يلاحظ بسهولة مدى تأثير المصريات في صنع القرار السياسي وفي تشكيل السياقات الاجتماعية للبلاد.

المرأة المصرية لعبت دورا هاما في رسم ملامح مصر اليوم، رغم وجودها في مجتمع ذكوري يجعل للتاريخ شاربا ولحية ويطرد المرأة من جنة المواقف الوطنية والحركات الاجتماعية. إلا أن النساء من مختلف الانتماءات والفئات الاجتماعية تركن بصماتهن في مصر عبر تاريخها الحديث، بدءا من دور السيدة الأولى إلى المناضلة السياسية، فالسجينة، فقاتلات أزواجهن.

وفي قراءة موسعة للتطور التاريخي للأدوار المختلفة التي لعبتها المرأة المصرية يلقي الكاتب الصحفي الدكتور ياسر ثابت في كتابه “حروب الهوانم”، الضوء على تأثيرها في تاريخ مصر الحديث، ويربط ذلك بالسياق المجتمعي والتغييرات التي طرأت على ثقافته وتقاليده. كما يطرح قضايا المرأة التي ظلت إلى اليوم من المسكوت عنه: مثل عمليات تحويل الجنس، والقصص المهملة عن حياة السجينات، وجرائمهن التي هزت الرأي العام، والثمن الذي تدفعه رائدات التحرر السياسي والاجتماعي.

أما فيما يخص علاقة المرأة بالسلطة والحكم، فلم تكن نساء مصر بعيدات عن حكايات القصر ومؤامراته ودسائسه، بل إنهن لعبن أدوارا بالغة الدقة والخطورة في تشكيل التاريخ عبر مواقف، وتصريحات، وإيعازات ورغبات كان لها ما لها من تأثير تجاوز اللحظة وحدود قصور الحكم.

ويرى ثابت أن نساء مصر، وعلى امتداد الطبقات والشرائح المجتمعية المختلفة، أقدر من غيرهن على تفكيك المقايضات السلطوية وإدراك أن المظالم والانتهاكات لن تحقق لا الاستقرار ولا التنمية، وأن التغيير مطلوب والإصلاح ضرورة، والمصالحة الوطنية فريضة، دون أن يعني ذلك التهاون مع ضرورات مواجهة الإرهاب والعنف في إطار سيادة القانون وضمانات الحقوق والحريات. هن أقدر من غيرهن على ذلك لمعاناتهن المستمرة من التهميش، إن من الحكم والسلطة أو من مؤسسات الدولة أو قوى المجتمع.

"سيدة مصر الأولى" في تاريخ مصر الحديث لها ألقاب عدة من بينها "ملكة النيل" أو "الهانم" أو "مهندسة التوريث"

مؤكدا أن “المرأة نصف المجتمع، وربما أكثر من نصفه، سواء نتيجة هجرة العمالة من الذكور إلى الخارج أو لأن متوسط العمر المتوقع للمرأة أكبر من الرجل، ومع ذلك فإن مشاركتها في إدارة الشأن العام محدودة، ويكفي النظر إلى أي صورة تنشرها الصحف لتجمع لمسؤولين كبار لترى غيبة المرأة تمامـا عنها، وإن وجدت فهي إما بمنزلة الزخرف أو في دور مساعد أو هامشي”.

وينبش الكتاب تربة الحكايات ويستقرئ التاريخ الحديث والمعاصر، للتوعية والتنوير، والكشف عن بعض الموروثات التي تجرف أحجار مجتمع يعاني الازدواجية في أغلب أفكاره وتصرفاته تجاه المرأة، ويغيّب قوانين حمايتها أو يتجاهل تفعيلها وتطبيقها بنزاهة وشفافية.

في مايو 2014 انتخب المصريون عبدالفتاح السيسي ليصبح الحاكم الـ19 في تاريخ مصر الحديث، ولتصبح زوجته (ابنة خالته انتصار عامر)، هي “سيدة مصر الأولى”، عاشت انتصار عامر حياتها كلها من أجل عائلتها، وهي تفضل دومـا أن تكون في الظل. لا تحبّ الظهور إلا للضرورة القصوى، ولا تفضل حياة الصالونات، وتؤمن بأن المكان الطبيعي للمرأة خلف زوجها وأبنائها، وأن نجاح الزوج والأبناء هو أسمى آيات النجاح للمرأة.

في حديث تليفزيوني خلال حملة ترشحه لانتخابات الرئاسة، تحدث السيسي عن زوجته قائلا “لديّ زوجة فاضلة جدا، عِشرة العمر كله، ‘وبأخد’ رأيها في كل شيء وتملك وعي المرأة المصرية، ولا أريد إزعاجها بالعمل السياسي”.

“سيدة مصر الأولى” في تاريخ مصر الحديث لها ألقاب عدة من بينها “ملكة النيل” أو “الهانم” أو “مهندسة التوريث”.

جيهان صفوت دعمت قانون الحفاظ على حقوق الزوجة

وفي تاريخ مصر الحديث، عرفت البلاد 18 حاكمـا، لكنهم تزوجوا ما لا يقل عن 74 امرأة، فكان القرن الـ19 يشهد نكاح صاحب السلطة لمثنى وثلاث ورباع، ولا بأس من أن يضيف لهن ما ملكت يمينه في عصر كانت تجارة الرقيق والجواري مباحة ومتاحة لمن يملك النفوذ. وكما احتل محمد علي باشا المرتبة الأولى في سنوات الحكم لنحو 43 عامـا، كان الأول من بين الحكام في عدد زوجاته وما ملكت يمينه، حيث جمع منهن 29 وأنجب 30 ابنـا منهم 17 ولدا و13 بنتـا.

لكن الأمر تبدّل في القرن العشرين، ولم يعد للجواري أي وجود، وكذلك تغيرت السلطة من سلطنة إلى مملكة وبعدها تم إعلان الجمهورية، وهنا أصبحت الأنظار تتعلق بزوجة الحاكم، عقب ثورة 23 يوليو 1952، فكان ظهورها على استحياء كما هي الحال لدى تحية كاظم، زوجة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، ثم صارت جيهان صفوت من بعدها تحمل لقب سيدة مصر الأولى، في عهد الرئيس الراحل، محمد أنور السادات، وتحركت إلى جانب زوجها تحت ستار العمل الاجتماعي والاهتمام بقضايا المرأة، فكان أن صدر قانون بإيعاز منها للحفاظ على حقوق الزوجة، وفقـا لرأيها، ومن بعدها تطور الأمر مع سوزان مبارك، التي رأى البعض أنها لم تكتف بالعمل الاجتماعي وإنما امتد نفوذها إلى عالم السياسة.

وفيما يخص جنسيات وأصول زوجات الحكام في مصر، بداية من الأميرة أمينة إلهامي زوجة الخديوي توفيق، التي تربعت على عرش مصر كسيدة مصر الأولى دون أن يكون لها ضُرة، والملكة نازلي والملكة فريدة، فكل منهما تنتمي إلى أسرة ذات صلاحيات حكومية وكل واحدة منهما كانت حفيدة رئيس وزراء من ناحية الأم. وربما باستثناء الملكة ناريمان، فإن أغلب زوجات حكام مصر قبل ثورة يوليو 1952 كن يحملن جنسيات أجنبية بجوار جنسياتهن المصرية، مثل “ماي” التي كانت مجرية أبـا عن جد، والملكة نازلي ذات الأصول الفرنسية اليونانية، وإقبال هانم والسلطانة ملك من الأتراك.

وفي العهد الجمهوري، تنتمي تحية عبدالناصر إلى أصول إيرانية، فيما تتشابه خلفيات أسرتي السيدة جيهان السادات وسوزان مبارك لأب مصري درس الطب في بريطانيا وتزوج من بريطانية.

أما بالنسبة للأدوار التي لعبتها المرأة وفقا لتطور السياقات الاجتماعية وفي فصل بعنوان “ساطور ناهد”، نقرأ عن نموذج قاتلة زوجها، ومن هؤلاء يبرز اسم ناهد القفاص التي تعد تجسيدا لتحولات مهمة في عالم الجمال والمال وبينهما الدم وظهور النصّابين في لحظات السيولة الطبقية التي شهدها عقد الثمانينات من القرن العشرين.

النساء من مختلف الانتماءات والفئات تركن بصماتهن في مصر عبر تاريخها الحديث

كانت نجومية ناهد حتى داخل عنبر القاتلات في “سجن النساء” بالقناطر الخيرية، لها أسبابها: أولا، وقبل كل شيء، لأن قصتها تحولت إلى فيلم “المرأة والساطور”.

وثانيا ترجع نجومية ناهد في المجتمع المصري إلى امتلاكها جاذبية الأمهات بين سجينات التجربة الأولى، خاصة من بنات العائلات، وإلى الزخم الإعلامي الذي واكب الجريمة وسعى لتغطية قضيتها.

الصحف نشرت يوم 29 يوليو عام 1989 حكاية ناهد بشغف مثير، وتحت عناوين مثيرة في الصفحة الأولى: “الفيلم الأخير للمنتج السينمائي: قتلته زوجته ووزعت جثته على ثلاث مناطق في الإسكندرية وكفر الدوار” (الجمهورية)، “قتل الأزواج مستمر: تذبح زوجها وتقطّع جثته وتخفيها في أكياس قمامة” (الأخبار).

وبلغت ظاهرة قاتلات أزواجهن ذروتها في سبعينات القرن العشرين، حيث وصل عدد المتهمات في قضايا القتل في مصر 379 سيدة، مقابل 287 سيدة في الفترة بين عامي 1980 و1988. أما في قضايا الضرب الذي أفضى إلى موت، فإن الرقم بلغ 167 سيدة في السبعينات، مقابل 138 سيدة في الفترة بين عامي 1980 و1988.

بجوار خبر ناهد القفاص في الصفحات الداخلية متابعة لتحقيقات مع “رابعة”، زوجة أخرى قتلت زوجها رئيس طباخي فندق “مينا هاوس″ في الهرم بعد زواج دام 11 عامـا، وأثمر عن خمسة أطفال، لكنها شعرت بالغيرة وبأنه يعتزم الزواج من أخرى، فقتلته بالساطور ومزّقت جثته.

سرد حكاية ناهد في الكتاب بتفاصيلها محاولة للبحث في الأسباب العميقة التي تدفع امرأة محبة لزوجها لقتله، وإلى الكشف عن الخلفية التي جعلت المرأة مانحة الحياة مجرمة تضع حدا لحياة أقرب الأشخاص إليها بطريقة بالغة العنف والوحشية.

ربط بين السياق الاجتماعي وما طفح على السطح من ظواهر سلبية كالنصب والتحيل والاغتصاب والزواج بأكثر من امرأة وبين ظواهر أكثر سلبية تنتج عنها كإجرام المرأة وإقدامها على العنف والقتل.
20