المراهنات.. مافيا سوداء تتنافى مع قيم الرياضة

يصل إجمالي المراهنات في عالم كرة القدم إلى ما بين 700 وتريليون دولار كل عام، وهي أرباح تم تجميعها من خلال وكالات قانونية وغير قانونية، وبعد مراقبة على عمليات المراهنات غير الشرعية في أكثر من ثلاثمئة سوق حول العالم، نفذ الأنتربول نحو ألفي مداهمة على الكثير من الوكالات غير القانونية، وحصد 27 مليون دولار.
الأحد 2017/05/07
أرقام وإحصائيات برشلونة ضد باريس سان جرمان تربك العالم

القاهرة – قبل أيام فجّر رئيس نادي الزمالك المصري مرتضى منصور تورط بعض أعضاء اتحاد كرة القدم في عمليات المراهنات، وأنه تم فعليا التعاقد مع شركة مراهنات إيطالية، لافتا إلى أنه يملك مستندات تدل على ذلك، غير أن هذا الكلام قوبل بالنفي من أعضاء الاتحاد، حتى أن حازم إمام عضو المجلس ولاعب الزمالك السابق طالب في معرض رده على اتهامات منصور بقطع رقبة المتورطين إذا ثبتت صحة هذه الإدعاءات.

الحقيقة أن الموقع الإنكليزي الشهير “سكاي بيت” للمراهنات يدرج مباريات الدوري المصري ضمن أجندة المباريات التي يمكن للزوار المراهنة عليها، لكن الموقع يتيح فقط إمكانية المراهنة على تلك المباريات للمقيمين في أماكن بعينها منها، مثل بريطانيا والولايات المتحدة، دون إتاحة إمكانية المراهنة للمصرين المقيمين في مصر، وحاولت “العرب” الدخول إلى الموقع لكن هذا أمر غير متاح من القاهرة.

الرهان على برشلونة

لم تعد لعبة المراهنات على مباريات الكرة أمرا وديا بين مجموعة من الأصدقاء بل إن هناك شركات كثيرة تعمل في العلن، بعضها يدار بمنتهى الاحترافية وأخرى تدار بشكل غير قانوني، وتعتبر “سكاي بيت” واحدة من أكبر هذه الشركات، ووضعت مباراة الإياب بين برشلونة الإسباني وباريس سان جرمان في ربع نهائي دوري أبطال أوروبا قيد المراهنة.

عام 2014 كان الأسوأ لكبار مافيا المراهنات، وشهد سقوط 11 شبكة دولية من أصل 33 شبكة عالمية غير مشروعة تدير اللعبة المحرمة، وكانت العملية 'فيتو' الضربة الأقوى التي وجهها الأنتربول لمافيا المراهنات

وكان برشلونة متأخرا بأربعة أهداف في مباراة الإياب ولم يتوقع أكثر المتفائلين تسجيل الفريق الكتالوني العودة في النتيجة، ما جعل المراهنة حامية على المباراة، خصوصا وأن الشركة قررت نسبة الرهان (1 إلى 200)، بمعنى أن كل دولار يراهن به على فوز برشلونة يحصد 200 دولار في المقابل، ومثلا إذا راهن شخص على فوز برشلونة بمئة دولار فإن المكسب سيكون 20 ألف دولار، لكن هذا المبلغ تخصم منه نسبة الوسيط والضرائب التي تستقطع مبلغا كبيرا من عملية المراهنات.

من أشهر شركات المراهنات عبر الإنترنت شركة “بيت فاينال”، لكنها شركة حديثة العهد تأسست عام 2015، ونادي “بيت 365” الذي تأسس عام 2001 وحاصل على رخصة جبل طارق، ويعتبر سوق المراهنات مغريا للمتطلعين إلى حصد الأموال بسهولة، خصوصا مع وجود مباريات ذات نتيجة واضحة، وهو سبب يدفع العديد من المقامرين للمراهنة على أكثر من مباراة في وقت واحد محاولين توقّع نتيجة كل منها.

وتعتمد معظم المراهنات على ما يحدث خلال الوقت الأصلي للمباراة، ويستثنى الوقت الإضافي وضربات الجزاء، لكنه يتضمن الوقت المحتسب بدل الضائع، وبخلاف توقع نتيجة الفريق لصالح فريق بعينه يوجد خيار ثان من المراهنات يعتمد على إجمالي أهداف المباراة، ويحظى هذا النوع بالشعبية، وفي الغالب يصبح من الممكن التنبؤ بالمباريات ذات المعدل التهديفي المرتفع أو المنخفض.

كما يوجد الرهان على التنبؤ بنتيجة محددة وتطرح هذه الرهانات في صورة احتمالين هما: النتيجة من ناحية الفريق صاحب الأرض والنتيجة من ناحية الفريق الضيف، لذلك ينبغي التحقق من مدى صحة الاختيار.

فتح الملف في القاهرة

أثير فتح ملف المراهنات في مصر عام 2005 قبل أن يفتحه رئيس الزمالك مؤخرا، ما جعل اتحاد الكرة يؤكد أنه يتعامل مع أيّ تصريح من هذا النوع على أنه بلاغ رسمي سيتم التحقيق فيه ومحاسبة المتورط.

وكشف رئيس اتحاد الكرة المصري الأسبق سمير زاهر أن مجلسه تعاقد فعليا مع شركة للمراهنات في مباريات الدوري الممتاز بمعرفة وزارة التضامن، قائلا لـ“العرب” إنه كان سيتم عمل بطاقات تصويت للمواطنين وإرسال توقعاتهم لنتائج المباريات عبر مكتب البريد، لكنه أشار إلى أنه عند اللجوء إلى مؤسسة الأزهر رفضت الأمر برمته بداعي الحرام وبناء على هذا تم إغلاق الملف.

مرتضى منصور رئيس نادي الزمالك المصري يملك مستندات قوية

في دراسة لخبير التسويق الرياضي بجامعة المنصورة سعد شلبي تشير إلى أن عددا من الجهات التي تتابع الشأن الرياضي هي التي حددت نسبة الـ13 بالمئة من مباريات الدوري العام المصري التي تجرى عليها مراهنات.

وأكد شلبي لـ“العرب” أن المراهنات التي تم ضبطها تقوم عليها شركات تعرضت لضغوط من الاتحاد الأوروبي، وبدأت تهرب إلى ملاذ آمن لممارسة هذا النشاط بالدخول في رهانات على كل من الدوري المصري والأردني وهي لا تخضع في هذا النطاق لأيّ رقابة أو ضوابط لأن القانون المصري لم يحدد بشكل واضح كيفية التصدي لهذه الظاهرة.

ولفت إلى أنه يمكن استخدام وسائل عديدة للتصدي لمثل هذه الظاهرة من خلال المراقبة علي عمليات بطاقات الائتمان التي تستخدم في الرهان على المواقع المخصصة والتي يقوم المراهن من خلالها بدفع مبلغ الرهان، وهناك شركات تتعامل مع عملائها من المراهنين عبر رسائل خاصة تصلهم عبر وسائل الاتصال المختلفة وتحدد لهم طريقة الدفع واستلام المبالغ التي يربحونها إذا كان هناك ربح.

وتسبب فرض العديد من الاتحادات الأوروبية قيودا مشددة لمنح تراخيص الشركات التي تعمل في المراهنات في إيقاف العديد منها وبدأ بعضها البحث عن أسواق أخرى، وأحكمت عملية الرقابة على ملايين المراهنات التي ينظمها أكثر من ثلاثمئة جهاز شرعي للمراهنات، ويعاقب القانون حتى المتستر عن كشف معلومات من هذا النوع.

وكشفت كل الفضائح قبل نحو ثلاثة أعوام بعد أن وقع كتاب اسمه “ملوك كلونج” في يد وسائل إعلامية مصرية وعربية، وهو الكتاب الذي فجر فيه أحد زعماء مافيا المراهنات، السنغافوري ويسلون راج بيريومال، عمليات غير شرعية في مصر، وتلاعب في عدد من المباريات الودية والرسمية لمنتخب الفراعنة مثل مباراة أستراليا الودية (نوفمبر 2011)، ومباريات في كأس أمم أفريقيا 2010، واكتفت وزارة الشباب والرياضة المصرية وقتها (2014)، باستدعاء من كانوا في اتحاد الكرة وقت الفضيحة لسماع أقوالهم، دون أن تكلّف نفسها عناء توسيع دائرة التحقيق بالتعاون مع الأنتربول كما تفعل العديد من الدول التي تتعامل مع مثل هذه القضايا، خصوصا وأن بيريومال أكد وجود شخص وصفه بـ”الذراع اليمنى” له في الاتحاد المصري دون الكشف عن اسمه.

فتح ملف المراهنات في مصر عام 2005 أثير قبل أن يفتحه رئيس الزمالك مؤخرا، ما جعل اتحاد الكرة يؤكد أنه يتعامل مع أي تصريح من هذا النوع على أنه بلاغ رسمي سيتم التحقيق فيه ومحاسبة المتورط

سقوط شبكات كبرى

كان عام 2014 الأسوأ لكبار مافيا المراهنات وشهد سقوط 11 شبكة دولية من أصل 33 شبكة عالمية غير مشروعة تدير اللعبة المحرمة، وكانت العملية "فيتو" الضربة الأقوى التي وجهها الأنتربول لمافيا المراهنات، وتشير الإحصاءات إلى أن حجم الاستثمارات في هذا المجال قفز من 500 مليون دولار إلى أكثر من تريليون دولار.

وأوضحت التحقيقات تورط المدافع المغربي الدولي مهدي بن عطية، وتناولت صحيفة “ستار أفريكا” تورط اللاعب في علاقات مشبوهة مع عصابات المافيا الإيطالية، وقت أن كان يلعب في صفوف روما الإيطالي، وتم ذكر اسمه في مكالمات هاتفية تم رصدها بين أفراد العصابات في سبتمبر 2013، وفتحت السلطات الإيطالية تحقيقا حول علاقة عدد من اللاعبين مع عصابات المافيا، والبحث عمّا إذا كانوا متورطين في جرائم من عدمه.

كانت أكبر الفضائح قد هزت دولة زيمبابوي قبل نحو سبع سنوات وتسببت في إنزال عقوبة الإيقاف مدى الحياة بحق 15 لاعبا وفنيا وإداريا بينهم المدير التنفيذي السابق لاتحاد زيمبابوي لكرة القدم هنرييتا روشوايا ومدرب المنتخب الوطني صنداي شيدزامبوا على خلفية ضلوعهما في التلاعب بمباريات بين أعوام 2007 و2009، ما يؤكد أن مافيا المراهنات لا يتوقف عملها على البلدان المتقدمة كرويا، بل إنها تنتشر أينما وجدت أرضاً خصبة للتربّح.

وأسدل كتاب "ملوك كلونج" أيضا الستار عن أن حجم المراهنات يتضاعف عشرات المرات في السنوات التي تقام فيها التصفيات المؤهلة لكأس العالم وكذلك مباريات المونديال، لكن المفاجأة في تقارير الأنتربول كانت في أن قارة آسيا هي السوق الأوسع لهذا النوع من النشاطات بمعدل خمسة عشر ألف موقع إلكتروني يعمل في ثلاثمئة نوع من المراهنات حول العالم، إذ لا يتوقف الأمر على نتيجة المباراة فقط بل يتعداها إلى الرهان أحيانا على عدد الركلات الركنية المحتسبة في الشوط الأول مثلا.

وتعمد الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” زمن ولاية السويسري جوزيف بلاتر أن يصرف النظر عن عالم المراهنات الأسود، رغم أنه منح الشرعية لعدد من الشركات، وطبقا لخبراء يعملون مع الفيفا آنذاك فإن سوق المراهنات تدر سنويا 350 مليار دولار منها 100 مليار لمراهنات غير مشروعة وغير مسجلة عبر نشاط رسمي، دون الكشف عن النسبة التي يحصدها الفيفا مقابل منح الاعتماد الرسمي لمكاتب وشركات ومواقع إلكترونية خاصة بالمراهنات.

لكن الكشف المتتالي عن عمليات المراهنات دفع إحدى شركات الإنتاج الصينية لعمل فيلم يتحدث عن مافيا المراهنات، بعد فترة قليلة من نفوق الأخطبوط “بول” الذي حظي بشهرة عالمية لتكهنه بنتائج مباريات في كأس العالم 2010 بجنوب أفريقيا، ودار الفيلم الذي أخرجته شياو جيانغ حول مجموعة من مشجعي كرة القدم الصينيين الذين سافروا إلى جنوب أفريقيا لاكتشاف مؤامرة اتحاد دولي للمراهنة، وأخذت الحبكة تتشابك مع اكتشاف المشاهدين أن أسطورة بول تم اختلاقها واستغلالها لصالح مخطط للتلاعب في نتائج المباريات وعصابة دولية للمراهنات.

بالطبع هو عالم مظلم يهواه راغبو حصد الأموال، حتى وإن كانت الأمور تدار في بعض الشركات بصورة قانونية واحترافية، لكن ما تم الكشف عنه حتى الآن من المؤكد أنه لا يمثل سوى نسبة قليلة من الحجم الحقيقي لمافيا المراهنات.

22