المرأة رهان مؤتمر الأديان للمشاركة في صناعة السلام

المؤتمر العالمي "أديان من أجل السلام" يركز على مناقشة أدوار المرأة في صناعة السلام في مختلف مناطق التوتر.
الأربعاء 2019/08/21
للمرأة تاريخ في إحلال السلام

بالنظر إلى ما فرضته التطورات والتغيرات في عدة دول ومناطق تشهد حروبا ونزاعات لأسباب سياسية أو عرقية أو دينية، يناقش المؤتمر العالمي “أديان من أجل السلام” مختلف أدوار الهيئات والمنظمات والأفراد المعنيين بإحلال السلام. ومن بين الأطراف التي تراهن عليها النسخة العاشرة من هذا المؤتمر الدولي الذي تحتضنه ألمانيا هذا العام هو العنصر النسوي بما له من مساهمات وأدوار فعّالة بإمكانها تخطي كل العقبات وفرض لغة السلام في عالم مملوء بصراعات مختلفة الأبعاد والأسباب، وليغير أيضا هذا المؤتمر من تلك النظرة المحسوبة على الأديان بوصفها تميّز الرجل عن المرأة في مثل هذه المجالات التي تتطلب مجهودات كبيرة.

 لينداو (ألمانيا) - تراهن الهياكل الدولية وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة منذ عقود، على ترسيخ قاعدة جديدة تكون فيها المرأة صاحبة الريادة في الجهود المبذولة لإحلال السلام، لكن رغم هذه الخطط الأممية التي أعلن عنها بشكل رسمي وجدّي في أعمال مجلس الأمن عام 2000، إلا أن أدوار المرأة في صنع السلام تبقى شحيحة ولم ترتق إلى حجم التحديات المرفوعة، ما جعل المؤتمر العالمي “أديان من أجل السلام” الذي تحتضنه ألمانيا يركز أهم نقاشاته في هذه الدورة العاشرة على ما يجب أن تضطلع به النساء في مسائل الأمن والسلام.

لأول مرة في تاريخها احتضنت ألمانيا الثلاثاء وتحديدا في مدينة لينداو جنوب البلاد، أحد أهم أبرز ملتقيات حوار الأديان العالمية، من خلال الافتتاح الرسمي للدورة العاشرة من المؤتمر العالمي “أديان من أجل السلام”.

وعلى عكس بقية النسخ السابقة، بدت رهانات هذه الدورة مركّزة بشكل رئيسي بالإضافة إلى رجال الدين على أدوار المرأة في صناعة السلام وإحلاله بمختلف مناطق العالم التي تعرف توترات وصراعات.

وقد افتتح المؤتمر الرئيس الألماني فرانك- فالتر شتاينماير وذلك بحضور 900 فرد من حوالي مئة دولة، بحسب ما أوردته بيانات منظمة “أديان من أجل السلام” غير الحكومية. ودعا الرئيس الألماني لدى افتتاحه الدورة العاشرة للمؤتمر العالمي إلى مشاركة الزعماء الدينيين في التغلب على النزاعات في أنحاء العالم.

وقال شتاينماير “الأديان، بوصفها داعما قوي التأثير ومرنا بالنسبة للسلام، يمكنها تقديم خدمة لا غنى عنها ولا يمكن الاستغناء عنها بالنسبة للبشر”. مضيفا أنه يمكن أيضا إساءة استغلال الإيمان والأديان “كدوافع بشكل أساسي للنوايا غير الدينية والأهداف السياسية”.

ووفق برنامج الدورة العاشرة للمؤتمر العالمي للأديان، فإنه من المنتظر أن يتم تركيز تمثال خشبي وهو عبارة على “خاتم السلام” ارتفاعه قرابة سبعة أمتار بمقره الدائم في حديقة عامة بمدينة لينداو الواقعة على بحيرة كونستانس (بحيرة بودن). وهذا الخاتم مصنوع من أخشاب أصلها من مناطق مختلفة في العالم.

ويلتقي خلال الأيام المقبلة في المؤتمر ممثلون رفيعو المستوى من الأوساط الدينية والحكومية، لمناقشة حلول في مناطق نزاع متفرقة، من بينها ميانمار وجنوب السودان وشبه الجزيرة الكورية.

وتأسّست منظمة “أديان من أجل السلام”، في عام 1961 وهي منظمة غير حكومية تتخذ من نيويورك مقرا لها. والآن يأتي لأوّل مرة إلى ألمانيا هذا التجمّع العالمي، الذي يُقام كلّ خمسة إلى ستة أعوام تقريبا.

وسيتركز النقاش خلال مؤتمر هذا العام على دور المرأة في عمليات السلام، حيث التقت وفود الاثنين بالفعل للإعداد لمحادثات المؤتمر.

ومن أهم القيادات النسوية الفاعلة في حقل حقوق الإنسان والدفاع عن قيم السلام التي ستشارك في فعاليات المؤتمر إيلا غاندي، حفيدة الزعيم الهندي المهاتما غاندي، وبالتحديد في ندوة ستخصص للخوض في مسألة العنف ضد المرأة.

وتأتي هذه الرؤية الجديدة لمؤتمر “أديان من أجل السلام” لتقوض تلك التصورات المتجذّرة التي تصور أن الأديان تنظر بعين التمييز بين المرأة والرجل في مجالات عدة وخاصة منها السياسية أو بعض المناصب الدولية الحساسة وخاصة منها ما يتعلق بحقوق الإنسان ومفاوضات إحلال السلام في مناطق النزاع.

وتزداد أهمية البحث في موضوع مكانة المرأة من خلال ما فرضه الواقع من حرمان لها من تقلّد مناصب ريادية تجعلها فاعلة ومساهمة في إحداث تغيرات كبرى في العالم.

ورغم عدة مساع دولية وأممية هامة، منها الخطط الأممية التي أعلنت بشكل رسمي وجدي في أعمال مجلس الأمن عام 2000،عن وجوب إشراك المرأة في أدوار صناعة السلام في العالم، فإن المرأة لا تزال في عدة مجتمعات مختلفة العرق والدين بعيدة عن الوصول إلى مناصب هامة، رغم ما حققته العشرات من النساء في مجتمعات مغايرة من نجاحات مكّنتهن من الوصول إلى مناصب قيادية مهمّة.

وتركزت الخطط الأممية الدافعة لتشريك المرأة في صناعة الأمن والسلام على الخصائص والأدوار والمعايير التي تشكلت تاريخيا وثقافيا وأسندت إلى الرجال والنساء في المجتمع حسب نوع الجنس.

وتشير وثيقة مجلس الأم لعام 2000، في هذا الصدد إلى أنه في حالات النزاع، يتأثر الرجال والنساء بأشكال مختلفة، لذلك يجب اتباع نهج متمايز إزاء الطريقة التي يجري بها صنع السلام، بما يلبي الاحتياجات المختلفة للرجال والنساء في مجالي الأمن وبناء السلام.

ولطالما اعتبر الرجال الجهات الفاعلة المعنية الوحيدة في النزاعات المسلحة وحلِّها. غير أن النساء يتأثرن أيضا بشدة بالنزاعات ويشاركن فيها، سواء كن قريبات أو مقدّمات للرعاية أو سياسيات أو ناشطات سلام أو مقاتلات.

ويكتسي إشراك المرأة في عمليات السلام منظورا أوسع نطاقا من وجهات النظر ويزيد الشمولية والتنوع. ويعزز ذلك قدرة صناع السلام على التعاطي مع طائفة أوسع من الجهات صاحبة المصلحة ومعالجة شواغلها، وقد ثبت أن ذلك يفضي إلى تعزيز السلام المستدام. ولهذه الأسباب، تلتزم الأمم المتحدة بشدة بإدراج النساء في أعمالها المتعلقة بالسلام والأمن، استجابة لمسؤولياتها المنبثقة من جدول أعمال حقوق الإنسان.

الرئيس الألماني يدعو إلى مشاركة الزعماء الدينيين في التغلب على النزاعات في أنحاء العالم
الرئيس الألماني يدعو إلى مشاركة الزعماء الدينيين في التغلب على النزاعات في أنحاء العالم

ووفق العديد من الدراسات الصادرة عن المنظمات والهياكل الأممية، فإن مشاركة المرأة ووجودها من بين الأفراد الساعين لحفظ السلام يمكن من الحد من النزاع والمواجهة، وخاصة تحسين فرص الوصول إلى النساء المحليات المضطهدات ومساندتهن، و تمكينهن في المجتمع، علاوة على توفير إحساس أوفر بالأمن لدى السكان المحليين، بمن فيهم النساء والأطفال، وتوسيع نطاق المهارات والأساليب المتاحة داخل بعثة حفظ السلام، كما تمتاز المرأة بمهارات أفضل في ضبط النفس، وهي أكثر قدرة على نزع فتيل النزاع والصراع.

ولا تعد مساهمة النساء في إحلال السلام أو تبوؤهن مكانة عالمية مكنتهن من حصد جوائز دولية بالجملة لمجهوداتهن في بناء السلام بالعالم وليدة اليوم، حيث تمكنت العشرات من النساء من حيازة جائزة نوبل للسلام لما قدمنه في مسيراتهن من أعمال تدعو للتسامح والأمن والسلام.

ومن بينهن نذكر بيتى ويليامز من أيرلندا الشمالية تحصلت سنة 1976 على جائزة نوبل للسلام على جهودها للسلام والتقريب بين المذهبين الكاثوليكي والبروتستانتي في أيرلندا الشمالية. وكذلك ميريد كوريغان وهي أيضا من أيرلندا الشمالية وحصلت في نفس العام على جائزة نوبل للسلام.

وكذلك توجد الأم تريزا وهي راهبة ألبانية- هندية، حازت على جائزة نوبل للسلام عام 1979 لاهتمامها بالأطفال المهمشين، هذا دون أن ننسى جودي ويليامز الناشطة السياسية الأميركية، التي تعرف في العالم بأدوارها في تأسيسها للحملة الدولية لمنع الألغام الأرضية، ما جعلها تظفر بنوبل للسلام في عام 1997 وغيرهن كثيرات كالمحامية الإيرانية شيرين عبادي الحاصلة على نفس الجائزة في عام 2003.

أما آخر النسوة الحائزات على نوبل للسلام فهي نادية مراد باسي طه الناشطة الإيزيدية العراقية التي تم اختيارها في العام 2016 سفيرة الأمم المتحدة للنوايا الحسنة ومن ثم حصلت على جائزة نوبل للسلام في 5 أكتوبر 2018.

13