"المركز" مونودراما تستحضر الذاكرة وحطام المدينة

الجمعة 2015/04/17
خطابة مباشرة أنتجت أداء مليئا بالاصطناع

مازال الشباب السوري خارج بلاده يحاول الحفاظ على نوع من الحضور على الساحة المسرحية، وهذا ما تشهده مدينة بيروت من محاولات شابة هاوية أحيانا، ومحترفة أحيانا أخرى، في سبيل إيصال صوت أولئك العاملين بالخارج، بعيدا عن سلطة المؤسسة الرسمية ورجالها.

شهدت خشبة مسرح بابل ببيروت مؤخرا عرض “المركز” المستوحى بشكل طفيف من نص الكاتب المسرحي الفرنسي كريستوف بيلية بعنوان “علاقات حرجة”، العرض من إخراج ساري مصطفى وأداء مريم حمود.

ولا بدّ من الإشارة إلى أن العرض مستوحى من نص بيلية، ولا يتعدّى كونه تنويها باقتباس بعض المقاطع من النص بعيدا عن طبيعة النص والصراعات التي يحويها، فالعرض يحكي عن امرأة هجرها زوجها، ثم فقدت ابنها وهي محاصرة في مدينة دون إشـارة إلــى المـدينة بشـكل واضح.

وفي المقابل يبدو من لهجة المرأة التي لم تكن متقنة، ممّا يحيلنا إلى كونها سوريّة، إلاّ أن الحكاية لا تبدو واضحة الملامح، إذ لم نعرف من تخاطب المرأة، لكنها تكرر مقولة العلاقة مع المركز وأن على المرء أن يختار ما يريده هو، لا ما يختاره الآخرون له، مع إشارة إلى الطاغية والسلطة بوصفها مفاهيم قائمة تستدعي الثورة ضدها، كذلك ترددها بين فكرتي الرحيل والبقاء والعلاقة في المدينة.

المبالغة في الأداء

عروض المونودراما تقوم على أساس الممثل الواحد، وإذا لم يكن هذا الممثل قادرا على امتلاك المهارة المناسبة سيتحول العرض إلى صيغة دون المستوى المطلوب، وهذا ما تميز به أداء مريم حمود، فالخطابية والمباشرة أنتجت أداء مليئا بالاصطناع، واللهجة التي لم تُتقنها المؤدية خلقت نفورا من الأداء بوصفه غير مقنع.

العرض يحكي عن امرأة هجرها زوجها، ثم فقدت ابنها وهي محاصرة في مدينة، دون إشارة إلى المدينة بشكل واضح

كذلك تظهر صفة المجانيّة في بعض أداء الجمل التي نراها تتكرر، إلى جانب بعض الأفعال التي لا تبدو أحيانا منطقية أو متسقة ضمن تسلسل واضح، وكأنها خيارات أولى كي لا تبدو المؤدية تصرخ دون حركة، بل لا بدّ من هذه الأفعال والحركة على الخشبة التي تبتعد عن الوظيفة الدراميّة أو الدلالية.

هناك أسئلة دراماتورجية توجه للعرض، ما الهدف من الكشف عن لعبة المسرحَة؟ ومن هو الآخر الذي تخاطبه المؤدية طورا بصفة المفرد وطورا بصفة الجمع ومرة بالمؤنث ومرة بالمذكر؟

التحوّلات التي تمرّ بها الشخصية لا تبدو واضحة ممّا أضاع المعنى في العرض، بل نرى أن بعض حركاتها تصل حدّ التهريج اللامجدي أو الميلودرامية، كأن تقوم بحركات راقصة شرقيّة، أو أن تتحول فجأة إلى ماريونيت وتقوم بحركات غير متقنة لدمية بشرية.

دلالات مبهمة

الفضاء والحركة ضمن العرض لا يبدوان واضحي الدلالات، فالكشف عن لعبة المسرح جعل البعض من عناصر الديكور لا تعطي دلالات متماسكة، إذ بدت وكأنها منسية أو لم تدخل ضمن انتباه المخرج، مثل وضع صندوق بلاستيكي على يمين الخشبة من الأعلى، أو قنينة كبيرة للمياه في عمق الخشبة، بالإضافة إلى وجود طاولة في منتصف الخشبة والتي كانت تعيق أحيانا رؤية ما تقوم به المؤدية.

أما الأكثر تشتيتا هو جهاز الإسقاط الذي يستخدم لعرض مقاطع فيديو مختلفة على طول المسرح، لتبدو وكأنها تعكس المكان في الخارج وأحيانا بواطن الشخصية، إلاّ أن استخدام هذا الوسيط لتقديم المعنى لم يكن موفقا، إذ يمكن التعويض عن استخدامه إما عبر السرد أو الأداء مثلا، إلاّ في حال قدم هذا الوسيط ما لا يمكن للتقنيتين السابقتين تقديمه وهذا ما لم يحدث. يذكر أن هذه التجربة الإخراجية الثانية لساري مصطفى تحت ظروف صعبة تتعلق بالإنتاج المسرحي في لبنان، وكأن مصطفى مازال يحاول أن يكتشف أدواته ويطوّرها في سبيل اكتمال رؤيته المسرحية، وتكوين نظرته الخاصة لهذا الفن.

17