المراهق يضلل أو يكذب سعيا منه لتجنب العقاب

أصعب ما يواجه الأهل في تربية الأبناء المراهقين، هو كيفية التعامل مع الكذب؛ فالأبناء في سن المراهقة أو ما قبلها بقليل يعمدون إلى اختلاق القصص الكاذبة ويلتفون على الأحداث، في محاولة منهم لتجنب العقاب والوقوع في مشكلات مع الكبار، وبعض الآباء يفقدون السيطرة على مشاعرهم تجاه هذا السلوك غير المقبول، فتتخذ ردود أفعالهم أشكالا عنيفة قد تزيد الأمور تعقيدا.
الأربعاء 2016/08/17
الكذب يفسد علاقة الثقة بين الطرفين

يرى متخصصون أن المبالغة في ردود الأفعال تجاه كذب الأبناء، تسهم في بناء حاجز نفسي كبير بين الأهل والمراهق، يصعب معه بعد ذلك التعامل مع المواقف المتأزمة، ويفسد علاقة الثقة بين الطرفين، حين يتمادى الأبناء في تغليف علاقاتهم مع الآباء بطابع الغموض الذي يتخلله الخوف، عوضا عن تبادل الآراء واستلهام الحلول للمشكلات التي يتعرضون لها في هذه السن الدقيقة.

يناقش أستاذ الطب النفسي وخبير العلاقات والإرشاد الأسري في جامعة نيويورك الأميركية، جيفري بيرنشتاين، في كتابه “عشرة أيام للحصول على طفل أكثر هدوءا”، ظاهرة الكذب لدى الأطفال، ويبيّن أن المراهق يحاول دائما التضليل أو الكذب ببساطة، سعيا منه لتجنب العقاب والألم الناتج عنه، وهو ألم نفسي في أغلب الحالات، لذلك يتوجب على الأهل ألّا يأخذوا الأمر على أنه مسألة شخصية، بل عليهم أن يتحلوا ببعض الصبر ويحاولوا أن يتقصوا جذور الكذب وأسبابه، فالطفل والمراهق يكذبان لأسباب معينة عدا الخوف من العقاب باعتباره نتيجة لكن تبرير الكذب شيء آخر.

إدراكنا لهذا الأمر في حدّ ذاته قد يجعلنا أكثر هدوءا، فقد يكذب الطفل لحماية صديق له وقع في ورطة، أو قد يكذب لأنه لا يحب الحديث عن فشله في بناء علاقات ندية مع أقرانه، أو لأنه يواجه رفضا أو تنمّرا من بعض رفاقه وربما يتعرض لسخريتهم وانتقادهم بسبب هندامه أو طبيعة شخصيته أو انتماءاته العرقية مثلا.

ويرى بيرنشتاين، ضرورة التمييز بين الأكاذيب التي تتستر على السلوكيات الخطيرة مثل تعاطي المخدرات والمسكرات، وتلك الأكاذيب الصغيرة التي تضيع في زحمة الحياة اليومية، فالأكاذيب التي تحاول التعتيم على سلوك غير آمن أو غير قانوني ينبغي التصدي لها بصورة مباشرة ومن دون تردد، حتى وإن أظهر المراهق شيئا من الندم، فمعالجة الموضوع في وقته وربما باستخدام الشدّة أمر ضروري وواجب يتحمله الأهل تجاه أبنائهم، ويتم ذلك أحيانا بطلب المساعدة والنصح من الأقارب أو الأصدقاء وحتى المتخصصين من مرشدين نفسيين أو اجتماعيين إذا كان ذلك في الإمكان.

يجب التمييز بين الأكاذيب التي تتستر على السلوكيات الخطيرة، وتلك الأكاذيب الصغيرة التي تضيع في زحمة الحياة اليومية

في الغالب، يمكن أن يمتلك المراهق حسا ذاتيا بمدى الخطأ الذي يرتكبه، وإدراكا تلقائيا للألم الذي يتسبب فيه حين يكذب على أهله، وربما يعاني في داخله (مثله مثل الكبار أيضا) من صراع أخلاقي بين مفهومي الصدق وخيانة الأمانة، ولهذا يتوجب على الأهل عدم استخدام لهجة تهكمية أو كلمات جارحة عند معرفتهم الحقيقة، لأنهم سيؤكدون مخاوف المراهق ويدفعونه إلى قول العبارة الشهيرة “انظروا، هذا ما توقعته، لماذا عليّ أن أكون صادقا فأتلقى اللوم؟”. وهو صادق تماما في ما يعتقد فيه، فقول الحقيقة أمر مرعب ليس للصغار فحسب بل للكبار أيضا، وبدلا من استيعاب هذا الأمر يلجأ أغلب الآباء إلى العنف، لأنهم لا يستطيعون التحكم في مشاعر الغضب عندما يدخلون في حوار صريح مع أبنائهم، مع أن الخيارات الأخرى متوفرة ومتاحة ومجربة أيضا؛ الهدوء هو المفتاح السحري لحل جميع المشكلات الأسرية مهما كانت معقدة، إذ ينصح متخصصون

بضرورة الابتعاد عن استخدام الكلمات الجارحة لحماية المراهق من الشعور بالخجل من فعلته، خاصة إذا أبدى ندما وطلب المغفرة ولعل أفضل درس يمكن أن يتعلمه من هكذا تجربة، هو أن الكذب لا يمكن أن يكون حلا بديلا عن مواجهة المشكلة والتعامل معها، والأهم من ذلك طلب النصيحة من الأهل.

ينصح بالابتعاد عن استخدام الكلمات الجارحة لحماية المراهق من الشعور بالخجل من فعلته، خاصة إذا أبدى ندمه

وترى طبيبة الأعصاب الأميركية والمتخصصة في أبحاث الدماغ وطرق التعلم، جودي ويليس، في كتابها “كيف يتعلم طفلك الأفضل”، أن أغلب المراهقين يشعرون بالاستياء من الاهتمام المبالغ فيه الذي يبديه الأهل نحوهم، ومن سيل الأسئلة التي لا تنتهي والنصائح التي تعقبها، في حين يحاول المراهق أن يبدو أمام الآخرين كشخص ناضج وقادر على إدارة مقود حياته مستقلا بآرائه ومكتفيا ذاتيا، ولذلك ينظر إلى مساعدة الوالدين باعتبارها تدخلا غير مقبول في خصوصياته، قد يسبب له القلق أحيانا من محاولة الإتيان بأي تصرف خوفا من ازدرائهما وانتقادهما له، إلا أن هناك حالات معينة يصبح لزاما على الوالدين التدخل فيها وبسرعة أيضا، لمنع تمادي الأبناء في خطأ ارتكبوه أو مازالوا يرتكبونه، وهو الخطأ الذي يحاولون التستر عليه بالكذب.

إحدى الأمهات خاطبت ابنها بطريقة مبتكرة، بعد أن سرد عليها قصة محبكة عن المغامرة التي قام بها مع مجموعة من أصدقائه في رحلة المخيم المدرسي، ولأن القصة كانت مطعمة بالبعض من الأكاذيب، وجهت الأم سؤالا غير مباشر إلى ابنها ولكنه يحمل من المعاني والقلق ما يستدعي إجابة صريحة، في مقابل الأسلوب الجميل الذي استخدمته مراعية فيه تلك المنطقة الحساسة من المشاعر التي تحيط بعالم المراهق، وتشكل شخصيته المستقبلية، حين بادرته بالقول “فعلا، هذه القصة مثيرة للاهتمام، ولكن يخيّل إليّ أنك بدأت قبل قليل بإضافة بعض الأحداث والأشياءالمبالغ فيها والتي بدت لي غير صحيحة أو البعض منها غير صحيح وغير منطقي، فعلا كان أمرا مضحكا، وهذا يؤكد لي أنك بدأت تكبر وتنضج بصورة لم أتوقعها، هل تخبرني بما دعاك إلى المبالغة في أحداث المغامرة وتلوينها بأشياء غير حقيقية؟”.

لذلك، فكسب ثقة الطفل ليس بالأمر الهين، وبعض الصغار يستغرقون وقتا أطول من غيرهم في تعزيز ثقتهم بالوالدين، وشعورهم بالأمان في وجود أحدهما ودعمه لهم عندما يواجهون مشكلة.

21