المرأة والنهضة

الخميس 2014/03/20

هل تنهض المرأة فينهض الشعب بنهوضها، أمًّا مسؤولة ومربّية حاذقة، وعنصرا فعّالا في مجتمعها، كما أمر الله وأملته الظروف واستوجبه الواجب، إن هي قُبرت في البيت جاهلة قاصرة؟

سؤال خطر ببالي وأنا أقرأ تصريحا لأحد مسؤولي النّهضة، لعلّه رئيسها إن لم تخني الذاكرة، قائلا إنّ مكان المرأة البيت ولم يضف، حسب ما قرأت، ما الذي عليها فعله والقيام به حسب رأيه “الحصيف”.

ابتسمت وسخرت وتعجّبت، عند قراءتي هذا الكلام العجاب. تبسّمت لما يشتمّ من هذا التّصريح من سطحيّة وبساطة. سخرت لقول مسؤول، قد يتولّى يوما مصير شعب بأكمله، فيواجه من الآن موضوعا من أهمّ وأصعب مواضيع ومشاكل مجتمعه، ألا وهو المرأة ودورها في المجتمع. وتعجّبت من أناس يدّعون التديّن واتباع تعاليم الدّين، ويتحدون نبيه المصطفى الكريم، ويعرضون عن اتباع سنته، ترى هل هم يفقهون؟

لا أريد التعرض لما يهم المرأة ويعنيها، وما هو لها وعليها حسب ما جاء في القرآن الكريم، فذلك شأن أهل العلم، وما أنا في ذلك من المختصين. لكني سأسمح لنفسي بالتذكير ببعض أقوال النبيّ الأعظم صلوات الله وسلامه عليه، أقوال خص بها المرأة، أي النساء جميعا، وهو الذي بدأت حياته بين يدي امرأة، سيدتنا خديجة رضي الله عنها، وانتهت في حجر امرأة أخرى، هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. فالمرأة، يا أولي الألباب، مساوية للرجل وهي صنو له في الإنسانية، خلقت وإياه من نفس واحدة. فالله سبحانه وتعالى يقول وهو خير القائلين:”يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً”. أمّا الرّسول فيقول: إنّ النّساء شقائق الرّجال، ما أكرمهنّ إلاّ كريم، وما أهانهنّ إلاّ لئيم”. وشقائق في اللّغة هي النّظائر، والشاعر قال:

أنت خلّيْتني لأمر شديد * با ابنَ أمّي ويا شُقَيِّق نفسي

فالمرأة بهذا لها ما للرّجل من حقوق، أوّلها، أو من أوّلها وأوكدها، التعليم الذي يقول الرّسول بشأنه: أيّما رجل كانت عنده وليدة فعلّمها فأحسن تعليمها وأدّبها فأحسن تأديبها فله أجران. ثمّ إنّه، عليه صلوات الله، قد طلب من الشفاء بنت عبدالله بن عبدشمس العدويّة القرشيّة، الجرّاحة الشهيرة، التي كانت تصاحبه في الغزوات، طلب منها أن تعلّم حفصة الكتابة والزّراعة. كذلك شأنه مع أمّ عطيّة، أي نسيبة بنت الحارث الأنصاريّة التي كانت تسير في ركب جيش الرّسول، تروي المجاهدين ظمأهم، وتأسو جراحهم وترقأ دمهم، وتعدّ طعامهم. ألم يكن أفضل لها، عملا برأي صاحب القول النهضوي الغريب، أن تبقى مركونة في بيتها؟ أم أنّ النبيّ أخطأ بقبولها مع جيشه؟ حقّ آخر يتنافى وقول صاحبنا ببقائها في البيت، هو حقّها في الذمّة والإجارة، أي أنّ ذمّتها مستقلة ماليا، تبيع وتشتري وتؤجّر وتوكّل وتهب. أتستطيع أن تقوم بهذا وهي قابعة في بيتها؟ أم يريدها صاحب القول، أن تقوم بذلك بواسطة الهاتف المحمول وعبر الشبكة العنكبوتيّة؟

إنّ الرسول العربي الكريم لم ينتظر هذا الاختراع المعاصر كي تتمتّع المرأة بحقّها في عصره، فقد احترمها وضمن لها حقوقها، كما فعل مع الرّجل، واستشارها وأخذ برأيها، ووظفها. نعم وظفها في السوق، لتأخذ من الرّجال أموالهم، لا سطوا بل تنفيذا للقانون. فالسيدة شفاء بنت عبدالله العدوية القرشيّة السالفة الذكر، عيّنها رسول الله صلى الله عليه وسلّم في سوق المدينة، لتتولّى الحسبة، بما فيها من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر. وجاء بعده الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فاقتدى بالرّسول واتبع سنّته، فولّى سمراء بنت نهيك الأسديّة نفس المهمّة. وسمراء هذه عاصرت الرسول وعمّرت بعده. عرف عنها أنها كانت تتصدى للحسبة في السوق، وبيدها سوط تؤدب به الناس، فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

هل هذا بقاء في البيت؟ كيف يمكن للمواطن التعامل مع أناس لهم كلّ يوم رأي، لا يثبتون على مبدأ ولا يستقرّ لهم قرار؟ لا مناص له من الرّفض، ولا حلّ أمامه إلاّ الابتعاد، ولو إلى حين، حتّى تتّضح الرّؤيا وتنشر البرامج فيستبين السّبيل، فيسهل اتخاذ القرار، بالمساندة أو بالمعارضة.

إنّنا، بعد إزاحة الظلم والتسلط، عسى أن يكون إلى الأبد، نعيش تجربة جديدة ليست هيّنة الاستيعاب، إذ هي ثقافة ذات قواعد ومثل وتراتيب وإجراءات وسلوك، أعني ثقافة الديمقراطية، التي كان من المفروض أننا ولجناها مع بروز هلال الاستقلال، لو لا عبث العابثين، وتقصير المقصرين منا فكان ما كان. ثقافة الديمقراطية بحرياتها وشفافيّتها ووضوحها، وحلّ المشاكل تحت مظلتها بالتي هي أحسن، بالجدال السّليم المسالم، وبإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه. لذا على حركة النهضة والأحزاب والجمعيّات والنّقابات، وكلّ الهيئات ذات الصّلة الوثيقة بالجماهير الشعبيّة، أن تضع لمسيرتها برامج، أيّا كانت، فتعرضها على كلّ المواطنين صريحة واضحة، لا لبس فيها ولا التواء، فيعرف كلّ فرد أين يضع قدميه، فينهج السبيل الذي يرتئيه مناسبا له ولوطنه.

فليُترك التستّر بلحاف الدّين، وليُعلن عن النّوايا والمقاصد بصراحة وصدق، ولتترك المساجد لله، يذكر فيها اسمه، ويسبّح له فيها بالغدوّ والآصال، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقامة الصّلاة وأداء الزكاة، يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار، ولتترك بيوت العلم للعلم، ينير العقول والقلوب، يهذب ويؤدّب الأطفال والشباب، بعيدا عن أيّ تعصّب أو تزمّت، تطبيقا لبرامج عموميّة، توضع من لدن خبراء عارفين، أهدافها بناء عقول الشباب، من ذكور وإناث، وممن سيحملون غدا عبء تسيير الوطن، والنّهوض به حتّى يتقدّم ويزدهر. إنّ هذه الرّسالة وغيرها ممّا تحتاجه البلاد دائما، وبالأخصّ في هذه المرحلة، تحتاج إلى الكلام اليقين، والرؤى الواضحة، والصّدق في القول، وتأييده بالعمل. كفانا تلكؤا وتصريحات، بل العمل والإنجاز هما المعيار.


كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

9