المرزوقي.. بالأسود فقط

الخميس 2013/12/05

بعد فترة قصيرة من سقوط نظام بن علي، كنت في التّاكسي منطلقا من الحمّامات إلى نابل. وكان المرزوقي العائد من منفاه الباريسي، والذي أعلن حال وصوله إلى مطار تونس-قرطاج أنه سيترشح للرّئاسة، يتحدّث في إحدى الإذاعات بحماسه وتوتره المعهودين عنده منذ زمن بعيد.

وأذكر أنّني سمعته يقول أنه «الإبن الرّوحي» لكلّ من الزعيم الهندي الماتهاما غاندي، والزعيم الأفريقي نلسون مانديلا. ولم أفاجئ بذلك، فالذين يعرفون المرزوقي عن كثب يعلمون أنه من أولئك الذين يستهويهم التّفاخر بما ليس من صفاتهم، ويتمثّلون بمن لا تربطهم به أية صلة روحيّة أو فكريّة أو أخلاقيّة لا من قريب ولا من بعيد.

ولو كان هذا الرّجل عارفا بمفهوم الزعامة ومدركا لأسرار السياسة، لقدّم نفسه للمستمعين إليه دون مبالغة أو إفراط. فإن شاء التشبّه بزعيم ما، ففي وطنه من الزعماء ما يكفي ويزيد. ولكن يبدو أن الخطأ قديم. فعندما ولد في الأربعينات من الماضي، سَمّى الوالد ابنه باسمين اثنين، مثقلا عليه المهمّة منذ البداية. فهو محمّد نسبة إلى الرّسول، وهو المنصف نسبة إلى المنصف باي الذي كان أول باي في العائلة الحسينية يتمرّد على الاستعمار الفرنسي، فيخلع عن عرشه ويرسل إلى المنفى ليموت بعيدا عن وطنه.

ولعلّ المرزوقي خيل إليه عندما كبر أنه بإمكانه أن يتحمّل العبء الثقيل للاسمين الكبيرين. لذلك سوف يظهر في سلوكه وفي أفعاله من الشطط ما سيكشف لا عن ثراء شخصيته وصلابتها، بل عن فقرها وضعفها وهشاشتها واهتزازها المعنوي والسيكولوجي، ويفضح فيها جوانب مظلمة لم يتمكن رفاقه في النضال من التنبه إليها أيام المواجهة مع نظامي بورقيبة وبن علي.

ويكفينا تتبعه على مدى العامين الماضيين، أي منذ دخوله قصر قرطاج إلى حد هذه الساعة لكي نثبت بالدليل القاطع ما سبق أن ذكرنا. فقد تنكر المرزوقي لكل الوعود التي قطعها على نفسه خلال الأشهر التي سبقت انتخابات 23 أكتوبر 2011، ليس فقط لأنه قبل أن يكون رئيسا بلا صلاحيّات، وإنّما لأنه مثل كلّ الشعبوييّن الذين ابتليت بهم تونس في أيّامها العصيبة هذه، يقول الشيء ويفعل نقيضه، إن لم يكن أسوأ منه.

وعوض أن يكون وفيا لمن كان يزعم أنهما أبواه الروحياّن أي غاندي ومانديلا. أعلن حال دخوله قصر قرطاج أنه لن يضع ربطة العنق إلا إذا ما وضعها الشيخ راشد الغنّوشي! ولعله أراد أن يوحي لنا من خلال كلامه هذا، أنّه لن يقدم على فعل شيء دون الحصول على رضى زعيم النهضة الذي أصبح ولي نعمته، به يقتدي وبه يستعين.

وأملا في الحصول على شعبية تمحي زعامة بورقيبة من ذاكرة التونسيين، ارتدى المرزوقي البرنس ووضع مظلة الفقراء على رأسه، غير أن النّتيجة كانت نقيض ما تمنى وما ترجاه. وراكبا ظهر الحصان الجامح لزعامته الوهمية ظهر على الشاشات التلفزيونية ليقرر من جانب واحد فتح حدود تونس لكلّ المغاربة. وهو أمر لم يأت به حتى القذافي في عنفوان حماسه للقوميّة العربيّة!

ورغم أنه محاط بجيش من المستشارين، فإن المرزوقي راح يراكم الأخطاء والزلات. فقد قسم التونسيات إلى منقبات وسافرات. وزاد فاحتفى في قصر قرطاج بمنقبة ملتقطا معها صورة إرضاء للسلفيين الغاضبين بعد أن تجاسر على انتقاد تطرفهم، ومنتقما من بورقيبة الذي نزع الحجاب عن طالبة أوائل أشهر الاستقلال أمام شيوخ جامع الزيتونة. ولم يكتف بذلك بل ظهر في قصر قرطاج محاطا بشيوخ عرفوا بتحريضهم على العنف، وعلى ما يسمّى»جهاد النكاح».

وبعد أن انتقد ما يسمى «رابطات حماية الثورة»، احتفى بقادتها وأنصارها في قصر قرطاج، غاضا الطرف عن الجرائم التي ارتكبوها ضد مثقفين وسياسيين معارضين للترويكا. وهاجم أكثر من مرة أحزاب المعارضة من خارج البلاد، متوعدا من سماهم بـ«العلمانيين» بالمشانق.

ومن حين لآخر يأتي المرزوقي بعجائب وغرائب لا تخطر على بال أحد. فمن نيويورك حيث كان يشارك في القمّة السنوية للأمم المتحدة (خريف عام 2012) طار إلى البيرو التي لا تربطها مع بلاده أي صله، فقط ليتصور وهو محتضن رئيسها الذي يقال إنه أفقر رئيس في العالم. لكن حال عودته من تلك «السفرة الميمونة» طالب بالترفيع من ميزانية الرئاسة ورافعا عدد مستشاريه الذين لا يفعلون شيئا آخر غير دفعه لارتكاب المزيد من الأخطاء والهفوات القاتلة.

وكان العام الثاني الذي أمضاه المرزوقي في قصر قرطاج (2013) عاما أسود بالمعنى الحقيقي للكلمة.

فقد عرفت تونس خلاله أزمات مرعبة على المستوى السياسي، ففي مطلعه اغتيل المناضل التقدمي شكري بلعيد أمام بيته، وفي يوم الاحتفال بعيد الجمهورية 25 من يوليو الماضي، اقترفت جريمة سياسية أخرى ذهب ضحيتها المناضل القومي محمد البراهمي.

وفي هذا العام أيضا تحولت تونس إلى معقل للمنظمات الإرهابية. وبسبب ذلك قتل العديد من الضباط والجنود وذبحوا وشوهت أجسادهم. كما حدثت عديد الجرائم الإرهابية الأخرى التي روّعت التونسيين، وأغرقتهم في الخوف على مستقبلهم ومستقبل بلادهم. إضافة إلى كل هذه الكوارث ظهرت عديد المؤشرات التي تدل على أن البلاد أصبحت مهددّة بانهيار اقتصادي وبفوضى عارمة على الطريقة الصوماليّة.

كما استفحل الفساد والمحسوبية، وتراكمت الأوساخ في المدن والقرى، وتعددت جرائم العنف والسرقة. ومع ذلك لم يهتمّ سيادة الرئيس المرزوقي بكلّ هذا، ولم يعره ما يليق به من الاهتمام والمتابعة.

وها هو ينهي عام المصائب التي لم يسبق لها مثيل منذ استقلال تونس، بإصدار «الكتاب الأسود» كاشفا من خلاله على من سماهم ب»المتعاونين مع نظام بن علي». ونسي أن «القائمات السوداء» هي من اختصاص الفاشيين ورجال العصابات، ولا هدف من ورائها غير إشاعة الضغائن والأحقاد، وتمزيق أوصال المجتمع، وبث الفتنة والتحريض على الجرائم السياسيّة.

ولكن ليكن المرزوقي على يقين أن «كتابه الأسود» لن يكون غير علامة سوداء أخرى في سجلّه، وفي فترته الرئاسيّة التي نرجو ألا تطول وألا تتكرر أبدا.

كاتب تونسي

8