المرجعية حين تصمت

الجمعة 2016/04/01

حين رفعت المرجعية الدينية (الشيعية) في النجف ممثلة بالسيد علي السيستاني يدها عن العملية السياسية، فإنها في الحقيقة أزاحت الستارة التي كانت تختبئ وراءها الأحزاب والكتل السياسية الحاكمة وجرّتها إلى منطقة مكشوفة وجرّدتها من أشد أسلحتها مضاء على المستوى الشعبي.

وهو ما يعني أن المرجعية كانت عبر أكثر من عقد من الزمان بمثابة ورقة توت، ما إن اختفت حتى ظهر السياسيون العراقيون عراة، دفعهم عجزهم عن الدفاع عن ماضيهم الملوّث بالفساد إلى أن يضحّي بعضهم بالبعض الآخر، بعد أن تبيّن لهم أن الإرادة الشعبية التي ضللتها المرجعية التي نطقت في ظل الاحتلال بعد أن صمتت دهورا صارت قادرة على الزج بهم في مناطق المساءلة الحرجة.

لقد أوهم أولئك السياسيون البسطاء من الناس أن المرجعية خط أحمر، ينبغي عدم تجاوزه. ولأن المرجعية لم تبخل في تقديم الدعم لهم وإسنادهم فقد استغرقوا في الفساد غير المسبوق، درجة ونوعا.

لقد أزعج تواطؤ المرجعية مع سلوك السياسيين العراقيين الذي يفتقد إلى أدنى الشروط الإنسانية والوطنية والأخلاقية والمهنية انزعاج الكثيرين، ممّن كانوا إلى وقت قريب ينظرون إلى مرجعية النجف باحترام، انطلاقا من كونها فضّلت عدم الخلط بين ما هو سياسي وما هو ديني.

في حقيقتها فقد كانت مواقف المرجعية في الكثير من اللحظات الحرجة التي مر بها العراق بعد الاحتلال الأميركي تستدعي الشعور بالفجيعة. وكما أرى فإن تلك المواقف هي التي قادت العراق إلى الحالة الرثة والكئيبة التي انتهى إليها.

لقد لعبت المرجعية دورا خطيرا في تدمير العراق وتمزيق وحدة نسيجه الاجتماعي. وهو ما استفاد منه السياسيون الطائفيون، فصاروا يزيّنون عمليات فسادهم بشعارات دينية ذات منحى طائفي مكشوف.

كانوا في اللحظة التي يمدّون أيديهم إلى أموال الشعب يرددون الهتافات الموالية لآل البيت، الداعية إلى الانتقام من قتلتهم الوهميين. لقد رفعت الجموع بهستيريا واضحة شعار “يا لثارات الحسين” في غير مناسبة تنفيذا لأوامر أولئك السياسيين الذين قرروا أن ينوبوا عن الإمام الحسين في عصرنا. اليوم وقد استعادت المرجعية صوابها عاد كل شيء إلى مكانه.

لقد فوجئ التحالف الوطني (الشيعي) الحاكم ممثلا بحزب الدعوة بمَن يسأله عن حقيقة مشروعه السياسي لا عن حجم ولائه لآل البيت الذين رحل آخرهم عن حياتنا منذ أكثر من ألف سنة.

من حقهم أن يُصدموا وهم الذين كانوا يلوذون بالمرجعية من قبل.

“كم هي عظيمة المرجعية حين تصمت” وهو اكتشاف شعبي متأخر، غير أنه مفيد على مستوى فهم ما جرى وما يجري.

ما فقده الشعب العراقي خلال عشر سنوات من النصب والاحتيال باسم المرجعية لا يمكن تعويضه. غير أن من حق الشعب أن يفكّر بمستقبله. ذلك النوع من التفكير هو الذي يؤرّق السياسيين الذين سهّلت لهم المرجعية اللجوء إلى قوارب الماضي لينقلوا بها الشعب المسكين والحزين إلى أرض كربلاء. هناك حيث تأخذ الفجيعة مداها الأسطوري الكامل.

في مواجهة ذلك النوع الشعبي الجديد من التفكير اهتزت العملية السياسية التي كانت قائمة أصلا على الزّيف والخداع ومباركة مرجعية لم تكن ترى في الفقر في بلد ثري مثلبا يسيء إلى كرامتها.

وإذا ما كانت المرجعية في الأيام الخوالي قد قامت بضبط المعادلة السياسية بين الأطراف الشيعية المتصارعة على الغنائم، فإن غيابها اليوم قد شكّل مناسبة لانقضاض الشعب على سارقي لقمته.

الأوضاع خطيرة في العراق. مَن استقوى بالسلطة عشر سنوات، منعمّا بترف لم يُسعد به الفقراء، لن يكون في إمكانه أن يقبل بمساءلته، فكيف إذا كان المطلوب دفعه إلى الاعتراف بما جنته يداه من المال الحرام؟

ما من شيء يشير إلى أن سياسيي العراق سيخرجون سالمين من المأزق الذي هم فيه.

كاتب عراقي

9