المرح في بيت جدي

الجمعة 2017/10/20

يقول الكاتب الكوميدي الأميركي تيم واشر “إذا أخبرتك بمزحة وضحكت عليها، فمعنى ذلك أننا تقاسمنا لحظة معينة، وأصبح بيننا شيء مشترك”.

أعادني هذا القول عقودا من الزمن إلى الوراء، فاسترجعت ذكريات جميلة ما زالت عالقة في ثنايا وجداني، وتتداعى في ذاكرتي كلما عاودني الحنين إلى بيت جدي وأبناء وبنات عمي الذين عشت معهم سنوات طفولتي الأولى وتقاسمت معهم المسامرات، التي لا يمكن أن يطويها النسيان، على الأقل بالنسبة لي.

لقد كبرنا وفرقتنا دروب الحياة وأصبحت لكل منا حياته الخاصة، لكنني ما زلت أحتفظ بداخلي بأثمن ميراث ورثته من تلك الحياة الطفولية المشتركة، ومن آبائي وأجدادي، لقد ألهموني كيف أقدر حياتي بشكل أكثر، وأقدر الأشخاص الموجودين فيها. كم أشعر أنني ممتنة لهم جميعا، ولما تركوه بداخلي من أثر إيجابي، فبفضلهم اكتسبت حصانة معنوية ضد الأزمات، وصدرا قادرا على التحمل والصبر، وابتسامة سحرية لا تفارقني، بل تساعدني في تخفيف وطأة الأعباء اليومية.

لم نعرف في صغرنا القلق، ولم يعكر صفو حياتنا الروتين والقلق كما هو شائع بين الأطفال اليوم، كان كل فرد داخل أسرتنا الكبيرة قادرا على صنع الابتسامة في كل لحظة نجتمع فيها أثناء القيلولة أو ليلا، وكانت قهقهاتنا الصافية العذبة تملأ أرجاء بيت جدي الذي كان حافلا بنجوانا، وكل ركن فيه يزهو فرحا بصخبنا.

لا أتذكر أبدا أننا شكونا من برد أو تذمرنا من حر، فقد كنا نتدفأ بأنفاس بعضنا ونتدثر بالكلمات التي كانت تنساب من أفواهنا، ونتنافس دون كلل أو ملل في إبراز قدراتنا على الإضحاك ورسم الابتسامة على شفاه الجميع، وتميزنا في سرد طرائف جحا ودعابات استقيناها من هنا وهناك، كنا ندخل جميعا في نوبات من الضحك، بغض النظر عما إذا كانت النكات التي نلقيها مضحكة فعلا.

رغم بساطة الحياة وصعوبتها في تلك الفترة، لم أسمع أجدادي وأعمامي يتذمرون أو يتخاصمون، على العكس لقد كانوا محافظين على المرح بينهم ويضحكون ملء نفوسهم المقبلة على الحياة متحدين كل المنغصات والصعوبات، ولعل هذا ما كان يعطيهم ويعطينا كل يوم منظورا جديدا للحياة. واليوم، عندما نلقي نظرة عامة على حياة الأسر، نجدها تعيش حياة مثقلة بالأجهزة الإلكترونية والتطبيقات، حتى الأطفال صاروا مرتبطين ومتصلين طوال الوقت بالأجهزة والوسائط الرقمية.

وهناك قاسم مشترك بين هذه الأسر، ترفض أغلبيتها التفكير فيه أو الإقرار به، لكن المؤكد أن الكثير من أفرادها كبارا وصغارا لا يشعرون بمعنى السعادة الحقيقية.

ثمة إقرار قابع في مكان ما في أعماق نفوسهم، مفاده أن الحزن ضارب بجذوره في حياتهم، وكل ذلك بسبب انشغالهم الدائم عن بعضهم وعدم إعطاء أنفسهم فرصة للتقارب والتحابب وللاسترخاء من الضغوط اليومية.

لا توجد وصفة أفضل من الأجواء العائلية الدافئة على مائدة العشاء، تلك التي ينفجر فيها الجميع من الضحك وهم يسخرون من شخص جالس على المائدة، أو يتبادلون الطرائف في ما بينهم، لتبديد التوتر وتفريغ الطاقة السلبية وتنقية القلوب والأذهان من الهموم، وأخذ نفس عميق من أجل مواصلة الحياة.

قد تبدو النكات والدعابات لدى البعض شيئا عابرا تافها بلا معنى أو بلا هدف، لكنها في الواقع ليست كذلك، فهي دائما تحمل الكثير من الفوائد، كما أن الضحك الناتج عنها ليس مجرد رد فعل تجاه مواقف مضحكة، بل هو وسيلة دفاع معنوية تكبح جماح الأمراض النفسية، بل وربما تسرع التعافي منها.

فلا شيء يرمم انكسارات الحياة غير اللحظات الحميمية المسروقة من الحياة، ولا شيء يعيد الحرارة للمشاعر الفاترة غير الابتسامات التي ترتسم على الوجوه فتجعلها أكثر إشراقا وجاذبية، فعندما نضحك مع أفراد أسرنا، فنحن نظهر لهم كم نحبهم، وكم نتفق معهم، وكم نحن منسجمون معهم.

كاتبة من تونس مقيمة في لندن

21