المرور بداعش يرغم الصحفي على إعادة النظر في تغطية الحروب

الثلاثاء 2015/04/07
لم يعد الدخول إلى مناطقة سيطرة داعش يغري الصحفيين

اسطنبول - التغطية الصحفية لأماكن الصراع تعتبر تجربة محفوفة بالمخاطر عموما، لكن دخول الصحفيين إلى المناطق التي تسيطر عليها داعش يعتبر الأكثر خطرا نظرا لعداء التنظيم الإرهابي للصحفيين وخاصة الأجانب منهم.

يدخل المراسل الحربي إلى أماكن الصراع في سبيل إنجاز قصة مميزة ومثيرة، ينفرد بها، وليضيف إلى مسيرته المهنية تجربة خاصة تضاف إلى رصيده الصحفي، إلى جانب نقل معاناة الأشخاص المدنيين الذين يمرون كأرقام في الحروب والصراعات.

وتغري تجربة الدخول إلى المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش الكثير من الصحفيين، رغم تجارب من سبقوهم ونالوا حتفهم على يدي التنظيم المتطرف.

ويصف الصحفي التركي بنيامين ايغون اللحظات الرهيبة التي قضاها في معتقله الداعشي، حيث شعر قبل عام من الآن أن ساعته اقتربت حين أبلغه حراسه من تنظيم ما يدعى بـالدولة الإسلامية، عن قرب إعدامه. لكن المصور الصحفي التركي خرج من أسره بمعجزة غريبة ليروي ساعات اعتقاله الرهيبة.

تجربة ايغون تعيد النظر في شأن المخاطرة بالذهاب إلى أماكن الصراع والحروب والتكلفة الغالية التي يدفعها المراسلون الحربيون والصحفيون، فيقول جيرمي بوين، مراسل الـ“بي بي سي” إن تهديدات تنظيم داعش تجعل “حتى الصحفيين الأكثر ميلا للمغامرة والأكثر جرأة” يفكرون بجدية حول ما إذا كان العمل في سوريا يستحق المخاطرة.

ووصف بوين، محرر شؤون الشرق الأوسط، الصراع في سوريا بأنه “صعب للغاية وخطير في بعض الأحيان” بالنسبة للصحفيين.

وأضاف “التهديد الذي يشكله (داعش) يعد أمرا قاطعا إلى درجة أنه حتى الصحفيين الأكثر ميلا للمغامرة والمخاطرة يترددون في المجازفة”. مؤكدا أن “رؤية زملائك وهم يذبحون على يد جماعة سعيدة بذلك يجعل من الصعب القول بأنك من أصحاب الخبرة أو أنك حذر للغاية من الدخول في مأزق”.

لقد جرى ذبح الصحفيين الأميركيين جيمس فولي وستيفن سوتلوف بعد اختطافهما على يد تنظيم داعش في سوريا، بالإضافة إلى ذبح عامل الإغاثة البريطاني ديفيد هاينز والمتطوع الآن هينينج عقب أسرهما فور دخولهما للأراضي السورية.

بنيامين ايغون: شعرت داخل معسكرات داعش أن ساعتي قد اقتربت

وربما يدفع المصور الصحفي التركي ايغون في كتابه المعنون “40 يوما بين أيدي تنظيم الدولة الإسلامية”، الصحفيين أيضا إلى التفكير مليا في كلام جيرمي، إذ يصف ايغون يومياته كسجين، وعلاقاته مع سجانيه بالإضافة إلى إلقاء الضوء على آلية عمل التنظيم ونفسية مقاتليه.

وقال ايغون خلال حوار مع وكالة فرانس برس في مكتبه في صحيفة ميلييت التركية في اسطنبول “لو لم أكتب مذكراني لكنت خذلت زملائي”.

وأشار إلى صحفيين آخرين أعدمهم تنظيم الدولة الإسلامية بقطع رؤوسهم. وأضاف “الأربعون يوما كانت بالنسبة لي أربعين عاما”.

وكان المصور التركي الحائز على جوائز عدة، من أوائل الصحفيين الذين تجاوزوا الحدود السورية لتغطية الحرب الأهلية الدائرة فيها منذ أكثر من أربعة أعوام.

وفي 25 نوفمبر 2013، تغير مسار ايغون جذريا. فبعدما قطع الحدود، هاجمت مجموعة من ثمانية مسلحين السيارة التي كان يستقلها رفقة ضابط من الجيش السوري الحر في قرية سلقين في محافظة إدلب في شمال غرب سوريا.

وزاد الطين بلة أن بنيامين يحمل اسما شائعا بين اليهود، فاتهمه المسلحون بالتجسس لصالح الدولة العبرية. عصب الخاطفون عينيه وبدأوا باستجوابه. “سألوني إن كنت أشرب الكحول، ولصالح من أعمل، وطلبوا أن أعطيهم أسماء محددة (…) كانوا يجبروننا على الوضوء والصلاة خمس مرات في اليوم، وهو ما لم أكن أعلم كيف أقوم به”.

قال إن رفاقه في الحجز علموه بسرعة طريقة الصلاة “لأن المصلين أقل عرضة للتعذيب”.

وفي أحد الأيام أبلغه سجان ارتاح له الصحفي واعتاد مناداته بـ”العم” أنه تقرر إعدامه. قال له “انهض، صل واستغفر ربك (…) ستعدم غدا بالسيف”.

يقول صحفي ميلييت “مر شريط حياتي أمام عيني. كنت أتخيل الطريقة التي سأعدم بها كلما أغمضت عيني. انتظار موتي كان قمة التعذيب”.

جيرمي بوين: رؤية زملائك وهم يذبحون يجعل من الصعب القول بأنك من أصحاب الخبرة

انتظر بنيامين ايغون حضور الجلاد في أي لحظة، وكان يعد نفسه لمواجهة سجانيه مفضلا الموت بالرصاص على أن يقتل بالسيف.

ولكن خلال ثلاثة أيام لم يحصل شيء، حتى أطلعه أحد حراسه على جثة “العم” بعد مقتله في معركة.

بعد أربعين يوما من الاعتقال، تحرر ايغون على يد مجموعة جهادية أخرى، ولـم يعلم إلا بعد حين أن تنظيم الدولة الإسلامية انسحب من البلدة التي كان محتجزا فيها، وأن أجهزة الاستخبارات التركية تـواصلت مـع المجموعة التي باتت تحتجزه لـتحريره.

بعد عام على الحادثة لا يزال ايغون يذكر معاناته الرهيبة، لكنه يتمنى أن يأتي اليوم الذي يعود فيه إلى سوريا لممارسة مهنته مجددا.

ويقول ايغون “لقد تأثرت كثيرا بما عانيته ولـكنه ليس بالأمر المهم أمام الوحشية التي قتل بها تنظيم الدولة الإسلامية ويقتل كل يوم” أعدادا كبيرة من الضحايا متذكرا زميليه الأميركيين جيمس فولي وستيف سوتـلوف أو كـثيرين غيرهم مـن الرهائن الذين أعدمـوا.

ويضيف “كتابة هذا الكتاب كانت مؤلمة مع العودة بالذاكرة إلى تلك اللحظات، ولكني شعرت في النهاية بكثير من الارتياح”.

18