المركزي التونسي يحاول ترويض اقتصاد الظل بطباعة النقود

محافظ البنك المركزي يسعى إلى تبديد المخاوف حول الوضعية المالية للبلاد بالتأكيد على أن معظم السيولة النقدية موجودة في القطاع المنظم، على خلاف ما تروجه بعض الأطراف.
الجمعة 2020/06/05
طباعة المزيد من النقود من أجل محاصرة السوق السوداء

اعتبر خبراء أن تحركات البنك المركزي التونسي لاحتواء اقتصاد الظل عبر الإمعان في طباعة النقود تبدو معركة خاسرة في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد، حيث أقرّت السلطات النقدية بعجزها عن السيطرة على مكامن التهريب، والتي لا تزال مزدهرة على الحدود الجزائرية والليبية رغم إجراءات الإغلاق بسبب الوباء.

تونس - كشف محافظ البنك المركزي التونسي مروان العباسي أنه اقترح على الحكومة إمكانية طباعة المزيد من النقود من أجل محاصرة السوق السوداء.

وتأتي هذه المساعي لتكشف محنة صنّاع السياسات المالية في البلاد بين مواجهة شح السيولة النقدية وارتفاع التضخم والتهريب وازدهار التهريب وبين حماية النموّ الاقتصادي الهش، ضمن محاولات شاقة للصمود والابتعاد عن شبح الإفلاس غير المعلن.

وقال العباسي خلال لقاء نظمه معهد الدراسات العليا عبر تقنية الفيديو تحت عنوان “من عاصفة الوباء إلى إنقاذ المؤسسة: عوامة الدعم النقدي” مساء الأربعاء، إن “مجلس إدارة البنك المركزي وجه مقترحا للحكومة من أجل اللجوء إلى تغيير الأوراق النقدية في إطار إجراءات لإصلاح السياسة المالية”.

وحاول محافظ البنك المركزي تبديد المخاوف حول الوضعية المالية للبلاد بالتأكيد على أن معظم السيولة النقدية موجودة في القطاع المنظم وهي مقدرة حاليا بنحو 15 مليار دينار (5.28 مليار دولار)، على خلاف ما تروجه بعض الأطراف.

وقدر العباسي المبالغ النقدية، التي يتم تداولها في المسالك غير الرسمية، التي تتضمن التهريب وتبييض الأموال بنحو 4 مليارات دينار (1.4 مليار دولار) نصفها موجود تقريبا بالمناطق الحدودية الليبية والجزائرية ويتم استخدامها في التجارة الموازية.

مروان العباسي: ضمن سياسة الإصلاح اقترحنا استبدال الأوراق النقدية
مروان العباسي: ضمن سياسة الإصلاح اقترحنا استبدال الأوراق النقدية

وكان المركزي قد أعلن في فبراير الماضي أن هناك إمكانية لسحب أكبر ورقة نقدية من التداول في السوق وهي من فئة الـ50 دينارا، والتي يتهمها كثيرون بتسهيل نقل كميات ضخمة من المال والقيام بعمليات الفساد وتمويل الإرهاب وأنشطة أخرى غير مشروعة، بينما يوجد من يدافع عنها في الأوساط المالية والشعبية لأنها تسهل التعاملات في الكثير من الأحيان.

وهناك ضغوط من أجل القيام بعفو ضريبي على الأشخاص العاملين في القطاع غير الرسمي بما يتيح إعادة إرجاع المبالغ النقدية إلى النظام المصرفي.

ولكن العباسي ربط القيام بهذه الخطوة بموافقة مجموعة العمل المالي بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقال إن “المجموعة هي من يحسم في هذا الموضوع”.

وأوضح أنه رغم أن تونس تمكنت من الخروج من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي (غافي)، والتي تضم البلدان الأكثر عرضة إلى عمليات غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، لكن ذلك لا يعفيها من الخضوع إلى نفس الضوابط.

وكانت المفوضية الأوروبية قد قالت الشهر الماضي إنها ستشطب تونس من لائحتها المتعلقة بمكافحة غسيل الأموال، في خطوة يؤكد خبراء أنها ستعطي دفعا قويا للحكومة من أجل المضي قدما في سياسات الإصلاح.

ويعد خروج تونس من القائمة السوداء واحدا من أبرز التحديات التي تواجهها السلطات لاسيما في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعانيها والارتباك الذي يخيم على المشهد السياسي، والذي يقول البعض إنه يؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على أداء الحكومة.

وحشدت تونس جهودها في سبيل تحقيق الخروج من القائمات السوداء لتبييض الأموال ومكافحة الإرهاب، حيث إن الخطوة الأوروبية المرتقبة تعد إنجازا تحقق بفضل الدعم السياسي من السلطات التونسية والهيئات الرقابية المعنية وما أبدته المهن المالية من سعي واجتهاد بالواجبات المحمولة عليها في مجال مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.

وتطالب النقابات المحلية وجهات مالية دولية منذ سنوات، تونس بإرساء نظام مالي لمحاصرة السيولة المتداولة في السوق الموازية باعتبارها الحلقة الأولى في تمويل الإرهاب.

ويعتقد المسؤولون والمختصون في القطاع المالي أن من أبرز أسباب انتشار ظاهرة غسيل الأموال بالبلاد هو حالات الفوضى السياسية الاقتصادية والإدارية، التي أعقبت الإطاحة بزين العابدين بن علي في يناير 2011.

وطيلة السنوات الماضية، اتسع قلق الأوساط المالية التونسية من يأس السلطات النقدية لعدم قدرتها على حماية قيمة الدينار، الذي تراجع لمستويات قياسية أمام العملات الأجنبية.

ويقول كثيرون إن النظام المالي التونسي يشكو من ثغرات كثيرة مردها البطء الشديد في تنفيذ الإصلاحات، وهو ما جعل السوق الموازية لتداول العملة تزدهر بشكل كبير في السنوات الأخيرة، وتتحدى كل إجراءات البنك المركزي.

ويرى الخبير الاقتصادي عبدالجليل البدوي في تصريحات لوسائل إعلام محلية، أنّه مهما كان حجم هذه الأموال في السوق السوداء، فإن من شأنها أن تخلق شحّا في السيولة لدى البنوك.

10