المراجعات الشيعية في العراق

السبت 2014/07/12

تتصف الطبقة السياسية الشيعية العربية في العراق ومنذ عام 2003 بصبغة الإسلاموية وقد حكمت الواقع السياسي وتشرذمت لكنها في اصطفافاتها أمام السنة العرب والأكراد تتخندق في التحالف الوطني.

ورغم تعدد آرائها إلا أنها طبقة سياسية ممسوكة لا متماسكة، فالقرار الشيعي السياسي في العراق لا ينفصلُ عن الاستراتيجية الإيرانية، وتكاد كل القرارات التي يصدرها التحالف الشيعي الحاكم تتلاقح في طهران أو يشرف عليها الصوت الإيراني في بغداد، لأن الأمر- ببساطة- يقوم على أن الشيعة العرب الحاكمين في العراق مازالوا يناضلون من أجل إثبات عروبتهم أمام واقع عربي سني يحيق بهم، ويحسون أنهم مستهدفون بالإفشال من قبل النخب السياسية والدينية والاجتماعية العربية، حيث لم يستطع الشيعة العراقيون- السياسيون- الانصهار في العمق العربي لأسباب ربما لا تقع ضمن طائلة مسؤوليتهم، حيث أن الواقع العربي لا يتعاطف مع الشيعة كمذهب وكإحساس عربي مفاده أنهم يمثلون العمق الإيراني في المنطقة. وقد تعامل الأميركان مع الشيعة بحكم أكثريتهم في العراق لاستدراجهم إلى خارج حدود القرار الإيراني لكنهم فشلوا بامتياز.

وقد أثبتت التجربة السياسية في العراق منذ إسقاط صدام حسين على يد الأميركان عام 2003 أن المسؤولية التاريخية في هذا البلد يحملها السياسيون الشيعة فقط، فإذا تفكك العراق فإن التاريخ سينقل حدثا مفاده أن البلاد تفككت بعدما حكمها الشيعة، وإذا استجد أي واقع في الخارطة الجغرافية العراقية، فإن السياسيين الشيعة هم من سيتحمل المسؤولية عن هذا التغيير، لأن التاريخ يؤشر دائما على الحاكم ولا يهتم بالمحكوم.

ورغم أن الطبقة السياسية الشيعية العربية هي التي حكمت العراق منذ 2003، إلا أنها لا تمتاز بقوة الدكتاتورية التي كان عليها العراق إبّان الحكم الشمولي لحزب البعث، من حيث اختصار الحكم في شخص صدام حسين وتفرده بسلطة القرار وتحويله العراق إلى دولة للموالين له وفسحه المجال أمام عائلته وأقربائه للاستحواذ على القرار في العراق، حيث أن الدستور العراقي الجديد المقر عام 2004 لم يعط صلاحيات تسمح للتفرد في القرار، وقد حكم نوري المالكي رئيس «حزب الدعوة» بشكل استثنائي مستفيدا من عدم الوفاق على قرار في البرلمان واستحوذ على القرارات خارج الأطر الدستورية، وعيّن كوادر من حزبه على مرافق ووزارات لم يتفق عليها البرلمان، وكانت كل التعيينات بشكل مؤقت إلا أنها أتت أكلها في ترسيخ سلطة «حزب الدعوة» حتى تحول الحزب من تنظيم عقائدي إلى تيار شعبي يلتئم حول قائد واحد هو نوري المالكي.

استفاد المالكي وحزبه في تسلم سلطة القرار من مزاجية التيار الصدري في التعامل مع الأحداث وحسره لنفوذ المجلس الأعلى الإسلامي، حيث استطاع حزب الدعوة الوصول إلى أعلى منصب في الدولة وهو منصب رئاسة الوزراء بفضل موافقة التيار الصدري الذي رجح كفة الدعوة على المجلس لثلاث دورات انتخابية، ومع ذلك بقي التيار الصدري مصدر إزعاج ومولدا لصداع مستديم لرئيس الوزراء في فتراته الثلاث، فترة الجعفري ومن ثم فترتي المالكي. التحالف الشيعي العربي في العراق مدعو إلى مراجعة سياساته، واختبار وجوده في البلاد على أساس تقييم الفترة السالفة من حكمه.

التحالف عليه أن يثبت أنه عراقي أولا، وأن يحدد الأخطاء وأن يحاكم نوري المالكي حيث يجب ألا تأخذه العزة بالإثم من خلال التفكير أنه إذا راجع سياساته للمرحلة السالفة فإنما يقدم تنازلات لقوى سنية وكردية حصرته في زاوية استبعاد المالكي، فبقاء الأخير بات الفاصل التاريخي لشيعة العراق في محافظتهم على مكتسبات المرحلة.

والأجدر أن يتم التفكير بعيدا عن منطقة الشخصنة المحددة في شخص المالكي، وانطلاقه إلى فضاءات حزبية يجرم من خلالها “حزب الدعوة” بتهمة إيصال الوضع العراقي إلى ما هو عليه اليوم من احتقانات وتهديد بتفكك البلاد، فالأغلبية في كل البلدان هي التي تفكر بمنطق الدولة.

التحالف الشيعي اليوم مدعو إلى التفكير بشكل جدي لاختيار حاضنة للعراق، وإلى مزج التحالفات المرحلية بتحالفات إقليمية راسخة، وتنمية الشعور العربي وتحفيزه للدخول إلى العراق مرة أخرى على أساس القرارات المصيرية التي من الممكن أن يتخذها هذا التحالف، فالقوى السنية والكردية بعد 10 حزيران ألقت الكرة في ملعب التحالف، خصوصا تصريحات مسعود البارزاني ودعوته إلى انفصال المحافظات ذات الأغلبية الكردية للانفصال عن العراق، وكذلك خطوة أسامة النجيفي في تنازله عن الترشح لرئاسة البرلمان الجديد.

على التحالف الشيعي أن يعطي صورة جديدة للواقع العراقي، غير الصورة التي رسمها المالكي لدى جيرانه، والمنظومة العربية التي لا تنفك عن الجسد العراقي بحكم منطق العروبة والتراكم التاريخي للعراق العربي. وعلى التحالف أن يلجأ إلى السياسيين الوسطيين من خارجه لقيادة المرحلة، كي يخرج من عنق الزجاجة الذي وضعه فيها المالكي بسياساته الانزوائية.

ربما يتذرع بعض السياسيين الشيعة بحجة أن الأطراف الأخرى لا تريد لهم سلطة القرار سواء بوجود المالكي أو دونه، والحقيقة هذا هو جوهر القضية، فأن تكون في سلطة القرار وتحجم قدرة اتخاذه، أفضل من أن تكون حاملا لواء المسؤولية، وتحكم بشكل استثنائي وتعاني الفشل وعدم القدرة للوصول إلى الأهداف المبتغاة.


كاتب وإعلامي عراقي

9