المركزي التونسي الحصن الأخير للاقتصاد المأزوم

اتباع المركزي لسياسة نقدية منسجمة مع الوضع الاقتصادي وتحذيره من التراخي في تطويق الأزمة يشكلان إقرارا بأن الدولة مستسلمة للأمر الواقع.
السبت 2021/02/06
خطوة لحماية الاقتصاد الهش

تثبيت مجلس إدارة البنك المركزي التونسي هذا الأسبوع أسعار الفائدة عند 6.25 في المئة كان متوقعا على الرغم من أن أوساط الأعمال كانت تنتظر تخفيضها حتى يتسنى لها تحفيز نشاط شركاتهم المتضررة من الأزمة الصحية عبر الحصول على قروض بنكية بفوائد أقل.

آخر مرة خفض فيها المركزي أسعار الفائدة كانت في سبتمبر 2020 بواقع نصف نقطة مئوية بعد أن رفعها قبل عامين إلى أعلى مستوياتها منذ ثلاثة عقود لتبلغ 7.75 في المئة. حينها واجه انتقادات من أن الخطوة قد تعمق شلل الاقتصاد المنهك، وستؤدي إلى نتائج عكسية بمساعي السيطرة على التضخم ومحاصرة اتساع العجز التجاري وانحدار سعر صرف الدينار.

علامات استفهام رافقت القرار الجديد، فلا التوقيت مناسب ولا الوضع مشجع، ولذا فإن تعرض شركات القطاعين العام والخاص، التي أقر محافظ المركزي مروان العباسي أنها تمر بأوضاع مالية خطيرة، لهزات أكبر في الفترة المقبلة خاصة مع غياب الحلول العملية والمستدامة من قبل السلطات لمساعدتها، يبدو أمرا حتميا.

التحذيرات من دخول الاقتصاد في أزمة أعمق لا يمكن التكهن بعواقبها نتيجة تداعيات الموجة الثانية من الجائحة، تشكل إقرارا باستهتار ولا مبالاة الطبقة السياسية، وبفشل الخطط الاحترازية للحكومة، مع دخول النمو برمته في خمول، ربما سيطول نظرا لتأثره بما يحصل في العالم.

إن الخسائر وتراجع أرقام أعمال معظم الشركات المحلية خلال فترة الإغلاق الاضطراري هما بلا شك ضربة كبيرة لجهود الحكومة، الغارقة في متاهة من التوترات بين البرلمان والرئاسة، خاصة وأن كافة القطاعات الإنتاجية دفعت ثمنا باهظا لذلك، وهذا الأمر سوف يصدّع أسس الاقتصاد المبني على ركائز هشة بفعل عدة عوامل هيكلية.

ففي الوقت الذي تعاني فيه الشركات أصلا من متاعب مالية بسبب الأزمة الاقتصادية للبلاد منذ العام 2011 رغم محاولات الإنعاش بات شبح الإفلاس يخيّم عليها أكثر من أي وقت مضى، وقد دخل أصحابها في إحصاء الخسائر المترتبة عن توقف النشاط لأشهر بعد أن فقدوا الأمل في تحصيل بعض المداخيل.

حتى الآن، لا توجد أرقام تشير إلى حجم الخسائر المنجرة عن تراجع نشاط الشركات منذ إعلان الحجر الصحي الشامل في مارس الماضي وما تلاه من إجراءات صحية في نهاية العام الماضي، والتي كلفت تونس نحو 2.75 مليار دولار، وفق الأرقام الرسمية، بيد أنه من خلال عدة مؤشرات يمكن ملاحظة أرقام معاملاتها المتقهقرة، والتي تعكسها استغاثات أصحابها.

بيانات المركزي تكشف تلك الوضعية السيئة، فقد تدهور معدل الاستثمارات إلى النصف في العام الماضي بعد أن كان في حدود 26 في المئة في نهاية 2019، حيث أدرك المستثمرون أن مناخ الأعمال يُعاني من مصاعب ونقائص متعلقة بالإجراءات الإدارية وبالتمويل وأنهم راحوا ضحيّة الصراعات السياسية.

مع ذلك، يبدو أن المركزي بات اليوم، في خضم التوتر السياسي، والبطء في السيطرة على الجائحة وتداعياتها، جدار الصدّ الأخير أمام أي تدهور مالي محتمل بدليل أن الاحتياطات النقدية من العملة الصعبة، بلغت مع بداية فبراير الجاري 22.6 مليار دينار (نحو 8.3 مليار دولار)، أي بارتفاع بنحو 1.2 مليار دولار، عمّا كانت عليه قبل عام وهو مستوى غير مسبوق منذ الهجمات الإرهابية في 2015.

بعد ثلاث سنوات من تولي العباسي، الخبير السابق في البنك الدولي والمكلف بالملف الليبي، منصبه على رأس المركزي، والذي كان يراه كثيرون أنه مجرد إجراء تقني وأنه لا يمكنه مواجهة الأزمة البنيوية للاقتصاد التونسي، وأن تراكم الأزمات سبب إرباكا في كافة القطاعات، يتضح أن ما يقوم به حتى الآن يجعل منه شخصية محورية لحماية الاقتصاد المأزوم.

العباسي عندما تسلم مهامه كانت أمامه ملفات حارقة لم تُختزل في المشاكل الظاهرة فحسب، بل كان مطالبا بالإجابة عن أسباب الإخفاقات المتتالية في عمل سلفه الراحل الشاذلي العياري، ووضع الخطط البديلة سريعا لوضع القدم الأولى للابتعاد عن شبح الإفلاس، الذي يتهدد تونس. ويبدو أن يسعى لتنجب ما هو أسوأ.

طيلة السنوات، التي تلت إسقاط الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، استثمر المركزي دون كلل في مساعدة الحكومات، التي تعاقبت على الحكم والتشارك في وضع السياسات النقدية، لكنه بدأ يُظهر تململا من السياسيين، فقد مضى عقد من الزمن والحكومات تتحدث عن إصلاحات وسياسات اقتصادية في القطاعات المنتجة والأساسية، لكن ذلك لم يحدث.

في أكتوبر الماضي، وقف العباسي لحكومة هشام المشيشي بالمرصاد مدافعا عن استقلالية المركزي، حيث اندلع خلاف بين الطرفين حول مشروع الموازنة التعديلية لعام 2020، فقد أعلن رفضه القاطع لإعادة تمويل البنوك المحلية تمهيدا لإقراض الحكومة، وهذا يحسب له لأنه استخدم صلاحياته تفاديا لإهدار احتياطات الدولة في أوجه ليست مثمرة.

ذلك الخلاف برز حينما طلبت الحكومة ذلك لتغطية عجز الموازنة، الذي ارتفع العام الماضي، إلى 14 مليار دينار (قرابة خمسة مليارات دولار)، أي ما يعادل 13.4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما كان مقدرا في الموازنة الأصلية أن يكون في حدود 3 في المئة.

ولذا، ليس من باب التهويل القول إن عام 2021 قد يكون أقسى وأسوأ عام يعيشه التونسيون بعد عشر عجاف، وخاصة في ظل احتمال ارتفاع مستوى الدين، والذي كان أكبر تحدّ أمام كل الحكومات منذ 2011، فضلا عن شلل القطاعات الإنتاجية بشكل شبه تام، وتراجع الاستثمارات وحالة الإحباط بين المواطنين، إذا لم تجد حكومة المشيشي حلولا عملية مقبولة للخروج من هذه الورطة.

 
10