المركزي السعودي يفتح معركة خفض الدعم الحكومي المثير للجدل

الثلاثاء 2015/02/03
دعم الوقود يسهم في الإفراط في الاستهلاك

الرياض - فجر البنك المركزي السعودي الجدل بشأن سياسة الدعم الحكومي السخية، بعد دعوتها إلى مراجعة تلك السياسة، في أعقاب تراجع أسعار النفط وتزايد الحاجة إلى ترشيق الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل، لكن محللين يرجحون أن تلقى الدعوة معارضة واسعة.

دعا فهد المبارك محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي (البنك المركزي) أمس إلى مراجعة سياسة الدعم مع مراعاة الآثار الاجتماعية، إضافة إلى تنويع مصادر الدخل والقاعدة الإنتاجية، وتعزيز دور القطاع الخاص في التنمية، وسط مخاوف من تضخم فاتورة الدعم وانحسار عوائد الدولة النفطية، بفعل هبوط أسعار النفط العالمية.

ورأى مراقبون أن دعوة المبارك ربما تكون بداية لمعركة خفض الدعم الحكومي، خاصة دعم الوقود، وسط قلق متنام من الأعباء الاقتصادية التي بات يمثلها ارتفاع النفقات العامة على موازنة البلاد.

وتشير التقديرات إلى أن فاتورة الدعم الحكومية في السعودية تصل إلى أكثر من 90 مليار دولار سنويا، وأن الدعم السخي يشجع على تهريب الوقود إلى الخارج.

وكشف عضو مجلس الغرف السعودية بندر الجابري أمس عن ضبط 30 شركة مخالفة في المنطقة الشرقية باعت أكثر من 6 مليون لتر من الديزل داخل السعودية وخارجها، بقيمة إجمالية بلغت أكثر من 96 مليون دولار.

ونقلت صحيفة الاقتصادية أمس عن الجابري قوله إن أكثر من أربعة مليون لتر تم تهريبها إلى بعض الدول المجاورة.

وقال المحلل الاقتصادي سليمان الخطاف، إن الدعم السخي لأسعار الوقود والكهرباء جعل السعوديين يتصدرون قوائم أكبر مستهلكي الطاقة في العالم، ويحتلون المراتب الأولى في معدلات الزيادة السنوية.

وكان صندوق النقد الدولي قد ذكر في العام الماضي أن تكلفة دعم الطاقة تبلغ نحو 10 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي في العديد من البلدان المصدرة للنفط في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وكانت الحكومة السعودية أقرت موازنتها التوسعية لعام 2015، بإنفاق قياسي بلغ نحو 229 مليار دولار، وتضمنت عجزا يصل إلى نحو 38.7 مليار دولار.

ورأى محللون أن الدعوة إلى مراجعة سياسة الدعم، قد تصطدم برفض شعبي، وقد لا تلقى تجاوبا رسميا، خاصة في ظل ما قد يترتب عليها من توترات اجتماعية.

فهد المبارك: "التغلب على التحديات الاقتصادية يتطلب إعادة النظر في سياسة الدعم"

وكان العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، قد أقر قبل أيام سلسلة إجراءات، عزّزت اتجاه الدولة نحو الإبقاء على سياسة الدعم الحالية، رغم تراجع أسعار النفط، في خطوة فسرها البعض بأنها شراء للسلم الاجتماعي وقطع للطريق على التوترات الداخلية.

لكن محللين قالوا إن الرياض لا تبدو قلقة في هذه المرحلة من تواصل هبوط أسعار النفط، بسبب الاحتياطات النقدية الضخمة التي تملكها، الأمر الذي يمكنها من سدّ الثغرات في الإنفاق الحكومي السخي وتغطية عجز الموازنة.

وغذى هبوط أسعار النفط مخاوف الوسط المالي، من تراجع احتياطات السعودية المالية، والآثار السلبية على برامج تنويع مصادر الدخل من خارج القطاع النفطي.

غير أن محافظ البنك المركزي السعودي، أكد أن بلاده يمكنها تغطية العجز المتوقع في 2015، بطريقتين، إما بالسحب من الاحتياطي أو بالاقتراض من الأسواق المالية أو بكليهما معا.

وأكد خلال مؤتمر عقد أمس في الرياض، أن اقتصاد بلاده يواجه مجموعة من التحديات، وأن التغلب عليها يتطلب إعادة النظر في سياسة الدعم، مع مراعاة الآثار الاجتماعية.

وتراجعت الأصول الاحتياطية للمركزي السعودي بنسبة 1.1 بالمئة، خلال شهر ديسمبر الماضي لتصل إلى نحو 732 مليار دولار، مقارنة بنحو 740 مليار دولار في نوفمبر الماضي.

ويرى محللون أنه إذا تواصل هبوط أسعار النفط إلى أقل من 50 دولارا للبرميل، فإن احتياطات الرياض المالية ستتراجع بسرعة، خاصة في ظل النمو السكاني المرتفع في البلاد واحتمال ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية في الأسواق العالمية بسبب المتغيرات المناخية.

سليمان الخطاف: "الدعم السخي للوقود جعل السعوديين أكبر مستهلكي الطاقة في العالم"

وأشاروا إلى أن هذه العوامل مجتمعة ربما تترتب عليها بشكل تلقائي زيادة الإنفاق الحكومي بمعدلات عالية، في إطار تعزيز منظومة الدعم التي تؤكد الحكومة أنها لن تتغير رغم هبوط أسعار النفط، وتراجع عائداته.

وقال المبارك إنه على الرغم من تنوع السياسات الاقتصادية التي ترسمها الدولة لتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة، إلا أن أبرزها وأكثرها تأثيرا في الاقتصاد هي السياستين المالية والنقدية، إضافة إلى السياسة النفطية.

وأشار إلى أن بلاده اتخذت مجموعة واسعة من السياسات والقرارات والإجراءات الهادفة إلى إعادة هيكلة الاقتصاد وتنظيمه، وتحديث الأنظمة والتشريعات بما يعزز رفع مستوى كفاءة الأداء وتنافسيته ويدعم التشغيل الأمثل لعوامل الإنتاج، إضافة إلى توفير إطار تنظيمي وإداري متطور وبيئة جاذبة للاستثمار.

وتؤكد مصادر سعودية أن الرياض حرصت على تنويع مصادر الدخل، وأنها تسعى منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008 إلى إتمام تلك المساعي خلال السنوات القليلة المقبلة، خصوصا أن تقلبات أسعار النفط باتت تشكل هاجسا كبيرا لكثير من دول العالم خلال الفترة الحالية.

ويخشى بعض الخبراء السعوديين، من أن يؤثر تراجع أسعار النفط، إضافة إلى ما تمثله منظومة الدعم من أعباء على الموازنة، على برامج واستراتيجيات تنويع الاقتصاد التي تواجه صعوبات في أرض الواقع.

ويقول محافظ البنك المركزي، إن السياسات الاقتصادية السعودية ركزت على أربعة مجالات حيوية تأتي في مقدمتها تنمية وتطوير القوى البشرية الوطنية، وتحديث وصيانة مشاريع البنية التحتية، وسداد الدين العام، وبناء الاحتياطيات المالية للدولة بهدف مواجهة الدورات الاقتصادية وتقلبات الأسعار في الأسواق العالمية.

10