المرزوقي وعود الثقاب

الجمعة 2013/12/13

الكتاب الأسود الذي صدر في تونس مؤخرا كان آخر عود ثقاب بيد الترويكا، وقد أشعله المرزوقي وأنهى فاعليته، وخلّص البلاد والعباد من حلقات التهديد المبتذل للإعلاميين والمثقفين والفنانين، وبالمقابل فتح على نفسه وحلفائه بابا من الصعب غلقه، وأغلق بابا كان يظن أنه سيبقى مفتوحا على الدوام.

أما الباب الذي فتحه المرزوقي فعلى نفسه، وهو باب الغضب والاستياء والتشكيك في جدارته بالحكم، وفي صفته الحقوقية، وفي تاريخه النضالي، وفي كل ما كان يرويه عن بطولاته وبطولات والده، ثم وصل إلى رفع دعاوى قضائية ضده من قبل سياسيين وحقوقيين وإعلاميين، والتحق الرياضيون بصفوف الغاضبين، فكانت انتفاضة جمهور فريق الترجي الرياضي أعرق فرق الرياضة التونسية، الذي يستطيع لوحده تغيير خارطة التوازنات السياسية في تونس نظرا لكثافة عدده وتعدد مواقعه وتوزع حضوره على أغلب مناطق البلاد، وقدرته على تحريك الشارع.

وأما الباب الذي أغلقه المزروقي بكتابه الأسود، فهو باب الابتزاز المتعمد لرجال الإعلام والثقافة والإبداع في تونس، ممن كانوا متهمين بالتعاطي مع النظام السابق في إطار مشروع الشيطنة للحكام السابقين، والذي فرضته ماكينة الإعلام "الثوري" لخدمة المشروع الإخواني في المنطقة، قبل أن يسقط نهائيا بعد أن أكتشفت الشعوب المسكينة، وعلى رأسها الشعب المصري ثم الشعب التونسي، أن ما حدث لم يكن أكثر من انقلاب هدفه إعادة توزيع الثروة والنفوذ وتقاسم السلطة بين قوى بديلة، مستعدة أكثر من سابقتها للتفريط في مبدأ السيادة الوطنية والقرار الوطني، وفي تكريس الفوضى وتقسيم المجتمعات وتحويل الدول إلى كانتونات حزبية وعقائدية ملتحقة بأردية القوى والأجهزة الخارجية.

وهكذا، وجد المرزوقي وجماعته أنفسهم في وضع غير محسودين عليه، فلا الشعب تعاطف معهم، ولا الحلفاء دافعوا عنهم، ولا عود كبريتهم الأخير أشعل النار في بقايا كومة تبن الأزلام، وإنما انطفأت الشعلة بسرعة، وسقط رهان الرئيس وحزبه، وانتعش من ورود ذكرهم في الكتاب الأسود، واكتشفوا أن ما حدث أعاد لهم الاعتبار، وذكّر التونسيين بأنه قد كانت لهم دولة ذات هيبة، قبل أن تتحوّل إلى ملعب خلفي لرياضات الكراهية والثأر والابتذال والابتزاز السخيف.

24