المراهنات الرياضية السوداء تثير قلق النظام المالي التونسي

محاولات حكومية مرتبكة لسد الثغرات أمام تدفق الأموال القذرة، وتحركات بطيئة لمطاردة انفجار شركات المراهنات غير المرخصة.
السبت 2019/02/23
ملاذ الحالمين بالثروة السريعة

تفجّر الجدل في الأوساط الاقتصادية والرياضية التونسية مرة أخرى بشأن الشركات الخاصة للمراهنات، التي بدأت تغزو السوق المحلية، في ظل ازدهار نشاط مراهنات السوق السوداء بشكل غير مسبوق، رغم احتكار شركة واحدة منذ عقود لهذا النشاط.

تونس - تصطدم محاولات شركات المراهنات التونسية، التي ظهرت بشكل مفاجئ في العامين الماضيين كمنافس لأقدم شركة حكومية في هذا النشاط، بتحديات شاقة في طريق إبعاد السوق السوداء من طريقها وامتصاص تلك الأموال وضمها للقنوات الرسمية.

ورغم أن تلك الشركات مثل تونباتس وبونتو وبيت 216، التي ظهرت العام الماضي لتنافس شركة النهوض بالرياضة الحكومية (بروموسبور)، إلا أن معظم من يمارسون المراهنات يميلون للتعامل في الخفاء مع شركات أجنبية شهيرة مثل بلانت ووليام هيل وبي وين وبيت ريلي وبيت 365 وغيرها.

وتزايد جنوح المتراهنين في تونس لهذا الاتجاه يعقد من مهمة تعقّب الأموال، التي تذهب إلى تلك السوق الموازية خاصة وأن التعاملات تكون عادة باليورو وليس بالعملة المحلية كما هو معمول به في الشركات المحلية.

زياد السايس: ليس في القوانين ما يتيح لشركة النهوض بالرياضة احتكار نشاط المراهنات
زياد السايس: ليس في القوانين ما يتيح لشركة النهوض بالرياضة احتكار نشاط المراهنات

وهناك رغبة جامحة على ما يبدو من قبل أصحاب الشركات الخاصة، التي ستعبد الطريق لشركات أخرى مستقبلا، في توفير حلول بديلة بعيدا عن السوق السوداء وفي الوقت ذاته التصدي للتهرب الضريبي وتبييض الأموال.

وتعد تونس واحدة من الدول المدرجة في القائمة الرمادية الأوروبية للملاذات الضريبية، كما أنها تحت المراقبة منذ فترة من قبل مجموعة العمل المالي الدولية (فاتف)، فضلا عن وكالات التصنيف الدولية.

ويقول المشرفون وأصحاب تلك الشركات ومن بينهم زياد السايس صاحب العلامة التجارية بروموكوت، إنه لا شيء من الناحية القانونية يدل على أن شركة النهوض بالرياضة تملك حق احتكار المراهنات في السوق المحلية.

ووفق القوانين التونسية، فإن شركة النهوض بالرياضة التابعة لوزارة شؤون الشباب والرياضية هي “مؤسسة عمومية مكلفة حسب التشريعات المنظّمة لها بتنظيم مناظرات الرهان الرياضي والألعاب ومختلف المسابقات الشبيهة التي تهدف إلى تطوير الأنشطة البدنية والرياضية”.

وتسعى السلطات من خلال حزمة قرارات أصدرتها قبل أشهر إلى معرفة تحركات الأموال المشبوهة في قطاعات، من بينها نوادي الرهان، والتي تشكل بؤرة لتبييض الأموال في البلاد، في خطوة لتحسين تصنيفات تونس على المؤشرات الدولية.

ولكن حتى الآن يصعب حصر حجم سوق المراهنات مع أن هناك قوانين تضبط قيمة الأرباح والضرائب وكيفية توزيع بقية الأموال، التي تحصل عليها شركات المراهنات في حال خسارة المتراهنين.

وبدأت فكرة إطلاق المسابقات الرياضية بشكل رسمي بعد التأكد من أن سوق المراهنات الافتراضي غير محدد بقانون حتى اليوم، كما أن السوق السوداء شهدت ازدهارا ملفتا في السنوات الثماني الماضية.

وتستقطب سوق المراهنات السوداء حوالي مليون تونسي من خلال العشرات من المواقع الإلكترونية الأجنبية المتخصصة في هذا المجال بحجم أموال يتجاوز 400 مليون دينار (118 مليون يورو) سنويا، وفق ما قالته بعض المصادر لـ”العرب”.

وتشير التقديرات التي ساقها لـ”العرب” ناشطون في هذا المضمار إلى أن قرابة ألفي محل للمراهنات الرقمية غير المرخصة منتشرة في البلاد يتكون أغلبها من بضعة كمبيوترات يستعملها الزبائن للنفاذ إلى مواقع المراهنات الرياضية.

ويقول بسام، صاحب محل للمراهنات في قلب العاصمة التونسية، إن هناك إقبالا كبيرا من قبل شرائح مختلفة من المجتمع على ممارسة هذه المراهنات وبشكل يومي.

وأرجع بسام، الذي يقول إن رقم معاملاته اليومية يبلغ قرابة 5 آلاف دينار (1.7 ألف دولار) يوميا، ذلك الأمر إلى تدهور الأوضاع الاجتماعية وتفاقم معدلات البطالة لأن هذا النوع من المسابقات قد يحقق أرباحا لهم.

118 مليون يورو حجم الأموال المتداولة سنويا في سوق المراهنات  التونسية التي تضم ألفي محل غير مرخص

وأظهرت بيانات رسمية حديثة نشرها المعهد الوطني للإحصاء أن معدلات البطالة لا تزال عند حاجز 15.5 بالمئة، ما يعني أن الدولة عجزت عن تحدي تلك المستويات لمدة عامين تقريبا رغم كل الجهود المبذولة.

ومن الواضح أن سوق العمل المحلية باتت عاجزة عن استيعاب قسم كبير من الخريجين الجدد من الجامعات التونسية والبالغ عددهم قرابة 80 ألف خريج سنويا رغم تفاخر الحكومة بأنها استطاعت توفير فرص عمل للكثيرين منهم منذ توليها السلطة منتصف 2016.

ويؤكد المختصون أن مواقع المراهنات الأجنبية على الإنترنت تستنزف العملة الصعبة في ظل غياب تحركات جدية من السلطات لوضع حد لهذه الشبكات، التي تكبد الاقتصاد المتعثر خسائر كبيرة.

ويرى خبراء متخصصون في المخاطر المالية، من بينهم محمد عبيد، أن انتشار شبكات المراهنات الإلكترونية في الخفاء ظاهرة مزعجة خاصة في غياب الرقابة من قبل الدولة.

أما الخبير أنيس القاسمي فيرجح توسع نشاط المراهنات الموازية أكثر بعد أن باتت تمثل الأمل الوحيد للعاطلين وحتى الموظفين في بعض الأحيان، رغم تأثيرها بشكل غير مباشر على احتياطات البلاد من النقد الأجنبي.

ولا يمنع قانون الجرائم الإلكترونية، الذي صادقت عليه الحكومة في مايو الماضي، ممارسة هذا النوع من المراهنات لأنه لم يذكر ذلك صراحة، ما يجعل من تعقب أموال المراهنات  أمرا يبدو مستحيلا.

10