المركزي التونسي يتقاعس عن خفض أسعار الفائدة

مواصلة المركزي تثبيت سعر الفائدة عند 7.75 بالمئة بحجة السيطرة على انفلات المؤشرات هو في الواقع قرار لن يأتي إلا بنتائج عكسية مستقبلا.
الجمعة 2020/01/31
حلول عقيمة

حتى الآن لا توجد أي مؤشرات على أن البنك المركزي التونسي لديه نية في خفض أسعار الفائدة، والتي بقيت عند مستوى 7.75  بالمئة منذ أن رفعها بواقع نقطة مئوية في فبراير الماضي.

صحيح أن سعر الفائدة هو أداة رئيسية للبنوك المركزية لضبط السياسة النقدية لأي دولة لأنه يحدد سقفا لسعر الأموال المتداولة في السوق، أي تأمين تلك الأموال تحسبا لتعثر الجهة المدينة سواء كانت شركات أو أفرادا عن السداد، لكن للعملية تداعيات سلبية قد تكون مدمرة أحيانا.

إبقاء المركزي سعر الفائدة عند مستواه الحالي بحجة السيطرة على عدة مؤشرات اقتصادية هو في الحقيقة قرار لن يأتي إلا بنتائج عكسية، وبالتالي أليس من المفروض أن نتساءل لماذا ترفض السلطات النقدية التونسية فعل أي شيء لجعل قطار النمو يتحرك قليلا.

رغم تراجع معدل التضخم السنوي إلى 6.1 بالمئة نهاية العام الماضي مقارنة مع 7.3 بالمئة قبل عام، وفق أرقام معهد الإحصاء، وانتعاش الاحتياطات النقدية عند أعلى مستوى منذ ثلاث سنوات تقريبا، وارتفاع قيمة الدينار أمام الدولار واليورو، إلا أن العجز التجاري ظل يتصاعد والنمو لم يبتعد عن منطقة الخطر.

المركزي قرر خلال آخر اجتماعاته الدورية قبل نحو شهر تثبيت سعر الفائدة بعد أن كان عند 6.75 بالمئة قبل 11 شهرا في مسعى منه لضبط المؤشرات المنفلتة، لكن البعض ربط تقاعس المركزي عن التحرك لخفضه بالجمود السياسي الذي لم يفض إلى تشكيل حكومة جديدة.

لقد اعترف مجلس إدارة البنك في ديسمبر الماضي بصعوبة مهمة كبح انفلات الأرقام الدالة على صحة وتعافي الاقتصاد. وقال إن التحسن التدريجي الذي تشهده أهم المؤشرات النقدية والمالية يبقى هشا ولا بد من معاضدته.

إن مقياس تعافي أي اقتصاد هو تدفق الاستثمارات وأيضا نشاط قطاع العقارات، الذي يشهد تراجعا في تونس بسبب أسعار الفائدة وغيرها من العوامل المكبلة وعلى رأسها البيروقراطية، حيث تظهر الأرقام تباطؤ نمو الاقتصاد العام الماضي ليصل إلى 1.1 بالمئة على أساس سنوي، وهو رقم يخالف توقعات الحكومة عند 3 بالمئة عندما تم إقرار موازنة 2019.

معلوم لدى مجتمع الاقتصاديين أن زيادة أسعار الفائدة تعتبر العدو رقم واحد لعمليات الاستثمار في أي بلد لأنها المسبب الرئيسي لارتفاع نسبة البطالة. كما أنها تؤدي إلى ركود السوق لأن التجار سيضطرون إلى زيادة أسعار السلع والخدمات وهو ما يجعل المستهلكين في عزوف جماعي عن التبضع بالشكل الذي يحفز النمو.

ولتفسير ذلك، لا يمكن لرجال أعمال أو شركة، على سبيل المثال، أن تقدم على الانتحار في سوق مكبل يكون فيه ربح المال مغريا لهذه الدرجة، وحتى الذين يريدون ضخ رؤوس أموال جديدة في مثل كهذا سوق، تراهم لا يجازفون بالاعتماد على القروض ذات الفائدة المرتفعة، للتغلب على عجزهم التمويلي.

في الواقع أولئك الذين يغامرون بالدخول في سوق استثمارية كما هو عليه الحال في تونس، لا ينتظرون سوى أن يتم سحقهم سريعا تحت أعباء الديون بفعل أسعار الفائدة المرتفعة وقد يتعثرون في سدادها للمصارف مستقبلا. وهذا بالفعل ما تشير إليه البيانات الرسمية وحتى خلال معاينة نشاط الشركات عن قرب.

في خضم ذلك ومع عودة الجدل حول مسألة استقلالية المركزي في نشاطه عن السلطة التنفيذية، تتسارع وتيرة المعارضين لطريقة عمل هذا الكيان، وقد كانت سياساته المنتقدة من طرف عدة أحزاب سببا لتقديم مشروع قانون للبرلمان يهدف إلى جعل البنك ضمن دائرة صنع القرار.

ووسط هذا ولكي يحقق المركزي هدف استقرار العملة والرجوع عن الاتجاهات التضخمية والتعقل في المحافظة على احتياطات البلاد من العملة الصعبة بشكل مستدام، سيكون البنك بحاجة لفعل ما هو أكثر من رفع سعر الفائدة. وهنا لا أعتقد أن يتفاجأ التونسيون إذا أقدم على زيادتها مجددا، في حال لم تتحسن الأمور وفق ما هو مخطط.

10