المريض اللبناني الذي لم يعجبه الدواء

لعلّ أخطر ما أعاد الوزير الفرنسي اكتشافه أن المسؤولين في لبنان لا يستوعبون خطورة الوضع في بلدهم، وهو ما دعاه إلى القول إن الوضع اللبناني "في غاية الحرج"، أي أن الكارثة حلّت.
الأحد 2020/07/26
اعتراف فرنسي بخطورة الوضع اللبناني

إذا كان من فائدة ما تذكر للزيارة التي قام بها للبنان وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، فإنّ هذه الفائدة تكمن في تأكيده ما بات في غير حاجة إلى تأكيد. أكّد لودريان على طريقته من خلال تصريحات عدّة أن لا أمل في أي إصلاحات في لبنان في ظلّ "حكومة حزب الله" في "عهد حزب الله". لعلّ أخطر ما أعاد الوزير الفرنسي اكتشافه أن المسؤولين في لبنان لا يستوعبون خطورة الوضع في بلدهم. هذا ما دعاه إلى القول إن الوضع اللبناني "في غاية الحرج"، أي أن الكارثة حلّت.

المضحك المبكي أن المسؤولين اللبنانيين لم يتردّدوا في طلب مساعدات فرنسية وتنفيذ مقررات مؤتمر "سيدر" الذي انعقد في باريس في نيسان – أبريل 2018.

لم يعد في لبنان مسؤول قادر على استيعاب أن مؤتمر "سيدر" كان لمساعدة لبنان أصلا ولكن ضمن شروط معيّنة. هذه الشروط مرتبطة أساسا بإصلاحات محدّدة، خصوصا في مجال الكهرباء. وضع "حزب الله" و"التيّار الوطني الحرّ" وآخرون، كل منهم لأسباب خاصة به، كلّ العراقيل التي يمكن وضعها كي تعجز حكومة سعد الحريري التي استقالت في أواخر تشرين الأوّل – أكتوبر 2019، عن تنفيذ أي إصلاحات من أيّ نوع في أيّ مجال من المجالات.

ما زال المسؤولون اللبنانيون الموجودون في السلطة حاليا يعتقدون أن المجتمع الدولي جمعية خيرية وأنّ لبنان مهمّ في المنطقة وأنّ مهمّة فرنسا تقتصر على إنقاذ لبنان بعد كلّ هذا الانهيار الذي حصل. لا يدرك هؤلاء بعض البديهيات. من بين البديهيات التي تفوتهم أن فرنسا تعاني بدورها من وضع اقتصادي سيء زاده وباء كورونا سوءا.

هل من أمل بخروج لبنان من حال الانهيار؟ الأمل موجود والبداية موجودة. لا مفرّ من تغيير جذري على كلّ صعيد وعلى كلّ المستويات في السلطة. بكلام أوضح، إن الأزمة اللبنانية سياسية قبل أن تكون اقتصادية. لا يمكن الإقدام على أي خطوة في اتجاه الإصلاح من دون طاقم سياسي جديد ونظيف على علاقة بما يدور في الداخل اللبناني وفي المنطقة والعالم.

لا يوجد في لبنان، بدءا برأس الهرم وصولا إلى أيّ إدارة من الإدارات، من يستوعب معنى الإصلاحات المطلوبة. هناك عقل ريفي منغلق على نفسه يظنّ أن مؤسسات الدولة اللبنانية ما زالت قائمة وأنّ في الإمكان الرهان عليها، بما في ذلك على إيجاد وظائف للعاطلين عن العمل في القطاع العام.

كان لافتا كلام وزير الخارجية الفرنسي عن المؤسسة العسكرية عندما وصف في المؤتمر الصحافي الذي عقده في وزارة الخارجية اللبنانية الجيش بأنّه “العمود الفقري” للبنان. شدّد أيضا على أهمّية قوى الأمن الداخلي ودورها. أراد بكل بساطة القول إنّه لا يزال في لبنان ما يمكن التأسيس عليه من أجل إعادة بناء الدولة. ما لم يقله أن لا أمل في تحقيق أي تقدّم في أي مجال في حال بقي العهد الحالي. هناك بكلّ بساطة كارثة حلّت بلبنان في اليوم الذي أصبح فيه مرشّح “حزب الله” رئيسا للجمهورية. هناك أزمة لبنانية عميقة تبدأ بالسياسة وتنتهي بالاقتصاد.

لا يمكن أن يكون على رأس الهرم في لبنان شخص لا يدرك معنى أن يقرّر “حزب الله”، الذي ليس سوى لواء في “الحرس الثوري” الإيراني، من هو رئيس جمهورية لبنان المسيحي تمهيدا لبلوغ مرحلة يختار فيها “حزب الله” من هو رئيس مجلس الوزراء السنّي.

عندما لا يكون في لبنان رئيس للجمهورية ورئيس لمجلس الوزراء ووزراء يسمّون الأشياء بأسمائها، لا يعود هناك أي أمل لا في إصلاحات ولا في الحصول على مساعدات. هناك أولوية واحدة لـ”حزب الله” تتناقض كلّيا مع الأولويات اللبنانية. أولوية “حزب الله” خوض حروب إيران في كلّ بقعة من المنطقة. لبنان، بالنسبة إلى الحزب، ليس سوى “ساحة إيرانية”.

باختصار شديد، لا يستطيع لبنان القيام بأي إصلاحات في ظلّ التركيبة السياسية التي تتحكّم بمصيره هذه الأيّام. إنّها تركيبة لا علاقة لها لا بالسياسة ولا بالاقتصاد، تركيبة لا تستطيع أن تكون في مستوى الانهيار اللبناني وأبعاده المختلفة، تركيبة لا تفهم معنى فقدان الثقة بالنظام المصرفي اللبناني. الأهمّ من ذلك كلّه، أنّها لا تعرف معنى إفقار اللبنانيين والقضاء نهائيا على الطبقة المتوسّطة. نحن أمام تركيبة عاجزة عن رؤية الواقع واستيعاب معنى قول وزير الخارجية الفرنسي أن لبنان وصل إلى “قعر الهاوية”.

لا إصلاحات يعني لا مساعدات. البلد مقبل على انهيار أكبر من الذي يمرّ فيه حاليا. ما هو مؤسف أن لبنان لم يعد يصلح لشيء غير أن يكون “ساحة” لإيران. لم يعد السؤال هل انهار لبنان؟ السؤال هل يمكن إعادة بناء لبنان؟ الجواب أن لبنان انهار بالفعل. ما هو لبنان في نهاية المطاف؟ لبنان مدرسة وجامعة ومستشفى ومصرف وخدمات من كلّ الأنواع وانفتاح على محيطه العربي والعالم. لم يبق قطاع واحد سليم في لبنان. لا توجد دولة عربية أو غير عربية، باستثناء إيران، مستعدة لاستقبال رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الوزراء في لبنان.

المشكلة أن ليس في البلد من هو قادر على الوصول إلى استنتاجات واضحة. لعلّ الاستنتاج الأوّل الذي لا مفرّ من الوصول إليه والعمل انطلاقا منه أن أزمة لبنان سياسية أوّلا وأن البلد لا يمكن أن يبقى على قيد الحياة في ظل التركيبة القائمة حاليا. هناك حاجة إلى تغيير في العمق على كلّ المستويات. هناك حاجة لبنانية إلى توقف كبار المسؤولين عن لعب دور الواجهة لـ”حزب لله” ومن يقف خلفه في إيران. هناك حاجة إلى موقف حقيقي من “الحياد” الذي ليس مجرّد فكرة طرحها البطريرك الماروني، بمقدار ما أنها محاولة أخيرة من الفاتيكان لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من لبنان بمسيحييه ومسلميه.

جاء وزير الخارجية الفرنسي إلى لبنان لإلقاء نظرة على المريض. وصف الدواء. وجد أن الدواء لم يعجب المريض الذي لا يريد التجاوب، خصوصا أن هناك من يحذّره من الدواء. ما الذي يستطيع الطبيب عمله في مثل هذه الحال، غير الدعاء والتمنيات؟

5