المرأة والرجل ضفتا نهر واحد

السبت 2015/06/27

تتأسّس الدّعوة إلى مشاركة المرأة في الحياة العامة، وفي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وغيرها من مجالات الأنشطة الإنسانية وحقولها، على حقيقة جوهرية مؤدّاها أنّ هويّة المرأة، بوصفها ذاتا إنسانية ذاهبة -دوما وكما الرّجل تماما- نحو كمالها المحتمل، إنما تقع على الضّفة الأخرى لنهر واحد هو نهر الإنسانية الذي تقع على ضفته المقابلة هويّة الرّجل الإنسان.

ولهذه الحقيقة الجوهرية، التي تنهض على أساس فلسفيّ مؤدّاه أنّ للإنسان إمكانية مفتوحة وتطلّعا لاهبا إلى كمال محتمل، أن تؤسّس، بدورها، سلسلة مترابطة من الحقائق والفروض المؤصّلة التي تؤكّد أنّ للمرأة حقوقا إنسانية لا تقلّ عن حقوق الرّجل ولا تزيد عليها، وأنّ هذه الحقوق حقوق مترابطة، يعزّز بعضها بعضا، وهي متأصّلة في المرأة كذات إنسانية، أو هي طبيعة ثابتة في طبيعتها كإنسان.

وفي ضوء هذه الحقيقة، لا يكون لسلب هذه الحقوق، أو انتقاصها، أو انتهاكها من قبل الآخرين، أن يبطلها أو يلغيها؛ ذلك لأنها حقوق مرتبطة بواجبات ومسؤوليات لم تكفّ المرأة، بطبيعتها أيضا، عن أداء ما أتيح لها أن تؤديه منها، مثلما لم تكفّ عن تحمّل مسؤوليات هذا المتاح وأعبائه، وذلك من دون أن تتخلّى عن السّعي، أملا أو نضالا، للحصول على حقوقها كاملة، والشروع في ممارستها في ارتباط وثيق مع ما يترتّب على ذلك من إنهاض وعي متنامٍ، ومن واجبات ومسؤوليات.

هذا هو، في واقع الأمر، المسوّغ الرئيس شديد الإحكام للمطالبة بحقوق المرأة والدّعوة إلى مشاركتها في صنع الحياة الاجتماعية بأسرها وفي اتخاذ القرار في كلّ شأن يخصّ حياتها ومستقبلها، فللنساء ما للرجال من حقوق، وعليهنّ ما عليهم من واجبات ومسؤوليات.

وليس للأقوال المتكاثرة حول الحاجة الماسّة إلى مشاركة المرأة، على قدم المساواة مع الرجل وبفاعلية أعلى من قبلهما معا، في مواجهة الأيديولوجيات الظلامية العنفية التدميرية المهلكة، وفي النّضال الإنساني المرّ والنبيل الهادف إلى الحيلولة دون تمدّد أذرع أخطبوط العتمة والتّخلّف والعنف على مزيد من بقاع الأرض العربية، وذلك كمدخل ضروري لاستئصال هذه الأذرع والقضاء، نهائيا، على هذا الأخطبوط المريع، إلا أن تكون مؤسّسة، بدورها، على هذا المسوّغ الرّئيس، وإلا أن تفتح الباب واسعا، مع تحقق هذا الهدف النبيل، أمام إمكانية انخراط الإنسان العربي الواعي، امرأة ورجلا، في حراك مجتمعي وثقافي وحضاريّ عريض يتوخّى إنهاض نهضة عربية عميقة وشاملة.

وبهذا المعنى، لا يستقيم كلام على إمكانية حدوث نهضة عربية، أجزئية كانت هذه النّهضة أم شاملة، إن لم تكن الجهود إليها مسبوقة، ومتواكبة باستمرار، مع جهود جذرية عميقة ودؤوبة، للإعلاء من شأن المرأة بوصفها إنسانا جوهريا كما الرّجل تماما، ولإقامة سياسات التنمية في جميع المجالات على توازن يتناسب مع جميع فئات المجتمع وشرائحه وطبقاته، مع تأكيد حقيقة أنّ مشاركة المرأة صارت ضرورية للتنمية والتقدّم، وأنّ التقدير المعنوي للمرأة غير كافّ لإحداث التغيير، وأنّ تهميش دورها يؤدي إلى إعاقة التنمية، ويجعلها تنمية مغلقة حبيسة، تماما، مثلما أنّ إبعاد المرأة عن المشاركة الفاعلة في الحراك الاجتماعي يفضي إلى تخلّف حياتنا من جميع الوجوه، بينما تفضي مشاركتها فيه إلى تجديد حياتنا وإثرائها، ذلك لأن للمرأة رؤية للعالم، ونظرة ثاقبة للحياة، ولأنّ لخبرتها الحياتية أن تمدّها بطرائق ناجعة في تدبّر شؤون الأسرة والمجتمع، وبأساليب مبتكرة وناجعة في التوجيه والقيادة.

وليس لأي عقل إنسانيّ متفتّح إلا أن يعتبر ما تقدّم من أقوال وخلاصات تتنوّع محمولاتها المفهومية، وتتعدّد منظورات إنتاجها والرؤية إليها، بمثابة مسوّغات تفصيلية إضافية، مهمة وضرورية، تسهم في ترسيخ المسوّغ الرئيس المتعلّق بجوهر هوية المرأة الإنسانية ودورها الوجودي، وبالحاجة الماسّة إلى مشاركتها الفاعلة في إنهاض الحياة وضمان تقدّمها المطّرد، في وعي الناس جميعا، أيا كان نوعهم الاجتماعي، أو انتماؤهم الدّيني، أو جنسهم، أو عرقهم، أو لونهم، أو مستواهم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، أو لغتهم، أو عمرهم، أو الموقع الذي يحتلونه في إدارة شؤون البلاد، أو السلطة التي يمارسونها على مستوى اتخاذ القرار الذي يؤثّر على حياة الناس في أسرة، أو عائلة، أو جماعة، أو مجتمع، أو بلد، أو إقليم، أو في العالم بأسره..

كاتب من فلسطين مقيم في سلوفاكيا

16