المراسل الحربي والمفاهيم الخاطئة

الجمعة 2013/10/04

يعترف مراسل مخضرم في دول الشرق الأوسط مثل باتريك كوكبيرن، بأن الحروب التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط في العقد الماضي، والمتصاعدة اليوم، أسهمت بطريقة ما في صناعة المفاهيم الخاطئة عن هوية المنتصر والمهزوم.

ويعزو كوكبيرن الذي عمل مراسلا في دول عربية لصحيفتي فاينانشال تايمز، ثم الاندبندت، منذ عام 1979، سبب صناعة «المفاهيم الخاطئة» إلى الصحف والتلفزيون والراديو، حيث لعب الصحفيون دورا مركزيا في ذلك، وهو في كل الأحوال يدرك أنه كان جزءا من هذه الصناعة.

يخضع هذا الصحفي للخطاب الإعلامي السائد الهادف إلى «صناعة الرأي» بوجود نجاحات عسكرية في كل من العراق وأفغانستان ثم ليبيا وسوريا اليوم، لكنه يدرك أن الاستقرار مازال مفقودا، فلم تجلب الحرب، أي حرب، الحرية!

وتحليل كوكبيرن للمفاهيم الخاطئة، يكمن وفق فكرة الإعلان عن القضاء على مقاومة الجيوش في العراق أو أفغانستان مثلا، بينما بقيت مقاومة مستمرة للقوات الأميركية أجبرتها على مواصلة الحرب بعد إعلان النصر!

ويكتفي بذلك في نتيجة أسهم الصحفيون فيها، ويرى أنها جاءت وفق المفاجآت والتقلبات غير المتوقعة التي وقعت، ولا يلوم، في النهاية، الإعلام في الانقياد إلى هذه النتائج والإعلان النهائي عنها.

وكذلك لا يدع مجالا للشك أو الاتهام بأن «المراسل الحربي» لا يتحمل دورا على المدى القريب في كونه ساهم في إعطاء انطباع مضلل بأن الحرب يمكن وصفها على نحو كاف.

ويستعين كوكبيرن بمثال ساطع على «صناعة الكذب» لتأكيد أن العرب لديهم نفس المهارات في العلاقات العامة التي يحترفها الغرب، عندما يعود إلى قصة «كذبة نيرة» عندما زعمت طفلة كويتية عام 1990 أن الجنود العراقيين دخلوا إلى مستشفى بمدينة الكويت وأزالوا الحاضنات عن الأطفال الرضع وتركوهم يموتون! وهي تسرد شهادتها بعيون دامعة أمام وسائل الإعلام، وظهر لاحقا أن صاحبة القصة نيرة لم تكن في الكويت حينها وهي ابنة السفير الكويتي في واشنطن ودربت على الكذب والبكاء!

ويرى أن الصحافة لا تتحمل نتائج هذه القصة الكاذبة، لأن دورها النقل ويصل أحيانا إلى التشكيك وفق أفضل الأحوال، ومن السهل أن يوضع اللوم على ضباب الحرب آنذاك.

يدرك باتريك كوكبيرن أن الإعلام أول من يدخل ميدان القتال وآخر من يغادره، لكن هذا الميدان يبقى ساحة تتسع دائما لمزيد من الكذابين، وعلى المراسل الحربي أن يعي ذلك ويتجنـب الاندفـاع في إدامــــة ماكنة الكذب.

ومع أنه يعترف بأن الحرب لا تؤمل بكثير من السلام القادم، وأن تحركات المراسل الصحفي مغامرة غير محفوفة المخاطر سواء في بلفاست أو البصرة أو دمشق، إلا أن بقاء الصحفي في فندق مؤمن أثناء الحرب يجعله ناقلا وليس شاهدا.

يعرض كوكبيرن شهادة طويلة عن المراسل والحرب ويقتنص أمثلة قائمة من الحرب في سوريا اليوم وما يحدث من حرب متقطعة في العراق وأفغانستان، ويعود إلى التاريخ غالبا، في شهادة كل ما فيها يقدم في سلة، سبق وأن عرفها القارئ الإنكليزي، عن الأحداث في العالم العربي، وفي كل الأحوال لا تتضمن محتويات هذه السلة مادة واقعية عن تلك الأحوال، فما يريده كوكبيرن، لا يغادر الهامش المتداول لما تنقله الصحافة البريطانية عن واقع ملتبس في بلداننا العربية.

18