المربد الشعري يحتضن الموسيقى والغناء والفن التشكيلي

بحضور 270 شاعرا وأديبا ومثقفا من العراق ومن بلدان العالم العربي ودول أخرى، انتظمت نهاية الأسبوع الماضي بمدينة البصرة العراقية النسخة الـ13 من مهرجان المربد الشعري “دورة الشاعر مهدي محمد علي” تحت شعار “الشعر.. حاضر البصرة وماضيها”، ولم يقتصر المهرجان طيلة أيامه على قراءات شعرية في مكان واحد، كما لم يقتصر على الشعر، إذ انفتح على عدة فنون أخرى.
الاثنين 2017/02/06
شعراء المربد على ضفة نهر السياب الشهير "بويب"

احتضنت النسخة الـ13 لمهرجان المربد الشعري “دورة الشاعر مهدي محمد علي” والتي تقام بمدينة البصرة تحت شعار “الشعر.. حاضر البصرة وماضيها” العديد من الفعاليات الفنية الموسيقية والغنائية التي تعبر عن التراث الفلكلوري العراقي، ومعرضين صغيرين للكتب أحدهما لدار المكتبة الأهلية وهي دار تنشر وتوزع، والآخر لمطبوعات اتحاد الكتاب فرع البصرة، وثلاثة معارض؛ الأول للأشغال اليدوية والثاني للصور الفوتوغرافية والثالث للفنون التشكيلية، وجميعها من أعمال فناني البصرة، وقد تميزت بأنها تستلهم من بيئة البصرة في تجلياتها الطبيعية والإنسانية، وتقدم رؤية جمالية للحالات الإنسانية وما يعتمل بها من انعكاسات الواقع العراقي، وما شهده من أحداث وحروب وما يواجهه الآن.

الفنون البصرية

معرض الأشغال اليدوية الذي نظمه مركز الأشغال اليدوية في البصرة، ضم أعمالا توزعت بين الرسم على الورق والأواني وأعمال التخريم والحياكة والسجاد، وكلها مستوحاة من التراث الشعبي البصري.

أما معرض الصور الفوتوغرافية فعرض صورا تلتقط الحياة الخاصة للمواطن البصري ونماذج من العمارة القديمة ومشاهد من الطبيعة وحياة الصيادين، كما تهتم بعض الصور برصد حالات إنسانية مختلفة للبشر في لحظات أفراحهم وأحزانهم، وتلفت عين المشاهد بزوايا التقاطها واللعب على إيقاع الضوء والظل، وأيضا هناك محاولات بارزة لتوثيق الصورة في فضاء اللوحات والحياة معا.

أما معرض الفن التشكيلي فقدم نماذج من أعمال 56 فنانا تشكيليا ونحاتا يشكلون المشهد التشكيلي في مدينة البصرة، وعكس تنوعا في الرؤى والتفاصيل والمزج بين طاقات التجريب والتجسيد، لكن ظلت البيئة العراقية عامة والبصرية خاصة هي ما يشكل الإيقاع الفني في اللوحات، كما غلب على معظم اللوحات حس الهواية وهو ما منحها مسحة من العفوية والطزاجة. وقدم المعرض بعض القطع النحتية الخفيفة منفذة بخامة الخشب والحديد المطلي ببعض الأصباغ تضفي عليه ملمسا من روح التراث الشعبي لمدينة البصرة. وكذلك جاءت بعض الأعمال لتلقي الضوء على انعكاسات آثار الحرب على المواطنين.

الشعراء الضيوف زاروا بيت الشاعر بدر شاكر السياب وقدموا أصبوحة شعرية في كنف أحد أهم الشعراء العرب احتفاء بذكراه

ويؤكد مهدي السبهان، عضو جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين فرع البصرة، أن ما يقدمه الفنانون التشكيليون عبر نصوصهم البصرية هو استكمال لرسالة الفن السامية من خلال أنظمة الصورة، التي تثير في المتلقي انفعالا جماليا، وتحتاج إلى مساحات كبيرة من التأويل، فأغلب اللوحات عبارة عن خطاب مشفر لكن بدلالة متحررة عن النمطية. الكثير من الأعمال يمكن تشبيهها بنصوص متماسكة التكوين تسعى إلى التجريب المتواصل.

ويضيف السبهان “إن حقل التشكيل أفرز لنا أنساقا من الأشكال بقصدية واعية، ابتكرتها الذات الفاعلة لهذه المنجزات بتعدد الأساليب، التي تحاول المزامنة مع العصر في حداثته ونزعته للإتيان بالجديد عبر وسائل الابتكار للفنان البصري، الذي تمكن من خلال أدواته وطروحاته المختلفة من حجب المرئي ورؤية المحتجب في عمل فني متناهي الصغر بمقاسات اللوحة المتعارف عليها وطريقة العرض المميزة كمنزلة نصية للاختلاف واصطياد المعنى الغائب”.

ويؤكد ضيفنا أنه من العسير الإشارة إلى تجارب دون أخرى، فالبنية العلائقية لهذه المنجزات يمكن تحديد سماتها بالتقاط مصادر القوة من الإرث الكبير للحضارات الفاعلة، وإيجاد أنظمة للعلامة بسياقات معاصرة تضفي على النص البصري كينونته، فيما تندرج السمة الأخرى بحسب القوى الضاغطة والإدراك اللامحدود لبنائية الصورة والتحرر من النمطية والانفتاح على النص المعاصر ضمن حركة عناصر التكوين لهذه الأعمال الفنية، التي من خلالها نغترف المعنى من سياقات السرد البصري المشفر بالدال والمدلول، الشكل والمفهوم، وهي إشارة صورية إلى عالم المحسوسات التي أخذت حيزا معينا في بنائيتها من قبل الفنانين.

في ضيافة السياب

في تظاهرة شعرية صباحية ببيت الشاعر الرائد بدر شاكر السياب (1926 ـ 1964) بقرية جيكور ضمن فضاء أبي الخصيب جنوب مدينة البصرة، عاش شعراء المربد والنقاد المشاركون في النسخة الـ13 من المهرجان لحظة تاريخية مهمة في أجواء ومناخات الشاعر الراحل في اختتام أيام المربد هذا العام، استهلها الشاعر المصري جمال القصاص قائلا “هذا صباح الشعر حقا، أن تقول قصيدتك في بيت السياب، هذه لقية مبهجة، بل مصادفة استثنائية من مصادفات الوجود”. وتبارى باقي الشعراء في إلقاء قصائدهم في الباحة المفتوحة على السماء، وتحلق عدد كبير من الحضور في باحة البيت وسطحه خالقين جوا من الألفة والحميمية.

مهرجان المربد الشعري قدم عروضا موسيقية ومعارض للفن التشكيلي وأقام جولات شعرية في مختلف أنحاء البصرة

وقد استقبلت مجموعة من الأطفال يرتدون الزي الأبيض الشعراء بالورود والأغاني الحماسية المرحبة بهم والمحتفية بالوطن العراق، ولفت الجميع طفل صغير لم يتجاوز العاشرة، ألقى قصيدة لبدر شاكر السياب بحماس وانضباط لغوي كبيرين.

تظلّل بيت السياب ذا الطابق الواحد من كل نواحيه أشجار النخيل والنبق والأزهار، وتضم بعض حجراته المتراصة حول الباحة مجموعة من الصور الشخصية للسياب وأفراد عائلته، ومكتبة بها أعماله الشعرية مع أعمال لشعراء آخرين والبعض من كتب التراث. والبيت مشيد على طراز العمارة الفطرية البسيطة التي تعتمد على خامات من البيئة المحلية.

وقال أحد المسؤولين إن البيت لجد السياب وكان يعيش فيه مع جده وعدد من أفراد العائلة، وقد وقع ترميمه في السنوات الأخيرة من قبل وزارة الثقافة ليكون منتدى ثقافيا، تقام فيه العديد من الأنشطة الأدبية والشعرية.

وقد حرص جميع الشعراء والنقاد على الحضور لالتقاط الصور التذكارية في كنف البيت، وزيارة موقع نهر بويب الذي تغنى به السياب في قصيدة شهيرة له، وهو يقع على بعد خطوات من بيته، و”بويب” يشق بقايا بساتين ممتلئة بالنخيل والأشجار، وقاعه لا يجري فيه إلا القليل من المياه.

وفي البصرة، زار عدد من الشعراء تمثال السياب المنتصب على كورنيش شط العرب، والذي نحته الفنان العراقي الرائد نداء كاظم عام 1969 من البرونز وأزيح عنه الستار عام 1972، والتقط الشعراء صورا تذكارية إلى جواره، واللافت أن البصريين يواظبون على زيارة التمثال والتقاط الصور هم وأبناؤهم، وهو ما يعني أن التمثال أصبح أيقونة شعرية لمدينة البصرة.

وقد حرص النحات على المواءمة بين قيم التجريد والتجسيد في تصميم التمثال، والمحافظة على الفراغ من حوله ككتلة نحتية تساعد على مشاهدة التمثال من كل الزوايا، كما حرص على أن يكون التمثال واقفا في حالة شموخ كأنه يلقي قصيدة، دون تحييد قاعدته وكأن هناك علاقة عضوية بينها وبين جسد التمثال، وحفر على القاعدة مقطعا من قصيدة “غريب على الخليج”

15