المربد.. منبرية الشعر وعصرنته

الجمعة 2017/02/10

المِربَد ظاهرة جاهلية. لا أقصد المهرجان الذي أقيم مؤخراً، فهو في النهاية لقاءات مُسلّية وممتعة. مرّة قال لي صديقي المنصف المزغني وكان يتهيأ لإلقاء قصيدته في أحد المرابد، اِبق مع أليس وتمتعا بخرير النافورة، أما أنا فسأذهب لأقرأ شعراً للكراسي. يقصد عدم وجود جمهور يستمع للشعر. لكن المنبريّة في القراءة ارتبطت بالجاهلية، بينما ميليشيا الثقافة ظاهرة تمرّد ونتاج انسحاق وبنت عصر، شرط انتقالها لاحقاً من الظاهرة إلى النمط..

كنا نحضر المرابد ونحن نسخر منها في سرّنا. في الواقع كانت وسيلتنا الوحيدة للقاء الأصدقاء العرب ونحن في عزلتنا الأبدية. المشكلة أننا في العراق مازلنا نعتقد بأن الزمن توقف عند مرحلة السبعينات من القرن العشرين.. حَرَن فحَرنا، وكأن لا فيسبوك ولا تويتر ولا تهشيم للشعر ديوان العرب أو روايتهم المليئة بالأكاذيب والادعاءات الفارغة.

نحن لا نعبأ بالظواهر المعاصرة، لسنا بحاجة إليها في الحقيقة.. فقبل عشر سنوات تنبأ بيل غيتس باختفاء الـCD أو القرص المرن، الآن اختفى الـCD فعلاً وأصبحت الوسائط الإلكترونية مُجرّد حزم صغيرة لا مرئية، مثل الزمن تماماً. يقول الرومي “كف عن النسج ودع النمط يتشكّل”، لكن عندما أفكر الآن أدرك كم خدعونا معلمو الجغرافيا وكم دلّس معلمو التاريخ الوقائع.. حتّى اعتقدنا أننا أفضل الأمم وبلادنا أفضل البلدان. عندما يتحرر الوعي من هراءات المناهج المُدلّسة تلك.. أقصد لاحقاً عندما سنقرأ بودلير ورامبو وامبرتو إيكو، سنكتشف الفاجعة إن عاجلاً أم آجلاً.. سندرك كم كنا مخدوعين وأن بلادنا ليست سوى حديقة خلفية تعاقبت عليها أقوام الجبال، وأن عروقنا (مضروبة) وأننا لا نطل على البحر ولا ماء في سمائنا. تحفّنا أمم مُرعبة من جميع الجهات، أقصد مرعبة سواء بعمقها أو بضحالتها.

شخصياً أحب القائمين على المِربَد والاتحاد وجميع القائمين على كل شيء. لا ضغينة عندي ولا إساءة. الماء يحمل الضغائن ويلقي بها في البحر، كما يقول لوح سومري، حتى أن البحر من كثرة ما يرده من الضغائن أصبح مالحاً. الأمر لا يتعلق بالتفاعل، بل بالاجتراح طبعاً.

طالما أحببت الجغرافيا وخرائط البلدان حتّى اعتقدت بأنني عندما أحلّق سأرى تلك البلدان الملوّنة تنسحب تحتي. لكنّ حلمي تبدد ما إن صعدت بالطائرة.. في الواقع لا شيء تحت سوى الرمال والحجارة المتشابهة بينما تسبح الغيوم طليقة في سماوات البلدان. كان جواد الضايع، معلم الجغرافيا في المدرسة المركزية، شيوعياً، فلم يُسقطني في الامتحان عندما رسمت العالم كلّه باللون الأحمر ودجلة والفرات يلتقيان في موسكو وليس في القرنة.

الآن عندما أتذكّر تلك التفصيلات أحمد الله على أنَّني لم أفعل ذلك في هذا الزمان المارق، الذي يشهد تشوهات خلقية لكل ما هو جميل ومفيد، ففي الوقت الذي وصم فيه العراق بلوثة الشعر وامتلاكه لسره الغامض، أقصد لوثة بدر شاكر السيّاب ونازك الملائكة وعبدالوهاب البياتي ورشدي العامل وسعدي يوسف وغيرهم، كانت ولادة المربد-المهرجان وليس الظاهرة الجاهلية، ضرورة المعطيات الفنية وتمخضاتها، حتّى عندما حاول البعض تجييره لصالح الأنظمة العابرة، ظل المِربَد كبيراً كمعطى وكحضور ومناخ شعري وجد الشعراء العرب فيه ضالتهم للقاء وتبادل الحديث عن جدوى الشعر وماهيته، الآن في زمن التردي العربي بشكل عام والعراقي بشكل خاص، يصر البعض على عقد المهرجان وإن بطريقة مهلهلة وضعيفة وشبه محلية.

وأمام تلك الظاهرة لا بدّ للمرء أن يتساءل عن جدوى تنظيمه ما لم يكن مستوفياً لشروطه الوطنية والإبداعية، ولِمَ التمادي في الإساءة للمظاهر الوطنية التي هي آخر ما تبقى لنا في العراق؟

كاتب من العراق

14
مقالات ذات صلة