المراقبة والمعاقبة ونظرات الكراهية تلاحق الكاتب السوري

الجمعة 2014/06/27
الكتاب السوريون يعيشون تحت نير الغطرسة الحكومية

عانى المثقفون السوريون من تقلّص مساحة الحرية التي كانت تخنق الكلمة وتضيّق على الموقف ما وضعهم لعقود بين ثلاثة خيارات محدودة: إما الكتابة بحرية ودفع ثمن ذلك غاليا سواء بالاعتقال أو بالقمع، وإما السير في ركب المطبلين للنظام المستبد، وإما الهجرة لمتابعة الرسالة الثقافية. وفي هذا التحقيق نقف على أحوال معاناة بعض الكتاب.

يعدّ الكاتب خطيب بدلة واحدا من أولئك الذين تعرضوا للقمع، حيث أفاد بأن النظام السوري كان يضطهد جميع الكتاب الذين لهم نَفَس معارِضٌ.

إفادات أخرى أدلى بها بدلة عندما طلبنا إليه إجابة عن سؤالنا عن السبب الحقيقي وراء ملاحقة النظام له شخصيا، فأجاب بأن الأمر مألوف لديه وليس بجديد فمع كلمات “بيان الألف”، وهو بيان المجتمع المدني الذي وقع عليه هو مع ألف من الكتاب والنشطاء السياسيين السوريين والذي صدر في سوريا في عام ألفين وواحد، بدأت مظاهر المضايقة والملاحقة تنصبّ عليه.

ذلك لأن الأمن اعتبر هذا البيان لمصلحة إسرائيل والأمبريالية العالمية، رغم أن البيان لم يطالب إلا بمساحة أكبر من الحرية للكتاب والصحفيين وإطلاق الحريات العامة وإلغاء الأحكام العرفية وإلغاء قانون الطوارئ وتفعيل منظمات المجتمع المدني.

لقد كان الثمن الذي دفعه خطيب بدلة غاليا، حيث اقتلع من أرضه إدلب ووطنه وشردت عائلته بعد قمع ومضايقات دامت سنوات.

الخطيب شُردت عائلته بعد قمع ومضايقات دامت سنوات


ظلم ذوي القربى


أحمد الحاج علي كاتب لم يكن أفضل من خطيب بدلة حالا، فهذا الكاتب كانت مضايقته أقسى وأشد وطأة من قبل نظام الأسد ونظام أهل بلدته الفوعة ذات الأغلبية الشيعية الموالية. وقد أفاد بالقول: “في مثل حالتنا لا أحد يخرج من وطنه مختارا، لا يخرج إلا من كان مكرها على الخروج. كنا نعاني من إرهاب النظام القابع في المدينة. أما أن تعاني من أبناء بلدك الذين تحول أغلبهم إلى شبيحة وتتحول بلدتك إلى أفرع للمخابرات وتصبح لموقفك المؤيد للثورة خائنا وعميلا وتقبض الأموال من أعداء الوطن فتلك كارثة".

واستطرد الحاج علي بأن المراقبة الدائمة والمضايقات ونظرات الكراهية تلاحقك أينما توجهت عدا الاعتداء بالضرب والاختطاف.

الحاج العلي الكاتب المبدع وأديب الأطفال تعرض إلى مشقّات كثيرة على أيدي شبيحة النظام، وعن هذا يقول: “أذكر أن أحد الموالين وهو زعيم من زعماء الشبيحة قال لي “أنتم لا يتجاوز عددكم المئة.. أنتم رهائن عندنا”، ألا يكفي هذا للتفكير بالخلاص من هذه الأجواء الملوثة بالتعصب؟” ويضيف الأديب الحاج علي قوله: “اعتقلوا أحد الشباب المعارض وضربوه واختطفوا آخر وعذبوه بوحشية واعتدوا على سيارتي ضربا بالعصي.. نعم هذا يكفي للتفكير في الخروج إلى أرض الله الواسعة".

ربما يخطر لك عزيزي القارئ بأن سببا عظيما فعله هذا الأديب يستوجب هذا العقاب لكن الأمر مختلف عندما تعلم بأن الكاتب الحاج علي صرح بنفسه لدى سؤالنا له عن السبب الحقيقي الذي قام به ليتلقى كل هذا التضييق والتجبر والظلم والاضطهاد وهو ابن الطائفة الأشد ولاء لهرم النظام بأنه لم يحمل سلاحا ضدّ أيّ مواطن سوري.

ويضيف قائلا: “لا نؤمن بحمل السلاح وكنا نتظاهر سلميا في مدينتي أدلب وبنش وهذا وحده كان كافيا لنبذنا من أهلنا وبلدنا.. ماذا تتصورين أن يفعل واحد مثلي غير الكلام، أنا كاتب، وكاتب ضد النظام فقط، لهذا حوربت من قبله وأعوانه ومليشياته ومن قبل بعض الأهل. لا بل من قبل الكثير منهم، نعم أهلي أنفسهم، ذلك أن العماء الطائفي في مثل حالتنا يلغي العيش المشترك ويلغي القرابة بل ويلغي العقل".

هل ينجح النظام السوري في محاربته للكتاب والكتابة في قمع حراك المثقفين ضده؟ سؤال توجهنا به إلى الكاتب الحاج علي، فأجاب قائلا: “المثقفون هم روح الأمة.. هل يمكن قتل أمة؟ أربعون سنة وهم يشنون علينا حربا بلا هوادة، بدءا من السجن وحتى إلى المراقبة والاستدعاءات والحرمان من التعويضات، ومع ذلك سوف نقول لا للظلم حتى يأخذ الله أمانته، فنحن لم نقدم شيئا أمام من ضحى بروحه".


سوريا المسروقة


الشباب، وهم الفئة الأكثر غليانا واندفاعا، لم يكونوا بمعزل عن ذلك التهجير والقمع بل على العكس كانوا الأكثر تحطيما وموتا.

مصطفى تاج الدين الموسى القلم الجميل والشاب الواعد نجل الكاتب الراحل تاج الدين الموسى صاحب ملاحم الكوميديا السوداء في القصص القصيرة. كلاهما كانا هدفا للاستخبارات وتضييقها، ربما لم يسعفنا الحظ بلقاء موسى الأب ذلك أن الموت كان أسرع بلقائه، موسى الأب الذي تعرض للسجن والاعتقال والتعذيب فقط لأنه قال كلمة رفض فيها نظاما يصبح فيه رامي مخلوف إمبراطور الاقتصاد السوري وتسرق سوريا من علمائها وعظمائها وشهدائها وتاريخها الذي يمتد إلى خمسة آلاف سنة قبل الميلاد بل من قدمها وهي المدينة المأهولة والأقدم تاريخيا لتنسب إلى عائلة واحدة.

ربما لمصطفى رأي آخر في موضوع تهجيره من بلاده، فعند سؤالنا له عن سبب ترك موطنه ومعشوقه، كما يقول، وقدومه موطن الغربة، يجيب بأن الهجرة جاءت بسبب أن الحياة في الداخل المحتل صارت مستحيلة، ولم يعد بإمكان أحد احتمال تصرفات الشبيحة المنتشرين بكل الشوارع والأسواق، ومضايقاتهم المستمرة للناس.

مصطفى تاج الدين الموسى: الحياة في الداخل صارت مستحيلة

ويعزو مصطفى تاج الدين الموسى سبب تحطيم النظام لكبرياء الكاتب إلى عدة أسباب يجملها في قوله: “من الأسباب أن والدي كان قبل وفاته عضو مجلس قيادة ثورة، وتم فيما بعد اعتقال أخي، أيضا عدم التحاقي بجيش النظام القاتل، وأكثر ما أزعجهم آنذاك وعلى أثرها زادت التهديدات هو تلك القصص التي كنت أكتبها من وحي معاناة السوريين عن وحشية النظام والحرب، بين عامي 2012 /2014 والتي كنت أنشرها على الفيس وكانت تنتشر على العديد من صفحات الفيس والمواقع والصحف والمدونات الألكترونية وبعضها ترجم إلى الأنكليزية والإسبانية".

يقولون الشباب عماد الأوطان، لا أحد يدري هل يقصدون الأحلام بهذا الكلام بالمعية؟ ربما، وربما يقصد موسى أحلاما أخرى لدى استطراده في جوابه عن سؤال كنا توخينا منه معرفة رؤيته الأدبية لسوريا جديدة/ حيث يقول: “في أغلب القصص التي كتبتها في السنتين الماضيتين.. كنت أنقل صورة الألم السوري من الواقع إلى الأوراق.. وأتمنى أن أظل على هذه الحالة لأكون مستقبلا مع الكثير من الكتاب الشباب شهود عيان على جرائم هذا النظام".

ترى، وبعدما ثار الأديب السوري على أقفال وأصفاد كبلت أجنحة الأدب، فهل سيلقى ما زرعه بعدما دفع ويدفع ثمنه من جسده وروحه، أم إن الخلود للكلمة والأدب الذي ما برح يحلق بجناحي الخيال ضد عوادي الزمن.

14