المراسل الحربي يعايش نار الجحيم لكنه مطالب بإشعال شمعة

ذهبت المراسلة الصحافية جانين دي جيوفاني إلى أسوأ الأماكن في العالم لتجلب معها قصصاً من البوسنة، سيراليون، وأخيرا سوريا. تروي جانين قصصاً عن لحظات إنسانية من داخل صراعات كبرى، وتروي ذلك الانتقال الفظيع حينما تتحول مدينة مألوفة بطرقاتها إلى أرض معركة مدمرة.
السبت 2016/12/24
الصحافية الأشجع

باريس - “هكذا تبدأ الحرب.. في أحد الأيام، وأنت تعيش حياتك المعتادة.. تخطط للذهاب إلى حفلة، تأخذ أطفالك إلى المدرسة، وتقوم بحجز موعد مع طبيب الأسنان. ثم فجأة.. تجد أن الهواتف انقطعت، التلفزيونات لم تعد تعمل.. هناك رجال مسلحون منتشرون في الشوارع.. والطرق قد أغلقت. الحياة التي اعتدت عليها قد بدأت تتعطل، ثم تتوقف”. هذا ما قالته أشهر مراسلة حربية في الولايات المتحدة الأميركية جانين دي جيوفاني.

دي جيوفاني -التي تعد أحد هؤلاء المراسلين الصحافيين الذين عايشوا الحروب- تقول إن وجودها في مناطق الحروب علمها كل شيء ليس فقط كيف تكون مراسلة صحافية بل أيضا كيف تكون إنسانةً. فقد تعلمت الشفقة، تعلمت كيف يتحول الأشخاص العاديون إلى أبطال، تعلمت المشاركة، تعلمت الصداقة الحميمية الحقة. وأهم شيء تعلمته كان عن الحب، حتى لو كان هذا الحب بين الدمار الهائل والموت والفوضى.

استمرت دي جيوفاني مدة ربع قرن في تغطية الكثير من الحروب، تقول عن ذلك إنها “حروب كثيرة إلى درجة أنها لم تعد تعرف عددها”.

قامت دي جيوفاني بتغطية الحرب في سوريا، وبدأت بتغطيتها إعلامياً لأنها تؤمن بأن هذا العمل يجب أن يقوم به أحد مّا. أي قصة هناك يجب أن تُروى.

تقول دي جيوفاني “أخدع نفسي إذا ظننت أني بعملي كصحافية، كمراسلة، ككاتبة، يمكن أن أوقف هذه الحروب. لا أستطيع، لا أستطيع إخباركم بعدد المرات التي شعرت فيها بالعجز، فما أنا إلا شاهد عيان. دوري يتمثل في إيصال صوت من لا صوت لهم. زميل لي وصف هذا العمل بإشعال شمعة في أكثر الأماكن ظلمةً في العالم. وهذا ما أحاول فعله. ولا أنجح في كل مرة، وأحياناً أشعر بالغضب إلى درجة لا توصف، لأنك تشعر كما لو أنك تكتب في فراغ، أو أنه لا أحد يهتم بما تكتبه. من يهمه أمر سوريا؟ من يهمه أمر البوسنة؟ من يهتم بأمر الكونغو، ساحل العاج، ليبيريا، سيراليون، كل هذه الأماكن التي لن أنساها ما حييت”.

وتضيف “لكن دوري وواجبي أن أشهد على ما يحدث وأذيعه.. وهذا هو صلب الموضوع وخلاصته.. بالنسبة لنا نحن المراسلين الذين نقوم بهذا العمل”.

منذ 25 عاماً، تسافر جانين دي جيوفاني إلى دول الصراعات الأكثر خطورة في العالم لتسليط الضوء على معاناة السكان المدنيين. وهي رئيسة تحرير مجلة نيوزويك لمنطقة الشرق الأوسط، والفائزة بجائزة الشجاعة في الصحافة عام 2016 من مؤسسة الإعلام الدولية للمرأة IWMF، وأعدَّت أكثر من عشرة تقارير في حلب، منذ بدء الصراع في عام 2011.

نشرت جانين دي جيوفاني، مراسلة الحرب في حلب منذ سنة 2011، كتاباً بعنوان “في اليوم الذي قرعوا فيه أبوابنا”؛ تحدثت فيه عن معاناة الشعب السوري.

وأمام المأساة الحالية التي تعيشها المدينة الاستراتيجية، تحدثت الصحافية عن معاناة النساء والرجال والأطباء والأمهات، والتي كانت شاهدة عليها خلال الزيارات التي قامت بها إلى مدينة حلب لصحيفة لو فيغارو الفرنسية.

تقول دي جيوفاني إنها تشعر بالاشمئزاز والحزن والإحباط والغضب. “ومن مكاني كصحافية، أرى أن ما يحدث فشل شخصي بالنسبة إليّ. لقد كرّست حياتي منذ 25 سنة للإبلاغ عن جرائم الحرب في سيراليون، والبوسنة، والشيشان، ولتوعية الضمائر بهدف ألا تتكرر هذه الجرائم في حق الإنسانية مرة أخرى”.

إلا أن كل هذا العمل لم يجدِ أيَّ نفع؛ لأن هذه المأساة تكررت مرة أخرى في حلب.

منذ 25 عاماً، تسافر جانين دي جيوفاني إلى دول الصراعات الأكثر خطورة في العالم لتسليط الضوء على معاناة المدنيين

تضيف دي جيوفاني “كانت حلب مدينة مزدهرة وعصرية، وغنية بتاريخ عريق يبلغ عمره قرابة 7 آلاف سنة ويرتادها أثرياء باريس. ومنذ بداية الصراع، جمعتُ قصص الأطباء والموسيقيين والطلاب أو ربات البيوت الذين وصفوا النسق السريع لانهيار حياتهم اليومية. فجأة، انقطعت المياه من الحنفيات، وأغلقت البنوك أبوابها، وتوقفت شاحنات جمع القمامة عن التجوال في شوارع المدينة.

كما أصبح السكان غير قادرين على الذهاب إلى المقهى أو التجول في المدينة؛ خوفاً من أن تصيبهم نيران المدافع. ثم أصبحت السوق هدف القناصة، كما وُضعت حواجز في شوارع المدينة. وقدمت الطائرات الروسية إلى سماء المدينة، وأصبحت تزورها كل يوم في التوقيت نفسه، في الصباح أو في آخر النهار. وبهذه الطريقة، غمرت المدينة المظلمة حالة من الفوضى.

وفي حلب، يمر الوقت ببطء؛ إذ أنه في بعض الأحيان تبدو الدقيقة لا نهاية لها، كما لو أن الغد لن يأتي أبداً. الحرب مملة جداً، كما أن الانتظار فيها لا نهاية له. لا تمكننا القراءة أو حتى مشاهدة التلفاز؛ لأن الكهرباء تنقطع دائماً. كما أن سكان حلب أصبحوا غير قادرين على رؤية الأصدقاء بسبب الحواجز والقناصة والقصف المستمر على المدنيين. ومن جهة أخرى، فإن السكان متمسكون بالحياة.

سألها صحافي لوفيغارو؛ ما الذي دفعك إلى تأليف كتاب يتحدث عن مأساة السوريين؟

تجيب دي جيوفاني “هذا واجبي، وليس لديّ أي خيار. أنا لست طبيبة أو سياسية أو عضواً في الأمم المتحدة، ولكنني صحافية وكاتبة. وما عليّ فعله هو التوجه إلى مناطق الحرب، ونقل ما لا نستطيع قوله. كما أنني ألّفت هذا الكتاب لنقول للسوريين ‘أنتم لستم وحدكم’. كما أني أروي معاناتهم؛ مساندةً لهم”.

بالنسبة إليها فقدت الأمم المتحدة مصداقيتها منذ المجازر التي وقعت في سربرنيتشا سنة 1995، وفي رواندا سنة 1994، وسريلانكا في سنة 2009. وكالعادة، هي ستتحرك من أجل التعاطف والإدانة فقط. وعموماً، فإن النظام في هذه الهيئة عاجز بسبب البيروقراطية التي يعانيها.

وعن الفرق بين الحرب في حلب والحروب الأخرى التي شاهدتها، تؤكد قائلة “في سراييفو أو رواندا، كنا مضطرين إلى نقل تقاريرنا وشهاداتنا عبر الهواتف الفضائية المرتبطة بالأقمار الاصطناعية، أما في حلب فإن الصحافيين ينقلون معاناة المدنيين على عين المكان. كما أن العالم يراقب لأول مرة الحرب مباشرة، من خلال ما يدوّنه السكّان عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وليتمكن السكان من الخروج من العجز، لم يبقَ أمامهم سوى مواصلة نقل معاناتهم وشهاداتهم. وبالطبع، كلما تعرفنا على وضع السوريين، ونشرت هذه الشهادات على نطاق أوسع، ضمنّا توثيق هذه المأساة وتكذيب الدعاية. وفي هذه الحالة، يجب أن نأخذ حركة الحقوق المدنية بالولايات المتحدة مثالاً على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان. وجدير بالذكر، أن مجموعة صغيرة من الناس هي التي بادرت بهذه الحركة، وتمكنت من نشرها على نطاق واسع بين صفوف المدنيين”.

وفي الختام، تقول صاحبة جائزة الشجاعة إنها رأت كثيراً من مشاهد الرعب في حياتها، حتى أصبحت ذاكرتها غير قادرة على استيعاب المزيد. وعلى الرغم من هذا، تؤكد أنها مازالت تؤمن بقوة وفاعلية المفاوضات السلمية.

18