المرشد المعين

الاثنين 2013/12/30

عرفت اللغة العربية عبر عقودها الحديثة كتبا عديدة حملت عنوان “المرشد”، “المرشد في اللغة”، و”المرشد في النحو” و”المرشد إلى معرفة الشعر العربي”،… وغيرها. تصانيف لا تحصى اتخذت لها من “المرشد” سبيلا سالكا لمساغ القراء، وجيوبهم. والظاهر أن القصد في هذه العينة المميزة من الكتب كان هو اختصار المسافات، واختزال المعارف، واقتصاد الجهود على من أراد القطاف القريبة.

بطبيعة الحال، تم توجيه مثل هذه العناوين المغرية لشريحة مخصوصة من القراء، هي التلاميذ والطلبة، التي تنطوي في أغلبيتها الغالبة على فئة انتهازية لا تريد المعرفة في ذاتها، بله التعمق في فقه الأشياء، بقدر ما يكون مسعاها إلى وعي الطرق الكفيلة بضمان الإجابات الدقيقة والمقنعة، عن أسئلة لها مساحة محددة، وتقتضي أجوبة مختصرة، والهدف النهائي هو اجتياز الامتحان والنجاح والانتقال من صف إلى صف. من الواضح إذن، أن “المرشد في اللغة” أو “الأدب”، لم يكن في يوم ما كتابا للمعرفة والفكر العميق سواء تعلق الأمر بعلوم الآلة أو الآداب، ولا لنقد ما تواتر من معارف حولهما، كان كتابا مدرسيا سيئا، يعلّم الكسل، وضد أي نزعة نقدية.

وكحاصل منطقي لكل تلك المقدمات لا يمكن أن يكون “المرشد” كتابا ثوريا أو متضمنا لأي نزوع ثوري حول المناهج والأفكار الأدبية. وإذا ما افترضنا حسن النية، في أبعد تجلياتها، فيمكن اعتباره متنا تعليميا للمبتدئين لا غير.

من هنا كان طبيعيا أن يسهر على تأليف هذه العينة من الكتب “جماعة” من العاملين في حقول التعليم ممن يمكن اعتبارهم باحثين من الدرجة الثالثة، ولا يشار إلى أسمائهم عادة في الغلاف… وهي السمة التي تنتقل بنا من عموم اللفظ لخصوص المعنى، حيث شاءت الأقدار أن ننتقل مجتمعاتنا وشرائحنا القارئة من “مرشد” تؤلفه جماعة، إلى مرشد للجماعة، حيث بات لجماعات كثيرة “مرشد معين” يدلهم على الطريق في الحياة والعقيدة والسياسة، وتحلم بأن يصير نهجها، طبعا بعد الامتحان، ناجحا في تسيير المجتمعات والدول.

ومن سوء الطالع أن مآلات ثوراتنا العربية ورثها في الغالب “مرشدون” لجماعات، بعضها سلفي المنزع وبعضها فاشي العقيدة، لكن خصوص المعنى يجمع هذا وذاك. والذي جرى أن أيا من أولئك المرشدين وضع يده في العجين الثوري، ظل حتى الانهيار المؤقت لبعض الأنظمة “مرشدا معينا” لها على سلوك الطريق القويم، وعند وقوع الواقعة وبما أنه “مرشد” وُضع أصلا لاجتياز الامتحان، فقد نجحت الجماعات التي قادها، وأفلحت في ملأ الصناديق بالورق الموجب.

تغير معنى النجاح من صف لصف إلى النجاح المؤدي إلى الانتقال من سلطة لسلطة، مع بقاء الأمراض والنقائص والبلاهات إياها. من هنا قد تفهم عزيزي القارئ أن أسوء الألفاظ هي التي تقترح الحلول السهلة، يجب أن لا تنسى أن أخيب الرحلات هي تلك التي يرافقك فيها “مرشد معين”، ستفقد دهشتك في اكتشاف الأشياء، والأمكنة، وقد تقاد إلى أقرب نصاب ليبيعك التذكارات بأبهظ الأثمنة، لن أنسى في حياتي أن القاهرة التي صنعت لعالمنا العربي أول مرشد لجماعة، قدمت لمريديها على الدوام أسوء المرشدين لمزاراتها السياحية، ممن يمكن أن تفقد معهم كل مدخراتك في يوم واحد.

قد تثور، وتذهب لأقرب مقر شرطة، لكن في النهاية يبقى المرشد المعين في حرز حريز لأنك اخترته، ولم يرغمك يوما، أحد ما، من الناس الطيبين على الاسترشاد بمرشد، أنت الذي قررت بمحض إرادتك أن تتخلى عن كل فرصة لإعمال العقل في اختياراتك، وقررت أن تلتجئ، لكسلك المقيم، إلى مرشد معين.

________


* كاتب من المغرب

14