المركز والأطراف.. لعبة السياسيين في تونس

السبت 2017/02/25

السياسيون في تونس حذقوا جميع الفنون والألعاب طوال ثماني حكومات متعاقبة بعد ثورة 14 يناير 2011، لكن اللعبة الوحيدة التي ظلت عصية على الكثيرين منهم تلك التي يصطلح على تسميتها بـ”لعبة المركز والأطراف”.

من المفيد الإشارة إلى أن التسمية تعود في الأصل إلى علم الجغرافيا، وهي تعكس العلاقة بين المدينة والمناطق المتاخمة لها، لكن المهمّ أيضا في هذا المستوى هو نوعية العلاقة ودلالاتها وأبعادها.

السياسيون في تونس اختاروا التخندق في مراكزهم دون أن يولوا رؤوسهم جهة الأطراف. أسئلة عديدة تطرح ورؤى مختلفة تطفو على السطح في هكذا مستوى من الحديث.

أولا هل يفهم الفاعلون السياسيون في تونس دلالات الاختيار بأن تكون فاعلا في كافة مجالاتك الوطنية دون تمييز وتفضيل؟ وهل حقا هم واعون باختيار طرق أمثل للتهيئة، على صنوفها المتعددة، بيئية، اجتماعية، اقتصادية، لمعالجة المشكلات التي تعانيها أغلب المناطق المتعطشة للتنمية ولعل أغلبها واقع في المناطق الطرفية؟

ثانيا هل تغيب عن أذهان السياسيين الأرقام المفزعة التي تحتلها تونس والصادرة في مجملها عن أعرق المراكز العالمية في العديد من المستويات؟، وهل ثمة إدراك لضرورة معالجة الملفات العاجلة والتي لا تحتمل التأجيل أكثر على غرار ملفات التهريب والأسواق الموازية، وإعادة هيكلة البنية الاقتصادية وغيرها من الملفات التي أضحت آسنة في مخيّلة جميع الفئات في تونس؟

وسط هذا المخاض العسير من الأسئلة والأطروحات، يطل خبر مدو على التونسيين مفاده التعديلات الحكومية الجديدة المدخلة على القانون الأساسي لمنع استهلاك المواد المخدرة وترويجها، ليضعهم في حيرة من أمرهم. فمن ناحية لجهة التعاطي الحكومي السلبي مع هذا الملف، الذي أضحى يهدد فئات واسعة من الشباب التونسي، سواء داخل المؤسسات التعليمية أو خارجها، ومن ناحية ثانية لجهة التقاعس الأمني في الإيقاع بالشبكات الكبرى المسؤولة عن إدخال هذه المواد لتونس، من رؤوس أموال وممولين ومهربين، وكشف هوياتها للرأي العام.

ملف آخر لا يقل اهتماما يطرح في إطار لعبة المركز والأطراف، ما تقوم به أطراف من داخل الحكومة التونسية وخارجها في إطار دعمها لإيجاد أرضية تسوية للملف الليبي. فعلى افتراض أن الحل ربما يكون تونسي الولادة والمنشأ، وهو أمنية لشرائح واسعة من التونسيين، لكن ما يدور في الكواليس والأروقة الضيقة يوحي بالنقيض، على اعتبار ما يقوم به زعيم حركة النهضة في تونس راشد الغنوشي من زيارات معلنة وأخرى غير معلنة بالتنسيق مع قيادات إخوانية في ليبيا وأقطار عربية أخرى (تركيا وقطر) هدفها تجيير الملف الأصلي (التصنيفات التي تصدر ضد جماعة الإخوان المسلمين) وجعله أسير الرفوف، فيما يطبع التوجّس العديد من اللقاءات الأخرى، سواء التي تمت أو بصدد التنسيق، مع العديد من الأطراف الليبية والجزائرية داخل تونس وخارجها.

سيناريوهات مفتوحة للملف الليبي على كل الواجهات بتعدد الفاعلين والمتدخلين وتنامي الصراع في ما بينهم في الفترة الأخيرة، سواء منهم اللاعبون الدوليون أو الإقليميون، وفي هكذا مستوى يتوجب على الحكومة التونسية فرض المزيد من التحصين على مستوى الجبهة الليبية، وخاصة لجهة الدبلوماسية الخارجية التي تنتظرها جهود مضاعفة ومستوى من المرونة في التعامل.

مطلوب اليوم من كافة الفاعلين السياسيين، وخصوصا الجهات العليا المسؤولة في الدولة، ترتيب الملفات حسب الأولوية يكون مرفقا برؤية بانورامية لا تستثني الأطراف في تدخلاتها، بعيدا عن المحاصصة والرؤية الضيقة وسياسة المركزية الغارقة في الانغلاق والتقوقع لدرجة وصلت حد التعفّن.

الأمثلة عديدة للدول التي قطعت مع السياسات التهيوية البالية وانفتحت على أطرافها وطلقت ظاهرة المركزية بالثلاث، وأعطت أولوية لنموذج المحافظات المنفتحة، فكان الإقلاع.. لم لا نجرب مع هذا النموذج؟

كاتب من تونس

4