المرزوقي معارض ليبيرالي.. ورئيس إخواني

الجمعة 2013/10/04

طريف الرئيس التونسي المنصف المرزوقي. إنه يهتّم بأمور كثيرة تدور في العالم، فيما يفترض به الانصراف إلى شأن واحد وحيد هو تونس.

بكلام أوضح، يستغلّ المرزوقي خطابه أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة للتدخل في شؤون مصر، وكأنه ناطق آخر باسم التنظيم العالمي للإخوان المسلمين.

لا يمكن للمرء تجاهل الشجاعة التي كان المنصف المرزوقي يتحلّى بها في الماضي القريب. فهو رجل ينتمي، في الأصل، إلى مدرسة سياسية أخرى لا علاقة لها بالإخوان. كان ذلك عندما تجرّأ، قبل سنوات، على الوقوف في وجه النظام التونسي السابق الذي تميّز بضيق أفقه السياسي وضيق صدره مع السياسيين الآخرين، خصوصا إذا كانوا معارضين. جاء المرزوقي من مدرسة سياسية ليبيرالية، أو هكذا يفترض. ترفض هذه المدرسة ثقافة هيمنة حزب واحد على السلطة، بغض النظر عن منطلقات هذا الحزب.

كيف حصل هذا التحوّل الكبير وكيف يمكن لسياسي ليبيرالي، يعرف ما هو القانون ويتمسّك بقيم العدالة والحقّ والحرّية، القيام بهذا الانقلاب على الذات، الذي هو انقلاب على المبادئ التي نادى بها طوال حياته السابقة؟

هل يكفي منصب الرئاسة الذي وصل إليه المرزوقي أخيرا لتبرير هذا التصرّف الغريب؟

إنه تصرّف لسياسي ليبيرالي يضع نفسه في تصرّف حزب متسلط أراد السيطرة على مصر والاحتفاظ بالسلطة إلى ما لا نهاية.

الأخطر من ذلك كلّه، أن من يدعم نظام الإخوان في مصر إنما يدعم في الوقت ذاته أمرين. الأمر الأوّل يتمثّل في السعي إلى تغيير طبيعة المجتمع المصري في العمق بهدف تسهيل عملية السيطرة عليه، على غرار ما حصل في قطاع غزة. أمّا الأمر الآخر فهو غضّ النظر عن انتشار فوضى السلاح في كل أنحاء مصر، خصوصا في سيناء وذلك بهدف إلهاء المؤسسة العسكرية ومنعها من تأدية مهمتها الاساسية المتمثلة في حماية الأمن المصري.

هل يتذكّر المرزوقي سلسلة الاعتداءات التي تعرّضت لها القوات المصرية من جيش وشرطة وأمن مركزي في سيناء، وكيف تصرّف نظام الإخوان تجاه هذه الاعتداءات؟ ألا يوجد وجه شبه بين النشاط الإرهابي في مصر في عهد الإخوان، الذي استمرّ سنة كاملة، وما جرى وما يزال يجري على التراب التونسي حيث اغتيالات تستهدف سياسيين واعتداءات على القوات المسلحة، خصوصا في المنطقة القريبة من الجزائر؟

ما يفعله الرئيس التونسي حاليا، بدل الانضمام إلى العرب الواعين والشرفاء الذين ساعدوا في إنقاذ مصر وإخراجها من براثن الإخوان المسلمين، يتمثّل في دعم تيّار ظلامي.

ساعد هذا التيّار في منع «ثورة الياسمين» من تحقيق أي هدف من أهدافها، بعدما تبيّن أن حركة النهضة، أي الإخوان في تونس، لا تمتلك أي مشروع من أي نوع كان على أي صعيد كان، لا اجتماعيا ولا ثقافيا ولا اقتصاديا ولا سياسيا. هدف النهضة يبدو واضحا كلّ الوضوح. إنه السلطة من أجل السلطة وليس إقامة نظام ديمقراطي حقيقي يجعل من تونس نموذجا يُحتذى به في المنطقة كلّها، بدل أن تكون تونس النموذج الذي يجب تجنّبه.. كما هو حاصل الآن للأسف الشديد.

لا تحتاج مصر إلى دروس من أحد. هناك نظام قام على أنقاض نظام حسني مبارك بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011. استطاع الإخوان المسلمون خطف تلك الثورة بعدما قدّموا سلسلة من الوعود لم يحترموا أيّا منها. كان من بين الوعود عدم السعي إلى أن يكون رئيس الجمهورية منهم.

حسنا، رضخوا لغريزتهم التي تجسّدها عبارة الشبق إلى السلطة، وهو شبق لا شبق بعده.

هل هذه هي الديمقراطية التي يعد بها الإخوان الشعب المصري، وهي ديمقراطية تقوم على الذهاب إلى صناديق الاقتراع لمرّة واحدة يستغلها الإخوان لتغيير طبيعة المؤسسات المصرية، بما في ذلك القضاء، وجعلها أداة في يدهم بما يسهّل عليهم تكرار تجارب العسكر في معظم أنحاء العالم العربي؟

ما يرفضه التونسيون حاليا هو ما رفضه الشعب المصري الذي ثار على حكم الإخوان في الثلاثين من حزيران- يونيو الماضي. وقد لقيت ثورته دعما من المؤسسة العسكرية لاحقا ومن العرب الذين يرفضون سقوط مصر وتحوّلها إلى تابع للإمارة الطالبانية التي أقامتها «حماس» في قطاع غزّة.

ما يرفضه الرئيس المرزوقي عندما يهاجم مصر هو الانحياز إلى الشعبين المصري والتونسي في توقهما إلى الحرية وإقامة نظام جديد يستند إلى مبادئ الحرية والعدالة والديمقراطية، بديلا من الحزب الواحد المتسلط الذي يمثله الإخوان المسلمون بكلّ طبعاتهم.

كان الأجدر بالرئيس التونسي الانضمام إلى مواطنيه المطالبين بدولة عصرية ودستور جديد وحكومة مختلفة ترفض تغطية الجرائم المرتكبة مثل الجريمتين اللتين ذهب ضحيتهما شكري بلعيد ومحمد البراهمي. هذا كلّ ما في الأمر. لا مجال للحيرة والتردد، لا في مصر ولا في تونس، حين يتعلّق الأمر بالقيم الإنسانية التي كان المرزوقي ينادي بها عندما كان معارضا.

ما نشهده في تونس حاليا أسوأ بكثير مما شهدناه في عهد زين العابدين بن علي الذي بدأ التونسيون يترحّمون عليه على الرغم من كلّ الشوائب التي تخللت رئاسته. ما يشفع لزين العابدين أنه حافظ إلى حدّ ما على بعض من قيم الجمهورية التي أسسها رجل كبير اسمه الحبيب بورقيبة، تكمن مشكلته في أنه لم يتخلّ عن السلطة عندما تقدّم به العمر وبات عاجزا عن ممارستها.

في النهاية، لا تستحق الرئاسة التونسية كلّ هذه التضحية بالمبادئ، خصوصا أن السلطة في تونس محصورة بكلّ مفاصلها في مكان واحد، أي لدى النهضة التي هي جزء لا يتجزّأ من الإخوان المسلمين.

هل انتهى المرزوقي إخوانيا، من أجل منصب فخري لا أكثر، بدل الانحياز إلى تونس العصرية والقوى الحيّة في المجتمع، أي لتونس وشعبها الرافض للسقوط في فخّ التخلف والظلم والظلام والظلامية الذي ينصبه له الإخوان؟


إعلامي لبناني

8