المرأة حارسة الأدب الأمازيغي

الأحد 2017/10/22

المرأة هي حارسة اللغة، لا تنام لها عين إلا إذا غنّت بلغتها التي هي جلدها، لا ترتاح إلا إذا روت حكاية الأجداد بلسان الأجداد، والمرأة الأمازيغية في الجزائر هي من هذه الطينة، فالمرأة التي حبلت رجالا حبلت أيضا لغة.

لقد حملت المرأة الأمازيغية هذه اللغة وصانتها أمام عنف اللغات الزاحفة. هرّبتها من سيف الغزاة فحفظتها في الصناعات الخزفية وفي معاني وأشكال الأوشام على أذرع ووجوه الرجال والنساء، وهدهدتها داخل الأغنيات الزراعية ساعة القطف أو الزرع كي تظل حية لا تموت، ودفدفتها في ألوان الألبسة والزرابي ساعة النسيج خلف النول.

من المرأة تبدأ مسيرة المقاومة اللغوية ضد التفكك والاندثار، وكما كانت الأسر الأمازيغية متشبثة دائما بأرضها الموجودة على رؤوس الجبال كانت متشبثة في الوقت نفسه وهي في هذه العزلة باللغة الأمازيغية.

على مدى قرون وحتى القرن التاسع عشر تميزت الثقافة الأمازيغية بالطابع الشفوي فأنقذ الفولكلور نظامها اللغوي. وكانت المرأة مركز هذه الثقافة الشفوية ومصدرها وموزّعها والقائم عليها وعسسها الأمين.

ثم مع صعود الحركة الوطنية الجزائرية في عشرينات القرن الماضي ونضج بنيتها السياسية بعد أحداث 8 مايو 1945، بدأت القضية الأمازيغية تتجلى كأطروحة سياسية وطنية ابتداء من العام 1949، وهو ما عُرِف بالأزمة البربرية، وبدأت المطالبة بالهوية الأمازيغية كجزء مركزي في الثقافة الجزائرية.

إعادة اعتبار ( لوحة: نور بهجت المصري)

لكن الثورة الجزائرية التي انطلقت في الفاتح من نوفمبر 1954 وما حملته من مطلب مركزي وهو تصفية الاستعمار الفرنسي أجل المطالبة بالهوية الأمازيغية إلى ما بعد الاستقلال.

وبعد الاستقلال، طفت على السطح حرب الإخوة الأعداء، وارتفع معها صوت المطالبة بإعادة الاعتبار للثقافة واللغة الأمازيغيتين، وظهر جيل جديد من المثقفين بمفردات خطاب جديد تمثل في نخبة أدبية بحس أدبي متجدد، ومعها ظهرت أسماء في الشعر الذي يعد تقليدا ثقافيا أمازيغيا عريقا كرّسه أمير الشعراء الأمازيغ السي امحند أو محند (توفي العام 1905) ومن الأسماء التي علا نجمها الشيخ الحسناوي وشريف خدام وإيدير وآيت منقلات وقد جمع هؤلاء الشعراء ما بين قول الشعر وأدائه غنائيا، إذ أن غالبية الشعراء هم مغنّون.

كما أن السرد الروائي بدأ يتأسس بعيدا عن الحكاية الفولكلورية التي برعت فيها الكاتبة مارغريت طاووس عمروش (1913-1976)، فمن هذا التقليد السردي البربري المتفرد خرجت الرواية على يد بلعيد آيت علي ورشيد عليش وعمّار مزداد وسعيد سعدي.

ولقد تميز الجيل الأدبي الأول الذي تحلق سياسيا وأيديولوجيا حول الحركة الثقافية البربرية (MCB) التي كانت تنشط في الجامعات وفي الحركات النقابية العمالية، بطغيان خطاب التنديد والغضب في المطالبة باستعادة اللغة الأمازيغية والاعتراف بها وترقيتها على المستوى التربوي والتعليمي والإعلامي.

اليوم وقد أصبحت اللغة الأمازيغية، كما جاء في دستور 2016، لغة وطنية ورسمية وهي تدرّس الآن في 37 ولاية تقريبا، فإن هناك تحولا في أشكال ومضامين الخطاب الأدبي باللغة الأمازيغية إنْ على المستوى الشعري أو الروائي، فمع أدباء الجيل الجديد ستقفز الرواية والقصيدة من فلك التنديد العاري إلى فضاء المطالبة العميقة والهادئة والمؤثرة وبجماليات أدبية مثيرة وببحث في تطوير هذه اللغة وتطويعها، ومن الأسماء الجديدة في الرواية أذكر دهية لويز (1988-2017) وهي روائية متميزة تكتب بالعربية وبالأمازيغية، خطفها الموت مبكرا.

ومن أجمل نصوصها الروائية الجريئة بالعربية “سأقذف نفسي أمامك” و”جسد يسكنني”، ومن أجمل نصوصها بالأمازيغية رواية “بين سماء وأرض” التي حصلت بها على جائزة محمد ديب للعام 2016، وأذكر أيضا تجربة ليندة كوداش من خلال روايتها “ناس تاماكاهوت” التي حصلت على جائزة آسيا جبار 2016 ويجب التنويه أيضا بتجربة الروائي سالم زينيا وإبراهيم تازغارت صاحب نص “سالاس ونوجة” أول رواية مكتوبة بالأمازيغية تترجم إلى العربية.

غالبية كتاب هذا الجيل يكتبون بثلاث لغات الأمازيغية والعربية والفرنسية، وهو الجيل الذي أعاد الرواية والقصيدة إلى المدينة وخلصهما من الحس الفولكلوري.

ولقد ساعدت ترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى اللغة الأمازيغية على تلقيح السردية والشعرية المعاصرتين بهذه اللغة، ومن بين ما ترجم إليها كتاب “النبي” لجبران خليل جبران و”الشيخ والبحر” لهمنغواي و”روميو وجولييت” لشكسبير و”الغريب” لألبير كامو.

روائي وأكاديمي من الجزائر

11