المراكز الثقافية تلبي عطش الجمهور المصري إلى السينما البديلة

طفرة ملحوظة في المراكز الثقافية بمصر جاءت في الأساس على خط متواز مع التغيرات التي شهدتها القاهرة منذ يناير 2011، حيث تقدم تلك المراكز برامج ثقافية مختلفة تتضمن عروضا لأفلام تلبي عطش الجمهور إلى سينما مختلفة، وتمنح المشاهدين فرصة النقد بحرية.
الثلاثاء 2016/12/06
"تشي غيفارا" لعمر الشريف: نموذج للأفلام المعروضة بالمراكز الثقافية

نشأ جيل الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي في مصر على نوعية معينة من البرامج الثقافية التي تعمق نظرة المشاهد للسينما، وهي البرامج التي أثرت في وجدانه وثقافته حتى الآن، ومن أهمها برامج “نادي السينما” و“أوسكار” و“حدث بالفعل”، التي اعتمدت على عرض كواليس أفلام أجنبية ونقد موجه لها من أحد الضيوف، الأمر الذي شكل قدرة لدى الجمهور آنذاك على بناء حكم على الفيلم بالتحليل والنقد، وفي النهاية يشعر المشاهد بأنه قد حصل على وجبة فنية دسمة، يستمتع بمذاقها ويسترجعها عند كل مرة يرى فيها الفيلم.

ومنذ مطلع الألفية الجديدة وإلى الآن، أي بعد مرور 16 عاما، بدأ تراجع مثل هذه النوعية من البرامج، وبدأت المراكز الثقافية التابعة لسفارات دول أجنبية وغيرها تقوم بهذا الدور النقدي والتحليلي، لكن ظلت مقتصرة على جمهور معين من روادها المثقفين، ففقدت قطاعا لا بأس به من الجمهور الذي انصرف عنها إلى الفضائيات والمواقع الإلكترونية، ولم تضع الفضائيات التي انتشرت كالنار في الهشيم، أيّ رؤية لاستعادة مثل هذه النوعية من البرامج، واستبدلتها بأخرى أقل عمقا في نظر العديد من النقاد.

وفي خط متواز مع التطورات السياسية الحادثة في مصر، انتشرت المراكز الثقافية المستقلة والتي حاول أغلبها استعادة دورها التثقيفي التنويري، ومواكبة تطورات العصر، حيث جلبت من ذاكرة السينما المصرية والعربية والأجنبية ما يستحق المشاهدة والنقد، واعتمدت في أغلبها على شريحة الدارسين من الشباب لأدبيات النقد والتذوق الفني، ضمن حلقات أشبه بالنوادي السينمائية، بالإضافة إلى أنشطة ثقافية أخرى من بينها تعليم فن الرسم والتزيين والأعمال اليدوية والنحت والتمثيل والرقص والغناء وغيرها.

مركز "جود" يعتمد على تقديم رؤية نقدية نابعة من الشباب الحاضر نفسه، دون شرط حضور شخصية نقدية مشهورة

مساحة فنية

في حديثه الخاص لـ“العرب”، يقول مدير مركز “جود” الثقافي، أحمد مصطفى “إن فكرة المركز قائمة على طرح مساحة فنية يتم فيها تقديم ورش فنية وحرفية بشكل دوري والعديد من الفعاليات الأخرى مثل “نادي السينما” و“حبة فن”، ويتم التحضير حاليا لمبادرة جديدة باسم “حبة ألوان” وهي عبارة عن فريق عمل غرافيتي يقوم برسم أسوار منطقة العمرانية بمحافظة الجيزة بشكل فني مميز”.

وفي خصوص فكرة نادي السينما التي اعتمدها المركز، يقول مصطفى “بدأت أولى تجارب النادي بعرض فيلم “تشي غيفارا” لعمر الشريف في نهاية شهر سبتمبر الماضي، فهي تجربة مميزة بالنسبة إلينا، وسنسعى خلال الأيام المقبلة إلى عرض المزيد من الأفلام العالمية والمصرية، بالإضافة إلى إعطاء الفرصة للمشاهد في المناقشة وعرض أفكاره وعرض إيجابيات وسلبيات الفيلم من وجهة نظره، إضافة إلى المشاهدة السينمائية للأفلام القديمة التي لم نشاهدها في قاعات السينما، والتي تكون تجربة جديدة لنا ورؤية أخرى في مشاهدة الفيلم بشكل آخر غير الذي اعتدنا عليه”.

ويرى مصطفى أن السينما المصرية باتت بعيدة حاليا عن عرض مثل هذه النوعية من الأفلام التي تقوم المراكز الثقافية المستقلة بانتقائها، فالسوق السينمائية أصبحت تتجه إلى الأفلام التجارية في الأغلب، والتي تفتقد -في أغلبيتها- إلى القيمة الفنية الكبيرة التي كانت موجودة من قبل. ويعتمد مركز “جود” وغيره من المراكز المشابهة على تقديم رؤية نقدية نابعة من الشباب الحاضر نفسه دون شرط حضور شخصية نقدية مشهورة، وهو ما أشار إليه مدير المركز في معرض تصريحاته لـ“العرب”، مؤكدا أن من أهمّ نقاط التميّز في نادي السينما إتاحة الفرصة لعرض كل الآراء الناقدة للفيلم، مختتما حديثه بالتأكيد على أن الأفلام المنتقاة للعرض هي من أجل التذوق الفني وليس من المهم أن تمس مشكلة من مشكلات المجتمع.

حالة المناقشة النقدية التي تدور بعد عرض الفيلم هي جانب رئيسي في مثل تلك النوعية من البرامج التي تنظمها المراكز الثقافية؛ حيث يتم توسيع الأفق لدى المشاهدين من خلال تناول الأفكار وعرض كل وجهات النظر المختلفة، مما يثري الحوار كثيرا. في نفس السياق، يقول مدير البرامج في مركز “دال” للأبحاث والدراسات الثقافية سيد أبوالعز “إن عروض الأفلام بالمركز لا بد أن تخدم قضية معينة يجري عليها المركز دراساته البحثية، وأنه من الضروري أن تكون قضية الفيلم مهمة لقطاع كبير من الشباب المقبل على المركز، خاصة الفئة الأكثر شيوعا والتي تتوسط أعمارهم بين 20 و30 سنة، لذا يكون هدف المركز خلق توازن بين التذوق الفني من ناحية والاهتمام بقضية معينة من ناحية أخرى”، مضيفا “السينما في الأصل بخلاف كونها منفذا للمتعة، فهي كذلك منفذ للتعريف بثقافات أخرى”.

ويصف أبوالعز جمهور المراكز الثقافية القائمة على عروض الأفلام، بالمختلفين عن الجمهور الآخر الذي تستهدفه عروض سينما السوق التي لا تبحث إلا عن الإيرادات “فهم يبحثون عن الشيء المختلف والجديد الذي لا تسعى السينما المصرية حاليا إلى تلبيته، فيجدون ضالتهم في مثل تلك المراكز”. ويرى أبوالعز أن نوعية الأفلام المنتقاة للعرض في المركز، تجد قبولا لدى الشباب، خاصة وأن تناولها يتم بشيء فيه الإثارة والمتعة، ما يجعلهم ينتظرون عرض فيلم كل يوم أربعاء، وهو اليوم المخصّص لعروض الأفلام بالمركز، واصفا التجربة بالمبشرة جدا، نظرا لاختلاف مستوى وثقافة المقبلين على تلك العروض، مما يساعد في تكوين حالة من الترابط الثقافي وتبادل الأفكار بين عدد كبير منهم، والارتقاء بالذوق العام.

وعن اختيار الأفلام، يوضح أبوالعز أن السينما الأميركية لا تزال هي الأكثر جذبا وتميزا، وتبرز من حين لآخر أفلام من جنسيات أخرى تجد قبولا أيضا في المجتمع المصري مثل الإيطالية وبعض الأفلام العربية، وتشترك جميعها في قضايا إنسانية مهمة تثار في كل المجتمعات، حتى وإن اختلفت ثقافة كل مجتمع عن ثقافة المجتمع الآخر. ومع انتشار تلك المراكز مؤخرا، وزيادة الإقبال عليها من الشباب، نرصد أهم المراكز الثقافية في القاهرة والتي تهتم بعروض الأفلام في نوادي السينما التابعة لسفارات الدول وأيضا المستقلة منها، ومن بينها المراكز الثقافية التابعة للسفارات الأجنبية ومنها “المركز الثقافي الفرنسي في المنيرة”، و“المركز الثقافي الهولندي في الزمالك”، وقد نظم الأخير فعالية بعنوان “نوستالجيا”، عرض من خلالها مجموعة كبيرة من الأفلام المصرية القديمة.

ومن ناحية ثانية فإن المراكز الثقافية المستقلة انتشرت في العامين الآخرين انتشارا واسعا، ويرجع النقاد هذه الظاهرة إلى عدة أسباب، منها الافتقار إلى العروض السينمائية الأجنبية والأفريقية في دور العرض المصرية، كما أنّ حلقات النقاش حول الفيلم تعد قيمة فنية للمتخصصين ولغيرهم، بالإضافة إلى أنّ الكثير من وسائل الصحافة والإعلام أصبحت تركز على مهرجانات الأفلام المستقلة، وتقوم بتسليط الضوء عليها مما يساهم في خلق حالة من التبادل الثقافي، مثل مراكز “دوم”، و“جيزويت”، و“دكة”، و“أوديون”.

السينما المصرية باتت اليوم تقدم أفلاما تحمل قيما سلبية، مثل العنف والبلطجة وتبرير الأخطاء، مما أربك الذوق الفني العام

تفوق السينما الهوليوودية

أما مدير موقع “ميكروفون” عمرو محمد، فيرى أن عرض الأفلام في نادي السينما بالمركز أضاف الكثير إلى الشباب المتعطش لنوعية جديدة من الأفلام الجادة التي لا تضحك عليه، فمنذ أن بدأت العروض في شهر مايو الماضي، والمشرفون يحاولون البحث عن الفيلم الهادف، الذي يقدم فكرة جيدة تهم قطاعا كبيرا من الشباب، ومن ثم فتح حوار ونقاش نقدي حولها بعد العرض، وبمشاركة حفيدة الكاتب الصحافي المصري الراحل أحمد بهجت، ندى بهجت، والتي تقدم رؤية نقدية جيدة وتحاول أن تساعد الشباب الحاضر في البحث عن جماليات العرض، وتبني رؤية نقدية ذاتية، ولفت انتباهه إلى أشياء أخرى قد يغفل عنها.

ويشير، في حديثه لـ“العرب” إلى أنّ جمال العروض النقدية يأتي من تبسيط الأفكار التي يحملها الفيلم، فبعض الأفلام يكون متضمنا لأفكار صعبة، لكن سحر السينما يتمثل في تبسيطها وتوصيلها إلى الناس بسهولة، مستنكرا اتجاهات صناعة سوق السينما مؤخرا لأفلام تحمل قيما سلبية مثل العنف والبلطجة وتبرير الأخطاء، مما يؤثر في تدني الذوق الاجتماعي لدى قطاع كبير من المجتمع، في الوقت الذي تتفوق فيه السينما الهوليوودية بصناعة أفكار وطرحها وتقديمها بصورة مبهرة وجذابة، وتساعد على رفع الذوق الفني في الكثير من الأحيان، مشيرا إلى وجود أفلام أخرى تحمل قيما عنيفة وسلبية، وعلى المشاهد أن يختار ما يروق له، وعلى المراكز الثقافية أن تختار بعناية ما يناسب المجتمع المصري ويلامس الجوانب التي تهمه.

ولا تقتصر الأفلام المعروضة في المراكز الثقافية المستقلة على نوعية معينة منها، ولكـن انتشرت أيضـا ظاهـرة عـروض الأفـلام الوثـائقيـة والتسجيليـة والقصيـرة، بالإضـافة إلى أفلام الكارتون والأنيميشن، التي تجذب نوعا آخر من الجمهور المصري، كما أن حالة التبادل الثقافي التي تحملها مثل هذه الأفلام، جعلت من الضروري الانتباه وتوخي الحذر عند انتقاء الأفلام، والتي قد تكون مهمة صعبة وعبئا ثقيلا، يلقي بثقله على مسؤولي هذه المراكز، حسب رأي نقاد فنيين.

16