المركزي التونسي يقدم دعما ملتبسا للاقتصاد

ضخ 300 مليون ورقة نقدية جديدة فئة 10 دنانير لا يعدو أن يكون مناورة من البنك المركزي كونها تأتي في ظرف يتسم فيه الاقتصاد بالكساد.
الجمعة 2020/04/03
وباء كورونا يفاقم الأزمة المالية

في خضم محاولات الحكومة التونسية مواجهة أزمة وباء كورونا المستجدّ، تبنّت السلطات النقدية معاضدة مجهود الدولة في هذا المضمار بطرق مالية مختلفة، من بينها ضخ ورقة نقدية جديدة فئة 10 دنانير في السوق المحلي، لكن التساؤل، الذي يتبادر إلى الأذهان هو لماذا البنك المركزي اختار هذا التوقيت؟ وما فائدتها للاقتصاد المتأزم أصلا؟

اللجوء لطباعة النقود خلال هذه الفترة الحرجة، التي تعيشها تونس لا يثير حفيظة الناس، الذين لا يفهم أغلبهم الجدوى من ذلك، بقدر ما يثير حفيظة المختصين، الذين يعتقدون أن الخطوة ستعمّق جراح الاقتصاد، كما أن هناك قناعة لدى الخبراء بأنها تعكس فشل السياسات الحكومية في معالجة الأزمات المتراكمة بشكل جذري، رغم أن البعض يرى عكس ذلك.

هذا الإجراء، الذي تقوم به البنوك المركزية في دول العالم، عادة، يعدّ أحد أدوات سياساتها النقدية للتحفيز على زيادة الإنتاج سواء من ناحية السلع أو الخدمات، وهو لا يستخدم إلا عندما يكون الاقتصاد في حالة نمو وليس في حالة ركود، حيث تكون النقود بمثابة دماء جديدة تضخ في شرايين الأنشطة التجارية والاستثمارية.

تؤدي طباعة المزيد من النقود إلى خفض الأسعار، ومن ثم إقبال أصحاب رؤوس الأموال على الاستثمار بسبب التكاليف المنخفضة، فيزيد الإنتاج تبعا لذلك، وعليه تظهر تخمة في المعروض، ما يؤدي إلى انخفاض الأسعار أكثر ولكن هذه النقطة غير متاحة حاليا في اقتصاد تونس، ما يعني أن ضخ المزيد من الأموال في السوق دون موجب قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

عند تتبع توقيت إعلان صدور هذه الورقة الجديدة نلاحظ أنها جاءت بعد أسبوعين تقريبا من خفض المركزي لسعر الفائدة الرئيسي بنقطة مئوية ليصل إلى 6.75 في المئة لمواجهة أزمة كورونا، وهي المرة الأولى التي يتخذ فيها البنك قرارا مثل هذا منذ العام 2011، وبالتالي فإن احتمال وجود رابط بين الخطوتين هو الأرجح.

من الواضح أن الأزمة الحالية دفعت المركزي إلى التعجيل في بدء خطواته المتأخرة لضبط إيقاع الاقتصاد، إلى جانب محاصرة السوق السوداء بعد أن أعلن الشهر الماضي أنه ينوي التخلص من الورقة النقدية الأكبر وهي من فئة 50 دينارا بغية القضاء على التعاملات المشبوهة.

لكن هذا الأمر ليس إلا الجزء الظاهر من القصة، فالمسألة أبعادها تتجاوز استبدال أوراق نقدية بأخرى بالية خاصة وأن تكاليف طباعة أطنان من الأوراق النقدية الجديد مكلف، ولا يبدو أن إصدار فئة جديدة تحمل للمرة الأولى في تاريخ تونس بعد الاستقلال صورة سيدة تونسية تدعى توحيدة بن الشيخ، وهي أول طبيبة تونسية وفي المغرب العربي، لا يعدو أن يكون مناورة من المركزي.

إن عملية طباعة النقود مسألة فنية معقدة اقتصاديا، فكل وحدة نقدية يجب أن يقابلها رصيد من احتياطي العملة الصعبة أو رصيد ذهبي، أو سلع وخدمات حقيقية تم إنتاجها، حتى تكون الأموال المتداولة في السوق ذات قيمة حقيقية وليست مجرد أوراق بلا قيمة.

وفي حالة تونس يبدو أنه تم تجاوز القواعد المسموح بها الأمر، الذي قد يعود بتداعيات اقتصادية أكبر مما هو متوقع، خاصة وأن البلاد تعيش في ركود مرتبط بتباطؤ النمو العالمي وكذلك بعدم إتمام الإصلاحات، ولذلك فإن الدولة بحاجة إلى المزيد من السيولة في السوق لمواجهة الأزمة بالتوازي مع إعلان السلطات أنها ستحصل على مساعدة طارئة من صندوق النقد الدولي بقيمة 400 مليون دولار.

رغم أن مدير عام الخزينة بالبنك المركزي عبدالعزيز بن سعيد لم يذكر خلال تصريحات صحافية الأسبوع الماضي السبب الحقيقي من وراء ضخ 300 مليون ورقة نقدية فئة 10 دنانير في السوق التونسية، غير أنه أشار إلى أنّ إصدار أوراق نقدية جديدة يتم بهدف تكوين مخزون نقدي تعرض للإتلاف، واستجابة للطلبات المالية المتزايدة من الأفراد والشركات.

هذا الغموض قد يزيد من تعقيد المسألة لدى الأوساط الشعبية، ولكن يمكن تفسير ذلك، فبعملية حسابية بسيطة قام المركزي بضخ 3 مليارات دينار (قرابة مليار دولار) من هذه الفئة في السوق، وقد يتسبب ذلك في رسم منحنى تصاعدي لمعدل التضخم، ما يعني أن تلك الأموال لا يقابلها رصيد من الناتج المحلي الإجمالي.

وعلى هذا الأساس فإنه في حال استمرت أزمة وباء كورونا لأشهر بعد انتهاء تمديد الحجر الصحي في الـ20 من هذا الشهر فقد يتسبب ذلك في خسارة أكثر من نصف نقطة مئوية من النمو، وهي النسبة التي كان قد تحدث عنها رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ في أول خطاب له قبل إعلان الحجر الصحي الشامل والذي بدأ في 22 مارس الماضي.

وإلى جانب كل ما سبق ذكره، فإن لطباعة النقود دون مقابل آثارا سلبية أخرى على الاقتصاد بشكل عام قد تؤدي إلى انهيار العملة التونسية، رغم أن المركزي ترك قيمتها للعرض والطلب، وذلك إذا ظهر تراجع في حجم العملة الصعبة المتداولة أو تبخرت احتياطات المركزي وهو ما يستبعد حصوله في تونس على الأقلّ حاليا على عكس ما يحدث في لبنان مثلا.

11