المرأة "كائن موسيقي" والألوان تراقص الضوء

الأحد 2017/12/03
يستعرض المعرض رحلة التشكيلي إيهاب شاكر مع الفن منذ بداياته

تحتل تجربة التشكيلي الرائد إيهاب شاكر (84 عامًا) مكانة خاصة متميزة في حركة الفن المصري المعاصر، حيث تنوعت إسهاماته على مدار أكثر من ستين عامًا في مجالات عدة، منها التصوير والكاريكاتير وأغلفة الكتب والمجلات، فضلًا عن الرسوم المتحركة والموسيقى.

وتحتضن قاعة “أفق” بمتحف محمود خليل بالقاهرة معرضًا استعاديًّا موسّعًا لأعمال شاكر، انطلق مساء الـ28 من نوفمبر الماضي بحضور حلمي النمنم وزير الثقافة المصري، وخالد سرور رئيس قطاع الفنون التشكيلية وجمهرة من الفنانين والنقاد والمهتمين.

يستعرض المعرض رحلة التشكيلي إيهاب شاكر مع الفن منذ تأثره في بداياته الأولى بالإيطالي كارلو مينوني والتحاقه بمدرسة ليوناردو دافنشي، ثم عمله كرسام صحافي في مطلع الخمسينات من القرن العشرين بصحيفة الجمهورية وتخرجه في كلية الفنون الجميلة في العام 1957، ثم انتقاله إلى أسرة مجلة “روز اليوسف” في العام 1960 ليعمل كرسام كاريكاتير، وما تلا ذلك من مراحل فنية متعددة، أبدع فيها شاكر أعمالًا لافتة في التصوير، معبرًا عن فترات تاريخية بالغة الأهمية من تاريخ مصر، وأحدثها لوحته الشهيرة “الثورة” (زيت على خشب)، من وحي أحداث يناير 2011.

اللون يتماهى مع الحالة الشعورية

حلم متجدد

لا يكفّ إيهاب شاكر عن الحلم والتفاؤل بالمستقبل الأمر الذي خلع عليه لقب “فنان البهجة”، ومن ثم جاءت لوحته عن أحداث ثورة يناير 2011 في مصر، التي رسمها وهو يناهز الثمانين من عمره، بمثابة رهان على حركة التاريخ إلى الأمام بعجلة الحضارة، والإصرار المصري المستمد جذوره من منجزات الفراعنة صنّاع المعجزات في حركة التشكيل وحركة الحياة وتغيير وجه الأرض في آن.

تتفجر ينابيع البهجة كذلك في أعمال إيهاب شاكر من خلال رهانه المتجدد على الأنثى بدلالاتها الخصيبة، فالمرأة لديه “كائن موسيقي” قادر على إطلاق جوقة الألوان الراقصة لتخترق الحواجز وتتحدّى الأسقف. وتمثل المرأة “أجمل الموجودات” في تجربة شاكر، وتأتي موجوداته عمومًا لكي تجمّل الحياة وتجعل الإنسان يصبر على المتناقضات.

ويصف إيهاب شاكر في كلمته حول معرضه “الموسيقى” و”المرأة” بأنهما أجمل اختراعات الخالق، فكلاهما له القدرة على اختراق الأسوار والحواجز التي يقيمها الإنسان من خوفه ليدافع عن نفسه، وكلاهما يستقر في القلب مباشرة دون استئذان ليبتهج ويفرح ويتمتع وينتشي، وإذا اجتمعا معًا فإن الإنسان يكاد يطير.

تمضي تجربة إيهاب شاكر في مسارين متناقضين لكنهما متكاملان؛ الأول: التغذي الواعي على الموروث الشعبي والحضاري خصوصًا من البيئة المصرية القديمة، والثاني: التحرر من القوالب والانطلاق خلف فيوضات الإحساس والنهل من منابع التلقائية والطفولية والارتجال، وهكذا تأتي أعماله بكرًا في سمتها العام، محملة بزخم تاريخي عند تحليلها باصطبار وفك شفرتها وتحليل خطوطها وألوانها ورموزها إلى عناصرها الأولية.

ويسهّل عشق الفنان للموسيقى مضيّ خطواته في مسار ثالث، هو التأنق في خلق هارموني لوني وتناغم بصري بين العناصر وانسيابية تضفي على أعماله حركية لافتة، وتمنحها قيمة صوتية في الوقت ذاته وكأنما يقدّم جملة من الفنون مجتمعة فوق مسطح اللوحة.

وقد أفادت دراسة الفنان للموسيقى والشعر في إثراء إبداعه التشكيلي بتلك الروافد من حقول عدة فضلًا عن تعمقه الفلسفي، الذي يؤطّر رسومه بخلفيات ذهنية وتأملية، عن الحياة والميلاد والموت والمصير والبعث والخلود وغيرها.

تحويل ذبذبات الموسيقى وإيقاعاتها إلى درجات من الألوان والظلال

وإلى جانب استلهامه للموسيقى وأنغامها من أجل تحقيق “سيولة” الألوان والخطوط، فإن الفنان إيهاب شاكر أفرد عددًا غير هيّن من لوحاته لتشخيص الموسيقيين أنفسهم من مؤلفين وراقصين وعازفين على الآلات الشعبية مثل العود، والآلات الغربية مثل الكمان، وتتسم هذه الأعمال بمسحة تصوفية، حيث تمتزج النغمات المتصاعدة مع ما تجيش به الصدور من انفعالات وتوتّرات داخلية تتجلّى في الملامح والقسمات.

رسم الأنغام

أما “رسم الموسيقى” نفسها وتحويل ذبذباتها وإيقاعاتها إلى درجات من الألوان والظلال، فللفنان إيهاب شاكر تجربة فريدة في هذا المضمار، حيث قام بمحاولات في هذا الاتجاه عبر سلسلة من المعارض، منها معرض “رتم” في العام 1997، ومعرض “نبع الموسيقى” في العام 2000، ومعرض فانتازيا في العام 2002. وتعكس أعمال الفنان في هذه التجربة نزعته التجريدية حيث يسعى اللون إلى التماهي مع الحالة الشعورية التي يعبّر عنها ونقلها كما هي.

تتعدد أنماط الأعمال التي يضمّها معرض إيهاب شاكر الاستعادي وتتنوع خاماتها بين الأكوريل وألوان الخشب والزيت على توال والزيت على الخشب والفحم وألوان الخشب على الورق وغيرها، وتتجاور في المعرض الكبير جداريات عملاقة مع بطاقات صغيرة، ومنمنمات دقيقة تضم رسومًا كاريكاتيرية، فضلًا عن عشرات من أغلفة الكتب والمجلات التي صمّمها الفنان عبر رحلته الثرية.

وتحتل الأساطير والرموز والصور المصرية، الفرعونية والشعبية، مساحة واسعة في أعمال إيهاب شاكر عبر مراحله الفنية المتتالية، وتأتي مفردات من قبيل العروس والحصان والعصفور والديك لتمثل مفاتيح دلالية في هذا التوجه، كما يستوحي الفنان طقوسًا ومشاهد يتجلّى فيها التلاحم البشري، كحلقات الذكر والموالد وسرادقات الأفراح وغيرها من المظاهر المحلية التي يكسبها أبعادًا إنسانية تتعدى مقاصدها المباشرة.

ويشهد معرض إيهاب شاكر كذلك مجموعة كبيرة من البورتريهات، بعضها لشخصيات معروفة وبعضها لوجوه مصرية من النساء والرجال والأطفال، كما في لوحته “العذراء والطفل” (زيت على توال)، التي أبدعها في العام 1968، وفيها انعكاس لآثار هزيمة 1967 على ملامح الأم، لكن عذوبة الطفل تشي بأن مذاق الملوحة لن يدوم وثمة رحيق في القريب.

إيهاب شاكر فنان ينتصر دائمًا للأمل وللإنسان، وحتى في كاريكاتيره ورسومه السياسية الانتقادية فإنه لم يكن يميل إلى الهدم، وإنما يهدف إلى تبيان مواضع الخلل من أجل تجاوزها إلى مسارات التصحيح والبناء على أرض راسخة.

كاتب من مصر

14