المربد: الأماني تحبطها الوقائع

الخميس 2017/02/02

ما الذي يريد أن يفعله الشعر في عصر الحروب والمجازر الجماعية والترهيب والاحتلالات والخدع السياسية؟ وما هي قامة الشعر إزاء التحولات الجوهرية في بنية العالم الدراماتيكية؟ وهل يمكن للشعر بوصفه مادة لازمنية أن يشارك زمنه الحالي ولو بالمراثي؟ وهل يتشكل الشعر في مهرجان واحد ويؤسس قوامه من جديد على ركام الحياة التي لفظت الكثير من إنسانيتها في زمن الخراب العربي الشامل؟

هذه ليست أسئلة أهل المربد إنما أسئلة تواجه الشعر في خصوصياته التأملية والكونية في كل زمن محتمل، لا سيما في هذا الزمن الرمادي الذي فقد الكثير من معايير التواصل الحميم بين الشعر ومتلقيه في شبه قطيعة مبدئية تسببت فيها أحوال المجتمعات التي ينتمي إليها الشعر واللغة كالبصرة في تاريخيتها اللغوية والشعرية والإبداعية المعروفة التي انطلق منها الأربعاء مهرجان المربد بنسخته الثالثة عشرة، في محاولة لتكريسه من جديد كحاضنة شعرية قديمة لها عمق في التراث الأدبي والشعري العربي في عصر يشهد تحولات سردية مثيرة في بنيته الثقافية بشكلها العام.

لمهرجان المربد خصال قد لا تتوفر في مهرجانات عربية وعالمية كونه الأقدم تاريخيا، فهو من الأسواق القديمة في البصرة وعُرف في بداية العصر الأموي كموقع شعري يحج إليه الشعراء والبلاغيون لخصوبته الثقافية العامة، وما يحفل به من سجالات شعرية، وفنون البلاغة التي يقودها فطاحل اللغويين والنحويين والشعراء كالفراهيدي وابن المقفع والجاحظ وأبي نواس وسيبويه والأصمعي، وجرير والفرزدق اللذين كانا يتبارزان شعريا فيشكلان علامة من علامات التنافس الإشهاري في ساحته العامة مع جمهور تأصل الشعر على ذائقته ولسانه، مثلما هناك حلقات نقاشية وفكرية تستعرض ثقافات عامة بمشاركات فريدة من مثقفين فُرس وصينيين وهنود بوصف المربد سوقا معروفة في الأمصار القريبة والبعيدة.

بهذه الإطلالة التاريخية القديمة يُعاد سنويا هذا المربد في مدينة البصرة كحاضنة مكانية ونفسية، وفي الوقت الذي كان فيه قبل 2003 مجيّرا لصالح أيديولوجيا معينة منذ عام 1971، ومن ثم تحول لأغراض التعبئة الجماهيرية إبان الحرب العراقية-الإيرانية بمشاركة أطياف واسعة من الشعراء العرب والأجانب، لكن المربد تحرر بعد 2003 من هذه التبعية الثقيلة كما تحرر من المركز المتسلط عليه بغداد، وانتقل بجملته إلى عاصمته الثقافية مدينة البصرة منذ ثلاثة عشر عاما لتبقى أسئلة الشعر المفقود قائمة وبقوة.

حاول منظمو المهرجان في هذه الدورة أن يكون المربد نوعيا كما جاء في أدبياتهم الإعلانية وتصريحاتهم الكثيرة، وهو أمر ممكن جدا نظرا لعراقة المكان وشهرته الثقافية، لكن الأماني لا يُشفع لها أمام واقع الحال الشعرية التي تراجعت كثيرا مثلما لا يشفع للمنظمين اختياراتهم غير الدقيقة في فوضى الدعوات الخارجية والداخلية مع ملاحظة يبررها المسؤولون في العادة بأن الظرف الأمني يحول دائما دون استقدام شعراء مهمين من مختلف العالم، وهي ملاحظة تؤخذ بعين الاعتبار نسبيا، لكننا نرى أنّ الطريق الجوي والبري والبحري سالك إلى البصرة وهي من أكثر المحافظات هدوءا واستتبابا أمنيا.

أكثر من 400 شاعر وروائي وفنان وناقد عربي وأجنبي وعراقي يساهمون في هذه التظاهرة، غير أن النسبة العراقية هي الأكثر بطبيعة الحال مع قلّة أجنبية تمثلها إيران والهند وبريطانيا، وقلة عربية ممثلة بالكويت كضيف شرف للمهرجان، إضافة إلى سوريا والمغرب ومصر والسودان واليمن والجزائر ولبنان، وهو تمثيل خجول ومتواضع لا يرقى إلى مساحة المربد في التلقي الجماهيري بغياب أسماء شعرية ونقدية عربية وأجنبية مهمة كان لها أن تسهم بصناعة تقاليد مربدية جديدة وتساهم في صياغة جوهرية لإعادة مربد العرب إلى سابق مجده القديم.

أسئلة الشعر الكونية الدائبة لا تنتهي والمربد الذي يحمل أعباء أمنية على أكتافه لا يمكن أن يجيب على مثل هذه الأسئلة بطبيعة الحال.

كاتب من العراق

14