المرزوقي يلبس برنس بوش: من ليس معي فهو ضدي

الخميس 2014/11/20

الحملات الانتخابية على أشدها قبل أقل من 48 ساعة على بداية الصمت الانتخابي، ومن المنتظر أن تكون المشاركة الشعبية كبيرة بعد أن أخذت الحملات منحى مثيرا وخطيرا فاق الرهان على الانتخابات التشريعية.

ورغم من سيفوز بكرسي قرطاج سيكون تأثيره محدودا في منظومة الحكم الجديدة وفق الدستور، إلا أن المعارك الكلامية في وسائل الإعلام التقليدية، وحملات النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي جعلت لهذا الكرسي وزنا كبيرا.

وكانت خسارة حركة النهضة الإسلامية لأغلبيتها في الانتخابات التشريعية أهم عامل وراء اشتعال حرب الكرسي في قرطاج.

وبعد أن كانت الحركة تعرض هذا الكرسي هبة على أصدقائها من بوابة ما أسمته “الرئيس التوافقي” الذي يعني “كن رئيسا ولكن في خدمة النهضة”، فإنها أصبحت الآن تبحث عن تصعيد الرئيس المنتهية ولايته المنصف المرزوقي إلى هذا الكرسي وتحشد لهذه المهمة أنصارها في كل المحافظات تماما مثل الحشود التي جمعتها في الانتخابات التشريعية، لكنها لم تمكنها من الفوز.

الحركة تقول في الظاهر إنها لا تدعم المرزوقي وترسل بإشارات متناقضة إلى كل الخصوم، لكن المتابعين يعرفون أن الرئيس الذي يكنى بـ“المؤقت” لا يستطيع أن يجمع المئات لو لا أوامر سرية من النهضة لأتباعها، فكيف أصبحت اجتماعات تضم الآلاف وفي حركة استعراضية لافتة للنظر، مع أن حزبه المؤتمر من أجل الجمهورية، خسر موقعه في البرلمان ولم يجمع سوى أربعة مقاعد؟

لكن الأمر يتجاوز نقد ازدواجية موقف حركة النهضة، وهو أمر معهود ولازمة في سياستها، إلى نقد ما هو أخطر، ونعني الخطاب الذي رافق حملة المرزوقي.

هذا الخطاب أخرج الانتخابات من دائرة التنافس الديمقراطي على موقع رئيس جمهورية بدور تشريفي اعتباري إلى حرب وجود، وبمنطق “تُفنيني أو أفنيك”، وليبدو المرزوقي، صاحب البرنس، كأنما يستعير مفردات الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن حين عمل على إسكات منتقدي الحرب على الإرهاب بمقولة شهيرة “من ليس معي فهو ضدي”.

حماسة الأنصار الذين لم يبق لهم غير منصب رئيس الجمهورية للتعبير عن وجودهم وشعبيتهم، جعلهم يحوّلون المناسبة الانتخابية التي يحكمها قانون وضوابط سياسية وأخلاقية إلى معركة استعملوا فيها كل صيغ الشحن والتحريض ضد الخصوم وخاصة ضد الباجي قائد السبسي.

معركة الحياة أو الموت التي يضع جماعة المرزوقي تونس على أبوابها ستزيد من وهج نار الاستقطاب الحاد بثنائياته المختلفة الذي عاشت البلاد تحت وطأته مدة ثلاث سنوات من “الثورة”، وهكذا وبدل أن تساعد الديمقراطية على التهدئة تصبح عاملا إضافيا لتوسيع دائرة الفوضى.

الخطاب المحرض على العنف أخرج الانتخابات من دائرة التنافس الديمقراطي وحولها حرب وجود

والأخطر مما سبق هو استدعاء الورقة السلفية في اللعبة، وقد بدأت القصة مع تصريح مثير وغريب للرئيس “الحقوقي” الذي قال في ما يشبه التأكيد والدعم لقراءة المجموعات المتشددة التي تصنف خصومها بأنهم طواغيت يجب جزّ رقابهم “ليس هناك من طاغوت إلا الذي طغى في العهد البائد وإلا من يريد أن يرجع الآن ليطغى”.

ورغم أن مستشار “المؤقت” عدنان منصر اعترف أن المرزوقي أخطأ في استعمال كلمة طاغوت، إلا أن خصومه قالوا إن هذه فتوى تحرض على استهداف رموز عملت في العهد السابق وبرأها القضاء وبعضها مرشح للانتخابات الرئاسية مثل منذر الزنايدي ومصطفى كمال النابلي وعبدالرحيم الزواري، وخاصة الباجي قائد السبسي.

وقد جاءت ردود فعل هؤلاء قوية، وبعضهم دعا إلى محاكمة المرزوقي، والبعض الآخر أعلن انسحابه من سباق الانتخابات في محاولة لامتصاص التوتر ومنع انزلاق الانتخابات إلى حرب بدأت أيديولوجية وقد تنتهي إلى ما لا تحمد عقباه، مثلما حصل مع مصطفى كمال النابلي مدير البنك المركزي.

من المنطقي أن يصر الخصوم على اعتبار هذا الخطاب محرضا على العنف وأن فيه استدعاء لقاموس يضرب الديمقراطية في صميمها، ويهدم المعبد على من فيه، وأكثر من ذلك ففيه مغازلة خفية للسلفيين كي يدخلوا بثقلهم في الانتخابات إلى صفه، وهم الذين حرموا من المشاركة فيها ويعتبرون الديمقراطية كفرا.

وسواء أكان الخطاب هادفا أم لا، فإن المغازلة نجحت في استدعاء عدد كبير من السلفيين إلى اجتماعات المرزوقي، وحفلت أشرطة الفيديو التي يبثها أنصاره بصور أصحاب اللحي والمنقبات في خطوة تهدف إلى الاحتماء به في مواجهة ما يتخوف المتشددون منه مستقبلا، خاصة بعد انزاحت النهضة عن الحكم وتركتهم في العراء دون حماية.

استدعاء المجموعات السلفية، ولو كانت تدّعي السلمية وتنأى بنفسها عن العنف، يعني إعادة إنتاج الأزمة التي عاشتها البلاد منذ 2011، ولكن بأكثر عنفا، فالسلفيون “العلميون” و”السلميون” جدا خدعوا الجميع، وفي الوقت الذي كانت فيه الأحزاب تتصارع في المجلس التأسيسي كانوا هم يبنون مدينة تحت الأرض تقوم على تجميع السلاح والاستعداد للحرب ضد منتسبي الأمن والجيش.

ستنتهي الانتخابات إلى فائز ومنهزمين، لكن مخلفات الحملات الانتخابية لن تنتهي سريعا، خاصة أنها مهدت الأرض أمام “العنف المشروع” دفاعا عن الخسارات الكبيرة التي تلقاها الفريق الذي يلبس برنس الثورة والهوية.


كاتب وإعلامي تونسي

6